نرجسي أم أناني؟ دليلك للتفريق والتعامل الذكي

نرجسي أم أناني؟ دليلك للتفريق والتعامل الذكي

هل تساءلت يومًا ما إذا كان هناك خط فاصل واضح بين النرجسية والأنانية؟! لفهم جوهر الأمر، دعونا نبحر معًا في أعماق السلوكيات النرجسية والأنانية، ونستعرض الفروق الدقيقة والمهمة بينهما. في هذا المقال سنسلّط الضوء على السمات والدوافع المميزة التي تفرّق بين هذين النوعين من الشخصيات، مستندين على كثير من الدراسات العلمية لمساعدتك على التعامل مع النرجسيين والأشخاص الأنانيين على حد سواء.

تعريف النرجسية مقابل الأنانية:

إن اضطراب الشخصية النرجسية (NPD) هو حالة صحية نفسية تصيب نسبة تقدر بحوالي 1-6%. أما النرجسية المرضية الحقيقية فهي أندر من ذلك. فالأشخاص المصابون بها شديدو الهوس بأنفسهم، ومتعطشون دومًا للحصول على إعجاب وتقدير الجميع، وعجزًا واضحًا عن التعاطف مع الآخرين. غالبًا ما يرون أنفسهم متميزين وفوق الجميع. ومن المهم أن ندرك أن تشخيص الشخصية النرجسية لا يمكن أن يتم إلا من قبل أخصائي نفسي مؤهل ووفقًا لمعايير سريرية محددة. فمثلًا، ما انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة من وصف بعض الزوجات لأزواجهن بأنهم نرجسيين لمجرد أن الواحد منهم يأتي من عمله مرهقًا ويفضل التنفيس عن نفسه بعض الوقت بمشاهدة التلقاز أو التأمل "بلا هدف" في شاشة الهاتف لمجرد الراحة والاسترخاء بدلًا من الحديث معها أو تأجيله قليلًا. فصفات النرجسي تتجاوز مجرد رغبة الإنسان في الاختلاء بنفسه بعد يوم عمل شاق!

سمات النرجسيين هي أكثر من مجرد أنانية!

الفرق الجوهري بين النرجسيين والأشخاص الأنانيين ببساطة يكمن في سعي النرجسيين الدائم للحصول على الإعجاب والتقدير من الخارج. يُضخّم النرجسيون من قيمة أنفسهم ويشعرون بأنهم يستحقون معاملة خاصة، لذلك يمقتون حقيقة أن يواجههم الناس بأخطائهم. وغالبًا ما يعتقدون أن القواعد والأعراف الاجتماعية لا تنطبق عليهم، وينجحون دومًا في تبرير تصرفاتهم الدونية وغير الأخلاقية. ويفسر انعدام مشاعر التعاطف والرحمة لدى النرجسيين ندرة إحساسهم بالذنب أو الندم أو تأنيب الضمير، مما يؤدي إلى إيذائهم المتكرر غير المبرر ـــ إلا من قبل أنفسهم ـــ للآخرين. كما أنهم ينظرون إلى الناس على أنهم وسائل يستخدومنها لبلوغ أهدافهم. ويرفضون الاعتذار وتغيير أنفسهم حتى عند مواجهتهم بعواقب أفعالهم المؤذية.

ماذا عن الأشخاص الأنانيين؟

الأنانية، على عكس النرجسية، تُعرَّف بميل الشخص لإعطاء الأولوية لاحتياجاته على حساب الآخرين. قد يسعى الأشخاص الأنانيون للحصول على التقدير والانتباه، لكنهم لا يتوقعون بطبيعتهم أن يتم تمييزهم عن الآخرين. ولا يتعاملون بكِبْر وغرور على عكس النرجسيين. بالإضافة إلى امتلاك الأشخاص الأنانين القدرة على الشعور بالندم الحقيقي، والرغبة في الاعتذار وتغيير سلوكهم، خاصة حين يتضح الضرر الذي ألحقوه بالآخرين. كما أنهم يلتزمون بالمبادئ الأخلاقية، ولا يحاولون تبرير إيذائهم للناس ـــ إذا ما وقع ـــ بحجة تحقيق مصالحهم الشخصية.
النرجسي يرى الناس وسائل لتحقيق أهدافه، بينما الأناني قد يتراجع حين يرى أثر أفعاله

ما هي الفروقات الدقيقة بين النرجسية والأنانية؟

بينما يُعد كل من يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية أنانيًا بلا شك، إلا أنه ليس كل شخص أناني يُعتبر نرجسيًا. فالأشخاص الأنانيون ـــ والذين عادة ما تكون أولويتهم أنفسهم ـــ قد يقومون بتصرفات مثل الاستئثار بالمحادثات والحديث المطوّل عن تجاربهم. ولكنهم مع ذلك يمكنهم الاستماع بصدق للآخرين وبناء علاقات طيبة. أما النرجسيون، فيتحدثون دومًا عن أنفسهم، وأما موهبة الاستماع للآخرين فتكاد تكون معدومة. والسبب الرئيسي في ذلك هو ليس بغضهم للمواجهة فحسب، ولكن لرفضهم رفضًا باتًا للنقد المباشر أو حتى المبطن. وقد يظهرون تعاطفهم مع الآخرين فقط للحفاظ على صورتهم، مما يجعل تكوين علاقات شفافة وصادقة معهم شبه مستحيلة.

