اللمس في التدريب الرياضي للأطفال... قضية تربية أم تطرف
بصائر تربوية
٢٤ يوليو ٢٠٢٥
٤٤ مشاهدة

اللمس في التدريب الرياضي للأطفال... قضية تربية أم تطرف

مع انطلاقة صرخة الحياة يضع الطبيب الطفلَ الوليدَ بين أحضان أمه لكي يشعر بنبضها، أنفاسها ولمساتها، يشتمّ رائحتها، ويسمع صوتها فيتعرف عن قرب على المرأة التي رافقها لشهور، هذا يعني أن التلامس من أهم طرق التواصل، ليس ذلك وحسب بل ومن أهم طرق التقارب؛ لأن اللمس لا يشبه غيره من بين الحواس الخمس، فهو يحرك بقية حواس الجسم ويغير حتى رتم ضربات القلب. كمستشارين تربويين وأسريين، نعمل على ترسيخ فكرة التلامس الجسدي بين الأبوين وأطفالهما خلال الأنشطة المختلفة، فيقتربان منهم في اللعب، المذاكرة، النوم، الحب، الإرشاد، التعليم، تناول الطعام، وغيرها، كذلك الأمر في العلاقات العاطفية والسبب واحد وهو التقارب؛ فإن التقارب الروحي ونجاح العلاقات يبدأ بالتقارب الجسدي. من هنا ارتأيت أن أتحدث عن هذا الموضوع؛ لأن الكثير من الاستشارات التربوية التي ترد في هذا السياق تكون من التعقيد بمكان، وتقف تساؤلات الوالدين عائقًا – في الغالب – بين رغبتهما في تحقيق نجاح ما لأبنائهما وبين الحفاظ على مبادئهما التربوية، لذلك آثرت التحدث عنه بشيء من التفصيل؛ ليكون محط طمأنينة للوالدين.
التلامس من أهم طرق التواصل والتقارب؛ لأن اللمس لا يشبه غيره من بين الحواس الخمس، فهو يحرك بقية حواس الجسم ويغير حتى رتم ضربات القلب

أنتم آباء طبيعيون.. فلا تقلقوا:

يقف الصراع عائقًا أحيانًا بين رغبة الوالدين في تنمية مهارات البنات وبين رفضهما التساهل في أن يكون المدرب الخاص بتلك المهارات "ذكرًا"، وسنحاول تجنيبهم القصور التربوي الذي يرونه ويشعرون به طوال الوقت لدى نظرائهم من الأهالي الذين يسمحون لمدربين ذكور بملامسة أجساد بناتهم في إطار التدريب على رياضات – تحديدًا – مثل: السباحة، القفز، التزلج... وغيرها. فعلى جانب آخر تجد كثيرين من الآباء والمربين لا يشعرون بأدنى قلق تجاه انتشار تلك الظاهرة ويتقبلونها بل يتعدى الأمر ذلك إلى مناهضة أي معترض بل ويتهم من يقلق ويعترض بالتخلف والرجعية. كثير من المفاهيم الهدامة دخلت إلى المجتمعات السويّة – عربية أو غير عربية، مسلمة أو غير مسلمة – عن طريق تطبيعها وزرعها في العقل الباطن بطرائق خبيثة جدًا ودسائس لا يمكن كشفها بسهولة، مثل الشذوذ والعري وقلة الحياء. أنت أب طبيعي حينما تفكر في حماية ابنك من تبلد الإحساس، والاعتياد على السلوكيات الخاطئة وتشريع الممنوع دينيًّا وتربويًا ونفسيًا، وأنت أم طبيعية جدًا حين تراقبين حركات المدربـ/ـة ولمساته/ ـا لطفلك والتدقيق على الحد من اللمسات غير الضرورية تحت أي مسمى كان؛ فإن التدريب – وإن كان مهمًّا – فهو ليس أهم من الحياء سواء للذكر أو الأنثى فليكن التدريب – إن كان ضروريًا جدًا ولا مجال لتغيير جنس المدرب – بدون لمس إطلاقًا.

