الإخوان بين التشويه السياسي وصمود الفكرة: قراءة في قرار ترامب
بصائر من واقعنا
منذ 13 يومًا
١٥٥ مشاهدة
14 دقيقة قراءة

الإخوان بين التشويه السياسي وصمود الفكرة: قراءة في قرار ترامب

هناك قصة في أدبيات الإخوان تُفيد بأن سبب انضمام الشهيد سيِّد قطب رحمه الله إلى جماعة الإخوان المسلمين هو رؤيته فرحة الأوساط الأمريكية بنبأ مقتل الإمام حسن البنّا رحمه الله، وهذا ما جعله يعكف على دراسة فكر الإخوان وأدبياتهم، ومن ثم انضم إليهم حتى أصبح اسم سيِّد قطب وأدبياته الفكرية في المرتبة الثانية بعد مؤسس جماعة الإخوان، رحمهما الله. وهذا بحسب ما ذكر المؤرخ شريف يونس في كتابه "سيّد قطب والأصولية الإسلامية".

يقول أبو تمام:
وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فَضيلَةٍ *** طُويتْ أتاحَ لها لِسانَ حَسودِ
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورتْ *** ما كان يُعرَفُ طِيبُ عَرْفِ العودِ

أولاً/ قرار أمريكا بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية

لقد أصدر البيت الأبيض قرارًا بتصنيف فروع جماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان تنظيمات إرهابية أجنبية، مما يترتب على ذلك تجميد الممتلكات وحظر التعاملات مع الأشخاص الذين يرتكبون أو يهددون بارتكاب أو يدعمون الإرهاب، باعتبار أن جماعة الإخوان المسلمين عابرة للحدود ولها فروع في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وخارجه

واعتمد قرار ترامب بخصوص الدول الثلاث على عدة نقاط، وهي:

  1. انضمّ الجناح العسكري لفرع الإخوان المسلمين في لبنان إلى حماس وحزب الله وفصائل فلسطينية لإطلاق عدة هجمات صاروخية ضد أهداف مدنية وعسكرية داخل إسرائيل.
     
  2. قيام أحد القياديين البارزين في فرع الإخوان المسلمين في مصر (ولم يسمه)، في السابع من أكتوبر 2023م، بالدعوة لشنّ هجمات عنيفة ضد شركاء الولايات المتحدة ومصالحها.
     
  3. قام قادة الإخوان المسلمين في الأردن بتقديم دعم مادي طويل الأمد للجناح العسكري لحركة حماس.

وقال البيان:
"
تشكّل هذه الأنشطة تهديدًا لأمن المدنيين الأمريكيين في بلاد الشام وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط، ولأمن واستقرار شركائنا الإقليميين".

تعليق
عندما يقوم الإرهابي الأكبر في العالم بوصم الجماعة الأكثر اعتدالًا في العالم بالإرهاب، فاعلم أنك أمام مجنون... والأكثر منه جنونًا هو من يصدقه في ادعائه.
ألا يعلم الجميع أن آخر ما قام به ترامب، على مرأى ومسمع من العالم، هو اختطاف رئيس دولة فنزويلا وزوجته ومحاكمتهما في أمريكا، ضاربًا بالمنظمات الدولية وقوانينها عرض الحائط؟ فماذا يُسمّى هذا التصرف إذًا؟
وآخر ما قام به ترامب هو التحريض ضد النظام الإيراني بحجة رعاية مصالح الشعب الإيراني، وفي حقيقة الأمر التي يعلمها أصغر طفل في أدغال إفريقيا أنه إنما يفعل ذلك من أجل مصلحة الكيان... فماذا نسمي هذا التصرف هو الآخر؟
إن الكلمة التي يجب أن نقرع بها آذان قادة أنظمة الدول العربية والإسلامية الذين هللوا لقرار ترامب هي أن الفجر في الخصومة من صفات المنافقين، فلا تنجرفوا وراء أهواء هذا المجنون ولا وراء أهواء الأنظمة التي تدور في فلكه، فتبوؤوا بإثم الجميع!
إن الفجر في الخصومة تنزّه عنه أبو سفيان بن حرب (وكان ما زال على الكفر) أمام هرقل ملك الروم عندما سأله عن حقيقة أمر النبي ﷺ، للحد الذي جعل هرقل يقول: "لو كنت عند محمد لغسلت قدمه بيدي".