مقارنة بين النرجسيين والأشخاص الأنانيين: الدوافع الأساسية: التركيز والدافع الداخلي: الفرق الجوهري بين النرجسيين والأشخاص الأنانيين يكمن في دوافعهم الداخلية. فالنرجسيون يحتوون على معين لا ينضب من الرغبة المستمرة في الحصول على الإعجاب والتقدير من الآخرين ـــ غالبًا حين لا يستحقون ذلك ـــ للحفاظ على صورتهم الذاتية المبالغ فيها عند أنفسهم. وتُعد آراء الآخرين واعترافهم بهم أمرًا جوهريًا لتعزيز ثقتهم بأنفسهم، بل وإيمانهم باستحقاقيتهم لذلك، لا لتقديرهم لرأي الآخرين واحترامهم لوجهة نظرهم. وفي المقابل، يعطي الأشخاص الأنانيون الأولوية لاحتياجاتهم الخاصة دون أن تكون لديهم تلك الرغبة المزمنة باعتراف الناس لهم بتفوقهم، بحيث تدور أفعالهم حول تحقيق مصالح شخصية بحتة. ورغم امتنانهم لتقدير الآخرين لهم، إلا أن ذلك التقدير لا يعتبر أبدًا المنطلق الأساسي لتصرفاتهم. وهذا الفرق يعني أن الأشخاص الأنانيين يمكنهم الاستمرار في حياتهم دون الحاجة الملحة والمستمرة للتصديق على نجاحاتهم، وهذا على عكس النرجسيين. التعامل مع النقد والحدود: يختلف أسلوب تعامل النرجسيين والأشخاص الأنانيين مع النقد واحترام الحدود بشكل كبير. فغالبًا ما يرى النرجسيون النقد على أنه هجوم شخصي لهم ويتصرفون بعدوانية. وينجحون دومًا في تبرير تصرفاتهم غير الأخلاقية من خلال الدفاع العدواني عن أنفسهم باستخدام أساليب كالتلاعب، وإلقاء اللوم على الآخرين، والتهرب من الاعتراف بالخطأ والاعتذار. أما الأشخاص الأنانيون، ورغم شعورهم بالضيق عند تلقي النقد، إلا أنهم لا يردون عادةً بعدوانية. وقد يعملون عقولهم ويتفكرون في مدى صحة النقد، مما يجعلهم أحيانًا يحرصون على تغيير سلوكهم. من جهة أخرى، فعادةً ما يواجه النرجسيون صعوبة في الالتزام بالحدود، ويقاومونها بقوة للحفاظ على السيطرة، بينما يحترم الأشخاص الأنانيون تلك الحدود حتى وإن كان على مضض.
الحفاظ على علاقة مع شخص نرجسي ليس أمرًا ممكنًا في معظم الأحيان، وإن أمكن فإنه يتطلب جهدًا خرافيًا

كيفية تعامل النرجسيين والأنانيين مع الناس في العلاقات الشخصية والمهنية:

أولًا: العلاقات الشخصية: النرجسيون يبنون علاقات عملية بهدف تحقيق المصالح الشخصية، فهم يبحثون عن شركاء أو أصدقاء يعززون بهم مناصبهم بدلًا من إقامة علاقة حقيقية قوية. غالبًا ما تؤدي هذه الطريقة إلى إنشاء علاقات عاطفية مؤذية، حيث يقوم النرجسي بالتلاعب بالآخرين لخدمة احتياجاته دون أي تعاطف. وهو يسيء للأقرب منه بالذات كأصدقائه وذويه، لقدرته الأكبر على فرض السيطرة في تلك الدائرة. وعلى العكس تمامًا، تلقاه عادة أشد لطفًا مع الغرباء والدائرة الأبعد عنه، لعدم قدرته على فرض السيطرة بسهولة في تلك الأحوال. وعلى الصعيد الآخر، الأنانيون قد يهيمنون على المحادثات ويعطون لمصالحهم الأولوية، لكنهم قادرون على إقامة علاقات حقيقية وقوية. كما أن صفة الأنانية لا تكون مقصورة على الأقارب دون غيرهم، فهم أنانيون مع الكل. ثانيًا: العلاقات المهنية: في بيئة العمل يتضح الاختلاف أكثر بين النرجسي والأناني. فالموظفون الأنانيون يركزون على نجاحهم الشخصي وتطورهم، لكنهم غالبًا ما يلتزمون بأخلاقيات العمل وقواعده. وحين يُزعجون زملاءهم، فسرعان ما يتراجعون عن خطئهم ويعتذرون. أما الموظفون النرجسيون، فيخلقون جوًا مهنيًا مؤذيًا، ذلك أن حاجتهم الملحّة للإعجاب والتقدير، وعدم القدرة على تقبّل النقد تدفعهم لخرق القواعد والإتيان بسلوكيات مؤذية واستغلالية. وقد يتصرفون بأسلوب راقٍ ولطيف ظاهريًا للحفاظ على صورة إيجابية، لكنهم في الخفاء يعاملون زملاءهم بكِبْر وعداء. وأخيرًا، فإن التعامل مع النرجسي يتطلب وضع حدود صارمة. ومن المهم التعبير عن مخاوف الشخص بصراحة، لأن التلميحات الضمنية لا تؤتي ثمارها غالبًا. وعادةً ما تتطور سلوكيات النرجسيين إلى استغلال عاطفي صريح. ويمكن للعلاج النفسي أن يقدم استراتيجيات لمواجهة هذه السلوكيات مع الحفاظ على صحتك النفسية، فاحرص على معرفتهما إن كنت مضطرًا للتعامل مع شخصية نرجسية. فالحفاظ على علاقة مع شخص نرجسي ليس أمرًا ممكنًا في معظم الأحيان، وإن أمكن، فإنه يتطلب جهدًا خرافيًا. لذا من الضروري بمكان أن تتفهم شخصيته ودوافعه وسلوكه جيدًا وتتبنى نهجًا استباقيًا حتى تنجح في التعامل معه.

تاريخ النشر: ٦ أغسطس ٢٠٢٥ في ٠٢:٠٩ م

آخر تحديث: منذ 4 ساعات