أسس نفسية وأصول تربوية:

يبدأ طفلك مبكرًا في تمييز حواسه، أبكر بكثير مما يعتقد الوالدان، وللأسف فإن إحساس الطفل يتبلد شيئًا فشيئًا بتكرار المؤثر، ويفقد القدرة على التمييز بين اللمس الآمن واللمس غير الآمن أو اللمس الضار – إذا أردت - لجسده، فإذا لم يركز المربون على تعليمه الفرق بينهما والتنبيه على حدود جسده فإنه سوف يفتقد بالتدريج قدرته على تمييز التعدي، وذلك حسب ما أكدته أخصائية التربية والباحثة في علم نفس الطفولة الدكتورة (ليندا بابادوبلوس) وبالتدريج يفقد الطفل استقلاله الجسدي تمامًا وإذا اعتاد اللمس من أيّ شخص – الكبار منهم بالذات – فإنه يتحول إلى إنسان غير مهتم بحدود جسده؛ لأن البيئة المحيطة عوّدته بدون أدنى مسؤولية على فكرة أن حدود جسده غير مهمة وأنه يمكن لأيٍّ كان أن يلمس جسده في أي وقت بأية حجة.
إذا لم يركز المربون على تعليم الطفل الفرق بين اللمس الآمن واللمس غير الآمن، فإنه سوف يفتقد بالتدريج قدرته على تمييز التعدي
تلك الرسائل التي تصل إلى عقل الطفل وإحساسه تبدو مربكة جدًا وتخلق جوًا من الفوضى والتوتر بداخل عقله، تأخذه شيئًا فشيئًا إلى المعاناة مع عدم السيطرة والعجز أمام رغبات يمكن أن تضر أكثر مما تنفع. قد يبدأ الأمر بالدغدغة التي يلاعب بها الوالدان طفلهما – مجرّد الدغدغة التي يحبها الطفل ويستمتع بها ويضحك معها والوالدان مصدر أمان ولمساتهما مُحِبّة وآمنة، لكن الأمر حساس – فإن الطفل لن يستطيع إيقاف إحساسه بالاستمتاع بالدغدغة البسيطة السريعة الممتعة ولو أراد ذلك، وقد يصل الأمر إلى زرع بذرة العجز وعدم السيطرة لدى طفلك.. حاول أن تفكر في القدر الذي آذيته به إن لم تُعَلّمه كيف يوقف اللمس في وقت ما. الطفل في كثير من الأحيان لا يستطيع أن يقول "لا" ومن هنا فإن على الوالدين والمربين أن يعلّموا الطفل ويشجعوه على قول "لا" وقول "توقف أنت تؤذيني" في الوقت المناسب ومع الفعل غير المناسب وإن كان ملاعبة لطيفة في وقت غير مناسب أو دغدغة عنيفة في وقت مناسب. أحيانًا تكون إشارات الطفل في رفض الفعل – فطريًا – كثيرة ولكنها غير مفهومة لدى الوالدين، فكيف ننتظر من طفل أو طفلة أن تتعلم حدود جسدها وتتعلم قول "توقف" في الوقت المناسب وأمام الفعل المناسب، وهي تتعرض إلى اللمس بشكل مستمر من أحد الأغراب، وبمباركة الوالدين ورضاهما بل ودعمهما ودفعهما إلى ذلك الفعل! هذا تمامًا ما يحدث عندما يسلم الوالدان طفلتهما الأنثى إلى مدرب (ذكر) أو طفلهما الذكر إلى مدربة (أنثى)

ماذا بشأن المدرب من نفس الجنس:

