
شكر أم تفاخر؟ الوجه الخفي لعرض النعم على السوشيال ميديا
صار الكثير من الناس يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لاستعراض ما أنعم الله عليهم، أو من باب شكر الله "على الملأ" كما يدّعي البعض. وكثُرت الفيديوهات والصور والمنشورات التي يعرض فيها الناس حياتهم الشخصية، والمواقف التي يتعرضون لها، مع غيرهم من الناس. هذا بالإضافة إلى حياتهم الزوجية والأسرية، والنشاطات التي يقومون بها مع أطفالهم، وحتى ما يأكلونه ويشربونه، والأماكن الفخمة المكلفة التي يرتادونها.
وصار الأمر منتشرًا ومربحًا للكثيرين إلى الدرجة التي جعلت الأطفال يرون فيه وظيفة المستقبل. فحين تسأل كثيرًا من الأطفال الآن عن وظيفة الأحلام، يسارع البعض بالإجابة دون سابق تفكير: "يوتيوبر"، وهو في الغالب لا يدري معنى الكلمة! وحتى إن كان على علم، فهو لا يملك أدنى فكرة عما سينشره بالضبط على تلك المنصة أو تلك الصفحة الإلكترونية.
لكن المسكين وجد غيره من الكبار والصغار يعرضون حياتهم اليومية والشخصية على اليوتيوب وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، وينالون ملايين المشاهدات ومن ثم الكثير من المال!
فكيف لنا أن نلوم طفلًا على طموحه لكسب المال من أسهل وأقصر طريق ممكن، ألا وهو عرض حياته الشخصية ــ سيما البراق منها ــ فلا بد له أن يجد ملايين المعجبين كذلك، كما وجد غيره ممن ينشرون تفاصيل تافهة أو مستفزة أو لا تعود بالفائدة على أحد.
فمسألة استخدام وسائل التواصل للمنظرة والتفاخر على الناس بما أنعم الله به، أمر مستفز ومثير للرثاء. ومعظم هؤلاء يزعمون أنهم يقومون بهذا الأمر لشكر الله تعالى على نعمه، ومشاركة الفرحة مع الناس.
كيف لنا أن نلوم طفلًا على طموحه لكسب المال من أسهل وأقصر طريق ممكن، ألا وهو عرض حياته الشخص ــ سيما البرّاق منهاوحتى نقف على مدى صحة ذلك الزعم، دعونا نعرض أولًا بعض الأمثلة لما يقوم هؤلاء الناس بمشاركته على وسائل التواصل الاجتماعي:
- تصوير كوب القهوة أو أي مشروب يعادل ثمنه عادة ثمن وجبة طعام لكثير من الناس.
- ملابس فخمة، أو عطور، أو أجهزة إلكترونية مرتفعة الثمن لا يستطيعها إلا قلة من الناس، حيث يعادل سعرها عادة سعر مقدَّم سيارة أو شقة لآخرين، إن لم يكن أكثر.
- فاتورة الطعام، والتي عادة ما تصل لعدة آلاف!
- فيديو لشخص وهو يتناول الطعام، ويوصفه باللذة والروعة وأنه لم يذق مثله في حياته!
- فيديو أو صور أو منشورات للأزواج وهم يمدحون أو يتغزلون ببعضهم، أو يعلنون حبهم وتقديرهم لبعضهم على الملأ!
شكر النعمة يكون بحمد الله، وتأدية سجدة الشكر، واستغلال النعمة في الحلال، لا بمقاطع التفاخر وفواتير المطاعمالفئة الثانية: الحاسدون والحاقدون: فليس كل إنسان يتمنى الخير لغيره، وقد قل من يذكر الله ويدعو للناس بالبركة حين يراهم في نعمة. وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين". الفئة الثالثة: الذين يحمدون الله ويدعون لك بالبركة: لكنك بهذا الفعل قد تكون قد كسرت قلوب بعض هؤلاء الناس دون أن تشعر. فقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بالكفار، فنهانا عن استخدام أواني الذهب والفضة، فقال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة". (متفق عليه). وقد ذكر بعض العلماء أنَّ استخدام الذهب والفضة قد يزرع في نفس الإنسان الكِبْر والخيلاء، ولربما كسر قلوب الفقراء لأنهم لا يملكون القدرة على امتلاكها إن أرادوا. وهكذا، فقد لا يفرحون لأجلك أو يهمهم أمرك ــ كما تظن وتتمنى ــ ولكنهم لن يحسدوك أو يحقدوا عليك لإيمانهم بأن الأرزاق بيد الله، وأن الله يرزق من يشاء بغير حساب. بيد أنهم من جهة أخرى، ورغم غبطتهم لكم، قد يتمنون بعضًا أو كلًّا مما عندكم وحُرموا منه. وكانوا قد رضوا وارتضوا ما قسم الله لهم، حتى شاهدوا الفيديو الذي تستعرض فيه نعمة الله، ليوقظ فيهم أحاسيس ربما لم ينسوها، ولكنهم قطعًا حاولوا تناسيها، شاكرين الله على واسع فضله ونعمه الأخرى التي لا تعد ولا تُحصى. الفئة الرابعة: من لا يعنيها ما تقول: وغالبًا ما ستتجاهل الفيديو بمجرد رؤية العنوان أو بعد مرور عدة ثوانٍ. الفئة الخامسة: من نفس الطبقة الاجتماعية: وهي إما ستكون ممن يسعدون لك، أو يظهرون ردة فعل مشابهة للفئة الرابعة التي لا تبالي بما نشرت، فهي قد مرّت بالتجربة بنفسها ولا يهمها رأيك في الموضوع.