ثانيًا/ الإخوان بين السلمية والإرهاب

لقد وقف الأستاذ الدكتور محمد بديع، المرشد العام للإخوان المسلمين، وسط حشود غفيرة على منصة ميدان رابعة العدوية قائلًا أمام فضائيات العالم كله: "سلميتنا أقوى من الرصاص". ولقد جاء هذا الشعار ليمثل وصفًا دقيقًا لرد فعل الإخوان المسلمين أمام الممارسات الإجرامية والبشعة لنظام الحكم الانقلابي في مصر. فهل نصدق الواقع الذي شاهده وعايشه العالم، أم نصدق تصريحات وقرارات ترامب العبثية والمغرضة؟

سيقولون لك إنهم يحاربون الإسلام السياسي، فقل لهم:
"
إن الإسلام لا يعرف هذه المُسميات، فالإسلام إنما جاء ليحكم ويسود، ولم يأتِ ليكون مجرد ترانيم تُتلى في جنبات المساجد، ولا ليكون أحجبة وتمائم تُعلّق للتبرك بها، ولا ليكون تعويذات ورُقى يُستشفى بها".

وقل لهم:
"
إن خالدًا - رضي الله عنه - كان يمسك بمصحفه ويقول: لقد شغلني الجهاد في سبيل الله عن كثير من قراءة القرآن، يا له من عذر عظيم!".

وقل لهم:
"
عندما قُبض النبي ﷺ لم يدفنه الصحابة الكرام حتى انتهوا من اختيار خليفة من بعده يسير على نهجه ﷺ، حتى لا يكون هناك فراغ سياسي ولو لساعات".

وقل لهم:
إن المسجد في صدر الإسلام كان للتعليم والتعلّم، وكان لاستقبال الوفود، وكان لعقد الاتفاقات، وكان لخروج الجيوش للسرايا والغزوات... إلخ.

ولقد صدق الشهيد سيد قطب حين قال:
"
إنهم يريدون إسلامًا أمريكانيًا يُستفتى في نواقض الوضوء، ولكنه لا يُستفتى في أوضاع المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية. إنها لمهزلة، بل إنها لمأساة!".

ثالثًا/ قرار شيطاني مشؤوم

إن قرار ترامب هذا يهدف إلى شيطنة الإخوان المسلمين، ويخدم في المقام الأول مصلحة الكيان المحتل ومعه اللوبي الصهيوني.
إن تصنيف الإخوان المسلمين على أنهم جماعة إرهابية قرار عبثي يصنع الفوضى في المنطقة ويزعزع استقرارها.
إن تصنيف الإخوان المسلمين على أنهم جماعة إرهابية قرار لا يستهدف الإخوان فحسب، بل يستهدف الإسلام نفسه، غير أن ترامب وجوقته لا يستطيعون أن يعلنوا ذلك صراحة.
إن قرار ترامب هذا يُعد قرارًا متهورًا يخلو من الحنكة السياسية، ويهدف في المقام الأول إلى إعادة هندسة قسرية للمشهد السياسي في دول الطوق حول دولة الاحتلال، بمباركة أذرعها المتمثلين في أنظمة الحكم في الدول الثلاثة ومعهم إمارات الشر.
إن قرار ترامب يهدف في المقام الأول إلى اغتيال فكرة السلمية وصناعة تطرف جديد وإيجاد جيل جديد يكفر بالسلمية.
إن قرار ترامب سيترتب عليه اليأس من المسار السلمي والقانوني، مما سيؤدي إلى إضعاف لحمة البنيان الوطني العربي والإسلامي وتفسخ نسيجه.
إن قرار ترامب يهدف إلى إحكام سد المسارات السياسية القانونية وتفريغ الساحة من المعارضة في الدول المعنية، وبالتالي إضعاف هذه الدول؛ لأن عين المعارضة الصادقة وصوتها الناصح هما بمثابة جهاز المناعة بالنسبة للجسد، وتعطيل ذلك يصب في مصلحة الكيان.
إن قرار ترامب يهدف إلى تجفيف أي دعم معنوي للمقاومة من الشارع العربي، والتغلب على حالة العداء المتوارثة ضد الكيان، باعتبار أن جماعة الإخوان المسلمين هي رأس الحربة في ذلك كله.
إن قرار ترامب يهدف إلى إيقاف المد الثوري وعدم وصوله إلى دول الخليج التي تُعد الكنز الاستراتيجي للولايات المتحدة.
إن ترامب ومن خلفه الأنظمة المهترئة يريدون أن يجعلوا من هذا القرار فزّاعة للإخوان وقواعدهم العريضة، وفزّاعة لباقي التيارات والتوجهات ذات الصبغة الإسلامية، ولكن هيهات أن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا.
لقد سبق للنظام العالمي أن تعامل مع الشيوعية بنفس السياسة، وتعامل مع تنظيمات وتيارات أخرى بالطريقة نفسها، بل تعامل مع الجولاني (أحمد الشرع) بهذه السياسة، ورصد الملايين للقبض عليه، ثم فتح له البيت الأبيض وتبادل معه المفاوضات، وتعامل مع قادة حماس بالطريقة نفسها، ثم رضخ للجلوس معهم والاستماع إليهم.
إن قرار ترامب سيصب في النهاية في مصلحة جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها الندّ الوحيد أمام رأس الأفعى الأمريكي.

