
كيف نحسن الظن بالناس بين ظاهر العمل وباطن السريرة؟
من أعظم ما قررته الشريعة في باب التعامل مع الناس أن الله تعالى اختصَّ بعلم القلوب، ولم يُكلِّف عباده التفتيش في السرائر ولا محاسبة النوايا. وقد لخّص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه القاعدة حين قال: "إِنَّ نَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْيِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، وإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللَّهُ يُحاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ".
فالأصل هو التعامل مع الظاهر، لا ادّعاءَ بمعرفة الباطن، ولا الادعاء بالوصاية على القلوب.
فالأصل هو التعامل مع الظاهر، لا ادّعاءَ بمعرفة الباطن، ولا الادعاء بالوصاية على القلوب
غير أن الأخذ بالظاهر لا يعني تعطيل العقل عن ملاحظة القرائن، ولا إغماض البصر عن دلائل الأحوال. فثمة فرق دقيق بين أن تحسن الظن بالناس، وبين أن تتعامى عن إشارات واضحة تتكرر وتكشف معدنًا ما. فالأخلاق الأصيلة لا تختبئ طويلًا، كما أن سوء الطوية نادرًا ما يصمد خلف الأقنعة، إذ يفضحه الموقف بعد الموقف.
وعندما نقول إننا نندم على حسن الظن، فالحقيقة أننا نندم لأننا تجاهلنا ما كان يستحق الانتباه، وأرهقنا أنفسنا بالتأويل المتكلَّف، محاولين التوفيق بين واقعٍ مؤلم وصورةٍ مثالية نحب أن نصدقها. وهنا تتبدى الحكمة: فليس سواءً من يدلّك عليه حاله قبل مقاله، ومن يُتعبك في فهمه، ويُقحمك دائمًا في تبرير تناقضاته.
ومن الحكمة أن يمرّن المرء نفسه على ميزان العدل في التعامل مع الناس: فلا يفتش في النيات، ولا يمنح الثقة العمياء قبل الخبرة، ولا ينزلق إلى سوء ظنٍّ يتجاوز حدود الحذر المشروع. فالميزان العادل أن تُبنى الأحكام العملية على سلوكٍ متكرر ومواقف ثابتة، لا على كلام منمّق، ولا على شهادة الإنسان في نفسه، إذ هي - شرعًا وعقلًا - شهادة مجروحة حتى يصدقها الفعل. وهكذا تتبيّن المعادن تلقائيًا دون حاجة إلى تجسس أو اتهام.
الميزان العادل أن تُبنى الأحكام العملية على سلوكٍ متكرر ومواقف ثابتة، لا على كلام منمّق، ولا على شهادة الإنسان في نفسه
وفي هذا السياق يشيع الاستناد إلى حديث النبي ﷺ: "الأرواحُ جنودٌ مجنَّدةٌ. فما تعارف منها ائْتَلَفَ. وما تناكر منها اخْتَلَفَ". لتبرير مشاعر القبول أو النفور، فيُقال: «أرتاح لفلان» أو «لا أرتاح له». ولا حرج في أصل الشعور، فالأرواح تتآلف وتتباين بإذن الله، غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه المشاعر إلى أحكام أخلاقية ضمنية، تُدان بها القلوب بغير بيّنة. فالله وحده المطلع على السرائر، ولم نُبعث على الناس حافظين ولا قضاة، وقد يكشف الزمان سوء من ألفناه، أو يظهر فضل من نفرنا منه، إذ المواقف وحدها هي الميزان الحقيقي لمعادن الرجال.
وآفة الحكم القلبي أنه قد يختلط بكِبْرٍ خفيّ، حين يرى صاحبه نفسه أهلًا للتقييم والتزكية أو الإقصاء، وقد حذر النبي ﷺ من ذلك حين جعل غمط الناس واحتقارهم من جوهر الكبر المحرّم. ورُوي في آثار السلف أن أحدًا قال لصاحبه: «إن قلبي لا يرتاح لفلان»، فرد عليه: «ولا أنا، ولكن ما يدريك لعل الله طمس على قلوبنا فأصبحنا لا نحب الصالحين»!
ومن بدائع التوجيه القرآني أن الله تعالى نهانا عن كثير من الظن، لا عن ظن السوء وحده، بل عن الارتماء في دوامة التخمين والتأويل بدل الاستبانة والسؤال. فالظنون تكدّر النفوس، وتزرع القلق، وتهدم العلاقات بصمت، بينما أرشدنا النبي ﷺ إلى قاعدة شافية بقوله: "أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟! فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ". فكم من قلوب أفسدها الصمت المتراكم، والتغافل المشحون، والكبرياء الذي يمنع من المصارحة، وكم من علاقات كان يمكن إنقاذها بسؤال صادق أو بيان واضح.
إن كلفة السؤال والمكاشفة - مهما ثقلت - أهون من كلفة ترك القلب نهبًا للهواجس والظنون، وأقل فداحة من ثمن الندم المتأخر. فهلا سألنا إذ التبس علينا الأمر؟ وهلا تكلمنا إذ أسأنا الفهم؟ وهلا اعتذرنا إذ أخطأنا، وبيّنا إذ قصّرنا، وصدقنا إذ وعدنا؟ فليس شيء أصفى للقلب ولا أصلح للعلاقات من نور البيّنة ووضوح المقاصد.
ليس الناس هم من يتغيرون غالبًا، بل معادنهم هي التي تتكشف. وكذلك انطباعاتنا الصادقة لا تنقلب، لكنها تنضج مع الزمن، وتزداد عمقًا واتساقًا مع الحقيقة
الخلاصة:
- ليس الناس هم من يتغيرون غالبًا، بل معادنهم هي التي تتكشف. وكذلك انطباعاتنا الصادقة لا تنقلب، لكنها تنضج مع الزمن، وتزداد عمقًا واتساقًا مع الحقيقة.
- ومن تمام السلامة أن ينشغل المرء بنفسه، ويقلّل من الاشتغال بتقويم غيره، خاصة في مواضع لا يطلب فيها الشرع حكمًا ولا شهادة.
- وما سوى ذلك فابسط وجهك للناس رجاء الأجر، وابسط يدك إلى الله سائلًا السلامة.
تاريخ النشر: ١٢ مارس ٢٠٢٦ في ١٢:٢٠ م
آخر تحديث: منذ ساعتين
مختارات من خواطر تربوية
عن الكاتب
هدى عبد الرحمن النمر
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.
عرض الملف الشخصي ←