الأهداف التي يدّعيها ناشرو تلك الفيديوهات والرد عليها:
أولًا: شكر الله تعالى على نعمه إذا كان الهدف فعلًا هو شكر النعمة، فما الداعي لتصوير فيديو مع السيارة أو الهاتف أو الشيء الجديد الذي اشتريته، أيًا كان؟! والذي في الغالب يكون باهظ الثمن، ويفوق مقدرة شريحة ضخمة ممن تُعرض عليهم تلك الفيديوهات. فشكر النعمة يكون بحمد الله تعالى، وتأدية سجدة الشكر، واستغلال النعمة في الحلال وعلى النحو الذي يرضي الله عز وجل، وذكر دعاء الحاجة الجديدة حتى يبارك الله له فيها ويكفيه شرها، وينتهي الأمر عند هذا الحد. ثانيًا: مشاركة الفرحة مع الناس أما بالنسبة لهدف مشاركة فرحتك لإسعاد الناس، فلتقم إذًا بالأمور التي تُدخل السرور على قلوبهم، أو تُفرّج كربة أحدهم. ولكن أن تصور للناس شيئًا باهظ الثمن أنت مالكه والمستمتع به الوحيد، ثم توهم نفسك بأنهم سيسعدون بالغنى والثراء الفاحش الذي وصلت إليه، فهذه من السذاجة والبلاهة بمكان. فالسوي من الناس الذي لن يحسدك سيكتفي بالدعاء لك بالبركة ولنفسه بالرزق الحسن، هذا إذا لم يغلق الفيديو قبل إكماله، أو يمر عليه مرور الكرام... (كما أوردنا في الفئات السابق ذكرها أعلاه)!كيف يكون عرض النعم على الناس مفيدًا؟
قبل أن تقوم بنشر أي صورة أو منشور أو فيديو، اسأل نفسك هذه الأسئلة، وأجب عليها بكل صدق وشفافية:- ما الفائدة العائدة على الناس من المشاهدة؟
- وما الضرر الذي سيتسبب به؟
- وأيهما سيغدو الأشد وقعًا؟
ما المطلوب حقيقةً ممن أنعم الله عليهم وأغناهم من فضله؟
1- شكر الله على فضله، حيث يقول النبي ﷺ: "ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً، فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ" (حديث صحيح). والتحدث بالنعمة يكون بشكرها، لا بالتكبر بها على الناس. 2- إذا أردت فعلًا أن تُسعد الناس، فهذا لا يتأتى بمشاركة نعمة رزقك الله إياها على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما بالحرص على القيام بالأمور التي أمر بها النبي ﷺ والتي من شأنها إدخال السرور على قلوب المسلمين، فيقول ﷺ: "أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهُمْ للناس. وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ يدخِلُهُ على مسلمٍ، أو يكشفُ عنهُ كربةً، أو يقضي عنهُ دينًا، أو تطردُ عنهُ جوعًا. ولأنْ أمشيَ مع أخٍ لي في حاجةٍ، أحبُّ إليَّ من أنْ أعتكفَ في هذا المسجدِ شهرًا" (حديث صحيح). فمثلًا، حين ترغب في نشر فيديو عن وجبة طعام كبيرة وغالية في مطعم فخم، اسأل نفسك هذه الأسئلة:- ما النفع الذي يعود على من يشاهد هذا الفيديو الذي أصور فيه نفسي وأنا أتناول وجبة طعام كبيرة وفخمة، ثم أصور في نهاية الفيديو فاتورة وجبة الطعام بالرقم الخرافي الفلاني؟!
- ألم يكن من الأولى، إن كان عندي هذا المال الوافر، أن أطعم مسلمًا ليس عنده القدرة على دفع عُشر تلك الفاتورة حتى في أحلامه؟!
- وإن كان ولابد لي من خوض التجربة كونها حلالًا، فما الفائدة التي ستعود على من يشاهدني، وهو لا يملك من المال ما أملك، وهو في نفس الوقت يتمنى ما حصلت عليه أنا؟!
هونوا على أنفسكم، فهذه الدنيا قصيرة، والموعد جنةٌ لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر
وأخيرًا، إلى من لا يستطيع تحقيق ما يراه من نِعم الآخرين:
ولأننا لا نستطيع بطبيعة الحال أن نمنع الناس من النشر والمشاركة، فوجب علينا كذلك تحصين أنفسنا من الأثر السيئ الذي قد تتركه مشاهدة تلك الفيديوهات في نفوسنا، وعليه فإليكم بعض الأمور التي يمكن أن تذكّروا أنفسكم بها: 1- ذكّروا أنفسكم بحديث النبي ﷺ: "مَن أصبح منكم آمنًا في سِربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا" (صحيح الترمذي). 2- أمّلوا في رحمة الله، واسألوه من فضله، فهو الرزاق يعطي من يشاء بغير حساب. 3- نادرٌ من الناس من أوتي الدنيا وما فيها من النعيم والملذات، فهَوِّنوا على أنفسكم بأنها مدّة يسيرة، والموعد جنة الخلد بإذن الله تعالى، حيث لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.الوسوم:
تاريخ النشر: ٣١ يوليو ٢٠٢٥ في ٠١:٢٣ م
آخر تحديث: منذ 4 ساعات
مختارات من بصائر تربوية
عن الكاتب
تسنيم عبد الرحمن النمر
كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي
عرض الملف الشخصي ←


