
غزة عند مفترق الطرق: أتُشعل الأزمة تحولا إقليميا أم تُطيل أمد الصراع؟ (2)
في مسار بحثنا في الواقع الذي أفرزته الحرب الأخيرة على غزة، وتوقعاتنا لما هو قادم، وتصوراتنا لما هو مناسب، درسنا في الجزء الأول من هذه المقالة الجذور الإستراتيجية للمشروع الإسرائيلي، ثم انتقلنا إلى بيان حالة الوهن التي أصابت المحور الإسرائيلي-الأميركي.
واستعرضنا سيناريوهات المستقبل لغزة التي تقف على مفترق الطرق، حتى وصلنا إلى القول إن تجنب السيناريوهات الكارثية، وتحويل اللحظة الراهنة إلى نقطة تحول حقيقية، يتطلب الانتقال من ردود الفعل التكتيكية إلى مواجهة إستراتيجية شاملة تدور رحاها في ساحتين متوازيتين: "صراع الإرادات" و"صراع العقول والأفكار" فكيف ذلك؟
صراع الإرادات: فرض القوة مقابل تثبيت الحقوق
تتمحور هذه الحرب حول إشكالية فرض الرؤية الإسرائيلية بالقوة، دون إتاحة خيارات للرفض أو القبول، تحت شعار "فرض السلام بالقوة"، وهي العقيدة التي تأسست عليها إسرائيل وظلت ترددها. تهدف إسرائيل من وراء بحثها المستمر عن تعزيز قوتها إلى فرض مسار للأمن والنمو الإسرائيلي عبر المنطقة. في ظل سباق التنمية الذي تشهده دول مثل (مصر، والسعودية، والإمارات، وقطر وتركيا، كل من هذه الدول طرحت رؤاها المستقبلية لعشرين وثلاثين)، تبرز أهمية التحدي الفلسطيني. إذ إن أمن إسرائيل وتنميتها الإقليمية يرتبطان في رؤيتها بالقدرة على نزع التهديد الفلسطيني وإزالته كعائق أمام أمنها ونموها. غير أن مسارات التطبيع التي تستثني الفلسطينيين لم تحسم أمرهم على طاولة القرار. فقد جاء "7 أكتوبر/تشرين الأول" كتعبير عن انتفاضة فلسطينية لرفض التجاوز وفرض الإرادة بالقوة؛ وبدت المقاومة وقدرتها على الثبات تحديا مباشرا للعقيدة الإسرائيلية القائمة على أسطورة "القوة والتفوق المطلق"، إذ أظهرت أن إرادة شعب متمسك بحقوقه لا تنهزم بقوة السلاح، لتوصّل محاولة إسرائيل في استخدام ورقة القوة إلى تكلفة كبيرة للغاية عليها، سواء سياسيا أو اقتصاديا أو نفسيا، وعلى المستويين؛ الداخلي والخارجي. لكن التحدي الأكبر هو تراجع قدرتها على المنافسة الإقليمية بشكل أكبر مما كان قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول.. لذا، لا بد من ترسيخ فكرة أن طريق السلام والأمن المستدام لا يمر عبر القوة والإكراه، بل عبر مسار عادل يُعترف فيه بالحقوق، ويؤسس للتعايش. يتجلى المسار الأول في تحويل "حرب الإرادات" إلى إستراتيجية تثبت حدود القوة العسكرية في الوعي الإسرائيلي والإقليمي، عبر توجيه القناعة إلى أن الأمن الدائم لا يُبنى على الهيمنة، بل على تسوية عادلة للقضية الفلسطينية تُرضي الطرفين. فقد أثبت الواقع التجريبي أن القوة الساحقة عاجزة عن تحطيم إرادة شعب متمسك بحقوقه الأساسية، وأن الاستقرار الحقيقي في المنطقة لا يتحقق إلا بتحقيق العدالة وقبول الآخر.حرب العقول والأفكار: الساحة الحاسمة للمرحلة المقبلة
تمثل حرب العقول والأفكار الساحة الحاسمة للمرحلة المقبلة، وللتصدي لإستراتيجيات التشتيت والإضعاف التي تنتهجها إسرائيل وحلفاؤها. يقترح هذا النموذج إستراتيجيات دفاعية-هجومية متكاملة، تشمل أولا الحفاظ على الجهود مركزة باتجاه إسرائيل، لمنع إسرائيل من نقل الصراع (أو المشكلة) باتجاه آخرين، أي تحويله من مواجهة مباشرة مع الكيان الإسرائيلي إلى صراعات داخلية وإقليمية ثانوية. والهدف هو الحفاظ على تركيز الجهود والموارد على إسرائيل ذاتها، باعتبارها المشكلة الجوهرية. والواقع أن الإستراتيجية الإسرائيلية لتشتيت الضغط وإدارة صراع الأفكار والعقول تعمل على مستويات:- المستوى المحلي: تسعى لخلق صدام بين الشعوب والأنظمة في المنطقة حول الموقف من القضية الفلسطينية.
- المستوى الإقليمي: تعمل على خلق انقسامات إقليمية حول "غزة"، وتحويلها إلى بؤرة تنافس إقليمي.
- المستوى العالمي: تحاول إعادة تعبئة الرأي العام العالمي ضد المنطقة تحت عنوان "مكافحة الإرهاب"
أولا: على المستوى المحلي
لا بد من التعقل في إدارة مساحات الاشتباك بين الشعوب والأنظمة، عبر تعزيز الوعي الإستراتيجي للموقف العام لمعظم دول المنطقة، بالتمييز بين المناورة السياسية المشروعة (التي تهدف إلى تبريد الصراع المسلح لإدارته بوسائل أخرى أكثر فاعلية)، وبين الحديث عن التخلي عن القضية أو المشاركة في تصفيتها. كما يجب بناء مناعة فكرية ضد الإستراتيجية الإسرائيلية التقليدية في محاولة توظيف تفاعلاتها مع الفلسطينيين كأداة ضغط وزعزعة للاستقرار الداخلي والإقليمي.- تفعيل قوة الشعوب: يهدف هذا المحور إلى منع محاولات إبعاد الجهود الشعبية ومحاولة حصر الأطراف المؤثرة في المشهد في الحكومات والأنظمة (التي يمكن استخدام أدوات متعددة لحصارها والضغط عليها)، وبالتالي تحميل الحكومات المسؤولية عن النتائج، وإنما لا بد من تفعيل قوة الشعوب. ويتطلب ذلك التركيز على آليات ضغط شعبي أكثر تنظيما.
ثانيا: على المستوى الإقليمي
- تعزيز دائرة الصراع عبر دول الأطراف ودعم قوى المواجهة: تم الآن تأسيس دور لأطراف عديدة بشكل رسمي، وهو ما يعزز أهمية الحراك الشعبي وأدوار المجتمع المدني عبر هذه الدول للعمل كمراقب وكداعم، كما في ماليزيا، وباكستان، وتركيا.
ثالثا: على المستوى العالمي
- السيطرة على إنتاج سرديات إستراتيجية دفاعية-هجومية: تجب السيطرة على إنتاج السرديات، ومنع أي محاولة لتبييض صورة إسرائيل أو تطبيع ممارساتها.
- ضرورة الحفاظ على الزخم: من أجل الوصول إلى حل للقضية، وعدم العودة إلى حالة التجميد.
- ترسيخ الحقائق الإستراتيجية في الوعي العالمي: يجب العمل على ترسيخ ثلاث حقائق إستراتيجية في الوعي العالمي.
- انقلاب الصورة التاريخية: فبعد أربعة عقود من العمل على وصم المنطقة وحركات المقاومة باعتبارها إرهابا، والمنطقة باعتبارها منطقة مفرخة للإرهاب، وأن التحديات التي تواجهها المنطقة على مستوى النمو أو على مستوى الأمن هي بسبب المقاومة وبسبب الأنظمة، وليس بسبب إسرائيل، تنقلب الصورة اليوم لتصبح "إسرائيل" ذاتها هي رمز الإرهاب ومصدِرته.
خاتمة
إن ما نشهده اليوم ليس نهاية الصراع، بل هو بداية مرحلة جديدة بقواعد مختلفة.. لقد فتح صمود غزة الباب أمام إمكانية تاريخية لتغيير مسار الصراع برمته، لكن هذه الإمكانية لن تتحقق تلقائيا؛ فهي فرصة إستراتيجية يجب اقتناصها عبر عمل دؤوب ورؤية واضحة وإرادة صلبة. وإن الفشل في استثمار هذه اللحظة سيعني العودة إلى دوامة العنف والظلم، أما النجاح فلن يقتصر على تحقيق الحرية والعدالة للشعب الفلسطيني فقط، بل سيرسي أسس نظام إقليمي جديد أكثر استقرارا وعدلا للجميع. الوقت في صالح المنطقة، لأن الموقف الحالي الأميركي والإسرائيلي يعلق آماله على خطط، يمكن توصيفها على الأقل بخطط متوسطة الأمد (من 5 إلى 10 سنوات)، في حين أن احتياجاتهم تتطلب تحولات سريعة الآن أو خلال عام.الوسوم:
تاريخ النشر: ٥ نوفمبر ٢٠٢٥ في ٠٤:٠٥ م
آخر تحديث: منذ 3 ساعات