كثيرون طرحوا سؤالًا أثار الجدل في جلسة جماعية لمناقشة الأمر، تساءل الأهالي: "هل المدربة الأنثى ستكون آمنة للطفلة الأنثى تمامًا، أو المدرب الذكر لأطفالنا الذكور آمن تمامًا، خصوصًا وقد انتشر الشذوذ بشكل مرعب؟" عندما يتعلم الطفل حدود جسده يستطيع أن يمنع أي غريب من لمسه لمسًا ضارًا أو عاديًا ولكن بغير ضرورة، ويتعلم من له الحق في الاقتراب منه ومتى أو كيف يقترب. نحن لا ننفي أهمية التمارين الرياضيّة ولا نخوّن المدربين والمدربات، ولا نستطيع أن نقول إنهم ليسوا أهلًا للثقة، ولا نشكك في النوايا، بل نعزز الثقة بهم، وندعم ترك الأبناء في عهدتهم وضمانهم لساعات طويلة، ونؤمنهم على أجزاء من أرواحنا، وفلذات أكبادنا، لكن الأمر أعمق بكثير من تلك النظرة السطحية، نحن – بكل بساطة – ننشد السلامة النفسية، العقلية، الجسدية، والروحية ... لأبنائنا! أغلب المدربين ونستطيع أن نقول جميعهم – إلا ما ندر وشذّ – هم أهل ثقة، مؤهلون تربويًا ونفسيًا، لكن ببساطة أغلب أبنائنا يكونون بين أيادي المدربين خلال سنوات طفولتهم المبكرة، تلك الفترة الحرجة إلى حد كبير في مسألة تكوين الوعي بالجسد لدى الطفل كما جاء في نظرية أريكسون في النمو النفسي الاجتماعي.
الاهتمام بالفصل بين الأنثى والذكر منذ سن مبكرة سوف يؤسس لمفهوم كرامة الجسد وحرمته وحدوده في عقل الطفل ووجدانه

نحن نثق بالمدرب ولا نخوّنة:

قبل أن أتحدث في هذا البند... أود توجيه القارئ الكريم إلى البحث في المصادر (الأجنبية تحديدًا)؛ لكي يكتشف بنفسه أن الأمر ليس – على الإطلاق - عقدة شرقية أو تزمتًا دينيًّا أو نَزَقـًا عربيًا.. الأمر متعلق بصحة الطفل وسلامته النفسية وفقط، وقد اعتمدت في مقالي هذا على مصادر أجنبية كتبها باحثون تربويون (ليسوا مسلمين ولا عرب ولا متزمتين) أهمهم ربما الدكتورة ليندا الباحثة في جامعة تورنتو بكندا. تنتشر مصطلحات تربوية كثيرة جدًا، واقتباسات جمة، وتصريحات نابضة وقوية لباحثين ومستشارين تربويين في هذا الشأن، لا يمكنني إحصاؤها في هذه المساحة المقيدة بالكتابة، لكن مقابلها العربي هو "الحياء" مصطلح الحياء الذي يتندر كثيرون به يبحث الغرب عنه ويشيدون به ويتغنون بأخلاق من يتحلى به، إذ تشير كثير من النظريات الحديثة إلى أن الحياء – الذي هو في ديننا شعبة من شعب الإيمان – هو أداة مهمة للحماية النفسية والاجتماعية للأطفال. أحد الآباء المسلمين الذين يعيشون في إحدى الدول الأوروبية سألني يائسًا وبلهجة حزينة: "كيف يمكنني أن أعلم ابنتي الحفاظ على حيائها هنا؛ فحيث نعيش تُضّطَر للتعامل مع الأولاد كثيرًا وتُضطر لمشاهدة وثائقيات مع أبناء فصلها الدراسي لا أسمح لها – مثلًا – بمشاهدتها مع أخيها؟!" لكن أن نترك أبناءنا يتعرضون إلى لمسات سوف تؤدي لاحقًا إلى مشاكل نفسية وغير نفسية لا نتمكن من السيطرة عليها بعد فوات الأوان فهذا أمر مرفوض، وإن كان تحت مسمى "هذا ضد مصلحة ابنك"، "المدرب ثقة"، "أنت تقتل موهبة طفلك"، "هذا ليس تصرف محترفين"... وغيرها من عبارات معسولة ظاهرها فيه المصلحة وباطنها مسموم

أخيرًا..

وضع إسلامنا العظيم حدودًا إن التزمناها في تربية أبنائنا فإنهم سيتمتعون ببناء أسوار وقائية حولهم من أي ضرر قد لا نلاحظ كآباء تحديقه بهم. والاهتمام بالفصل بين الأنثى والذكر منذ سن مبكرة سوف يؤسس لمفهوم كرامة الجسد وحرمته وحدوده في عقل الطفل ووجدانه، ويجعل الطفل شيئًا فشيئًا يميز بين اللمسة الآمنة أو المهنية، واللمسة غير الآمنة أو المتحرشة!

تاريخ النشر: ٢٤ يوليو ٢٠٢٥ في ٠٣:١٨ م

آخر تحديث: منذ ساعة

مختارات من بصائر تربوية

عن الكاتب

سماح ضيف الله المزين

سماح ضيف الله المزين

كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة