
"آرون بوشنل" و"راشيل كوري" وجهان لعملة إنسانية واحدة (2-2)
تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع وقلنا:
إن النفس البشرية السويّة تحرّكها الأحداث الجسام وتتفاعل معها بغض النظر عمّا تعتنقه من ديانة.
والنفس البشرية السويّة تزن الأمور بميزان الفطرة المجرّدة التي لا تحابي أحدًا. وخير دليل على ذلك قيام المشركين بتأسيس حلف الفضول قبل البعثة، حيث تعاهدت القبائل فيما بينها على أنه: (لا يُظلم أحد في مكة إلا ردّوا ظلامته).
وخير دليل على ذلك أيضًا ما قام به بعض المشركين في مكة حين نقضوا الصحيفة التي بمقتضاها تم حصار المسلمين في شِعْب أبي طالب حتى أكل المسلمون ورق الشجر، وحتى ربطوا على بطونهم الحجر.
وتحدثنا كذلك عن ما قام به الطيار الأمريكي "آرون بوشنل" الذي أضرم النار في نفسه نصرةً للمحاصَرين في غزة.
كما تحدثنا عن بعض ردود الأفعال، ومنها قيام حركة حماس وقيام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بنعي الطيار الأمريكي "آرون بوشنل" والثناء على ما قام به عرفانًا بحقه.
وسنتحدث في هذا الجزء بإذن الله تعالى عن:
الناشطة الأمريكية اليهودية "راشيل كوري" كواحدة من ضحايا العربدة الصهيونية في فلسطين
ولدت الناشطة الأمريكية اليهودية "راشيل كوري" في 10 أبريل 1979م، وفي 17 مارس عام 2003م لقيت حتفها عندما دهستها جرافة إسرائيلية كانت بصدد هدم منزل فلسطيني في قطاع غزة. كانت "راشيل كوري" طالبة في إيفرجرين ستيت كوليدج، وعُرفت بميولها الليبرالية. عملت "راشيل كوري" كمتطوعة في فيلق الحفاظ على ولاية واشنطن، كما عملت لمدة ثلاث سنوات كمتطوعة تقوم بزيارة أسبوعية للمصابين بالأمراض العقلية. قامت "راشيل كوري" بتنظيم برنامج أصدقاء المراسلة بين الأطفال في أولمبيا الأمريكية ورفح الفلسطينية. كما قامت ببث العديد من الرسائل المصورة التي أوضحت خلالها انتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني. شاركت "راشيل كوري" في تنظيم العديد من فعاليات السلام قبل أن تنضم إلى حركة التضامن العالمية التي انتهجت وسائل سلمية لتحدي ممارسات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة. عندما قامت الجرافة الصهيونية بدهس الناشطة الأمريكية "راشيل كوري" كانت تبلغ من العمر 24 عامًا، وكانت بين 8 نشطاء آخرين من حركة التضامن الدولية الذين جعلوا من أنفسهم دروعًا بشرية لحماية مخيم رفح للاجئين. لم تكن "راشيل كوري" وحدها ضحية العربدة والصلف الصهيوني، بل أصيب أيضًا ناشط بريطاني بشظايا أثناء انتشاله جثة رجل فلسطيني قُتل برصاص قناص إسرائيلي، كما أصيب ناشط إيرلندي من حركة التضامن الدولية أثناء مواجهته لجرافة مدرعة، مما جعل الجميع يصفون المتطوعين الثمانية بالمجانين من فرط شجاعتهم في مواجهة الجرافات الإسرائيلية. بعد وفاة "راشيل كوري" أشاد والدها بما فعلت قائلًا: "كانت راشيل مفعمة بالحب والشعور بالواجب نحو إخوتها في الإنسانية أينما عاشوا، وضحّت بحياتها وهي تحاول حماية غير القادرين على حماية أنفسهم." وقالت والدتها: "إن راشيل قضت ليالٍ طويلة مع الأسر المهددة بيوتهم بالهدم، وفي النهاية رحلت وهي تحاول حماية منزل من الهدم." وأضافت أيضًا: "كانت راشيل فتاة متدفقة بالعواطف، وقد فتحت أعين الناس على الوضع في غزة." تعسّف وصلف وعجرفة صهيونية تجاه قضية مقتل الناشطة الأمريكية "راشيل كوري" في تصرف تعسفي قام المدّعي العام في الجيش الإسرائيلي بغلق ملف التحقيق في مقتل الناشطة الأمريكية "راشيل كوري"، وذلك بعد مرور 3 شهور فقط على مقتلها، تحت مبرر عدم وجود أدلة على تعمد قتلها، وصحة الشهادة التي أدلى بها سائق الجرافة الإسرائيلية بأنه لم يرها، وأنها هي التي ألقت بنفسها تحت الجرافة. وجاء في مسوغات غلق الملف: "إن مقتل راشيل كان حادثًا عرضيًا، ولن يُحاسب الجنود الإسرائيليون على حادث لا يتحملون مسؤوليته." كل ذلك بالرغم من أن "راشيل" كانت ترتدي سترتها البرتقالية وتعبر عن اعتراضها عمّا يقوم به سائق الجرافة عبر مكبر صوت كانت تحمله. اعترض والد "كوري" على هذا التعسف، إلا أن المحكمة رفضت الدعوى وقضت بأن وفاة "راشيل" حادث مؤسف غير ناجم عن إهمال الجيش الإسرائيلي أو الدولة الإسرائيلية، بل ناجم عن إهمال الضحية نفسها. تحولت قصة حياة "راشيل كوري" إلى عمل فني مسرحي بعنوان "اسمي راشيل كوري"، وجابت المسرحية مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة. وتقديرًا وعرفانًا بالدور التطوعي والنضالي المشرف الذي قامت به الناشطة الأمريكية "راشيل كوري" في حق الشعب الفلسطيني، تم إطلاق اسمها على شارع في رام الله، كما أطلق اسمها على سفينة مساعدات أيرلندية إلى قطاع غزة، وكذلك تم نشر العديد من الأفلام التي تسلط الضوء على معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة باسمها. ونحن بصدد ذكر أيقونتين من أيقونات النضال من أجل حقوق الشعب الفلسطيني، لا يفوتنا أن نذكر أن عالم الهندسة الوراثية المصري "الأستاذ الدكتور أحمد مستجير" ابن محافظة الدقهلية، قد تُوفي في النمسا في 17 أغسطس 2006م، وكان سبب وفاته أنه أصيب بجلطة في المخ إثر مشاهدته للمذابح الوحشية التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني بحق المدنيين والأطفال في لبنان. ولا يفوتنا كذلك أن نقول إن كل هذه النماذج كانت في غاية الصعوبة بالنسبة لفاعليها، إلا أن من يحمل في طيات نفسه المبادئ السامية يقبل أن تُفصل رأسه عن جسده ولا يقبل أن يتخلى عمّا بداخله من قيم ومبادئ. ولا يفوتنا ونحن بهذا الصدد أن نقول: إن إعجابنا بخلق إنسان وتصرفه لا يعني بالضرورة موالاته، ولا مطالبة غيره أن يقوم بنفس فعله، فقد يكون هذا الفعل له وجاهته في بيئة صاحبه ومعتقده، إلا أنه يتعارض مع شريعتنا كمسلمين، ولكل حدث حديث!! أخيرًا أقول: ستبقى كل هذه النماذج وغيرها خالدة في ذاكرة الشعب الفلسطيني خاصة، وأحرار وشرفاء العالم عامة، وستبقى نبراسًا حيًا ورمزًا لروح التضامن الإنساني العالمي مع القضية الفلسطينية العادلة، ودليلًا دامغًا على إدانة الكيان الصهيوني وقياداته المتعاقبة التي لن تفلت من المحاسبة والعقاب إن عاجلًا أو آجلًا. وأقول: إن التاريخ يخلد كل صنيع يخدم الإنسانية في أي مكان وزمان، فبالرغم من مرور أكثر من عشرين عامًا على ما قامت به "راشيل كوري"، جاء ما فعله الطيار الأمريكي "آرون بوشنل" ليضم سطور النضال إلى بعضها حتى تكتمل الصورة المضيئة التي لا يبقى معها في عالمنا مكان للقهر!!تاريخ النشر: ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥ في ٠٤:٥٧ م
آخر تحديث: منذ ساعتين
مختارات من بأقلامكم
عن الكاتب
محمد عبدالرحمن صادق
<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>
عرض الملف الشخصي ←