رابعًا/ أسئلة مشروعة

ألا يُعد قرار ترامب هذا تدخّلًا في الشؤون الداخلية للدول المعنية، أم أنه يتعامل مع أنظمة هذه الدول على أنهم خدم له وعبيد إحسانه ورضاه؟

  • ألا تُعد تصرفات الأنظمة وترحيبها بقرار ترامب استقواء بالخارج، وهذا ما يعتبرونه جريمة ضد خصومهم تستوجب التنكيل؟
  • هل تُفسَّر تصرفات جماعة الإخوان المسلمين على مدار تاريخها على أنها إرهاب بالمفهوم الغربي؟
  • ألم تُتَّهم جماعة الإخوان المسلمين على مدار تاريخها بأنها جماعة خانعة، وأن سلميتها تُجرِّئ الأنظمة ضدها، مما جعل غرماءها من الجماعات المسلحة يتهمونها بالضعف وتمييع الصراع؟
  • أليس تطبيق هذا القرار يُعد استهدافًا للهيكل الوظيفي والإداري والمجتمعي للدول المعنية، باعتبار أن الإخوان ليسوا كيانًا منفصلًا يمكن معاقبته، بل هم جزء من النسيج الوطني؟
  • على من سيُطبَّق القرار وقيادات الإخوان في الدول المعنية مُغيَّبة في أقبية السجون؟
  • على من سيُطبَّق القرار وقد صدرت قرارات بحل الجماعة ومصادرة ممتلكاتها؟
  • هل يخفى على الجميع أن الضغط يولّد الانفجار، وأن عدم الاعتراف بجماعة تنتهج المسار السلمي سيولّد أخرى لا تعترف بقانون ولا بأعراف؟

خامسًا/ رد فعل الإخوان على قرار ترامب

أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في مصر رفضها لقرار وزارة الخزانة الأمريكية بتصنيفها كـ"جماعة إرهابية"، مؤكدة أن القرار يفتقر إلى أي سند قانوني، ومشددة على أنها ستلجأ إلى المسارات القانونية لوقف تنفيذه وحماية حقوقها وحقوق أعضائها.

وحذّرت الجماعة من أن القرار قد يُستغل لتبرير مزيد من القمع ضد المعارضين وناشطي المجتمع المدني، أو لتغذية خطاب الإسلاموفوبيا والتحريض ضد المسلمين في الغرب.

كما أكدت الجماعة أنها حركة اجتماعية سياسية ذات مرجعية إسلامية وسطية، ولن تمنعها هذه الإجراءات من مواصلة دورها المدني والاجتماعي والسياسي في مصر، داعية إلى رفض خطابات الكراهية وتعزيز قيم الحوار والتعايش.

سادسًا/ نداء إلى جموع أمتنا الغفيرة

اعلموا أن الباطل ما انتفش وكانت له صولة إلا بسكوتكم عن نصرة الحق وأهله.
واعلموا أن الباطل لا يستهدف الإخوان كما يدّعي، بل يستهدف الإسلام، لأن الباطل أجبن من أن يعلن عن نيته الخبيثة.
يقول الإمام ابن عقيل رحمه الله: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع... وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة".
واعلموا أن من يدّعي الحياد في معركة كهذه فإنه يخذل الحق ويعين عليه.
واعلموا أن النصر سيأتي بزمان ومكان وطريقة لا تخطر على قلب بشر، وحينها سيعضّ من وقفوا على الحياد بنان الندم.

أخيرًا أقول
بئست الأنظمة التي تسمع لعدوها وتطيعه فيما يخص أمر شعبها ودينها، وبئست الشعوب التي ترضى لنفسها موقف المتفرج!
ألا يوجد عاقل واحد يخبر هؤلاء أن وجود الإخوان هو الدرع الواقي للإسلام؟
إن الشعوب لا تنطلي عليها ادعاءات الأنظمة، بل يزداد التفافها حول الإخوان يومًا بعد يوم.
إن كل ما سيقدمه قرار ترامب هو مجرد مهاترة إعلامية ترضي غروره وأذنابه، وترضي الكيان الغاصب وحلفاءه.

وأقول:
لله درّ الإخوان، إن كل يوم يمر يثبت أن منهجهم هو الحق، وأنهم يتلقون الضربات نيابة عن الأمة... فهنيئًا لهم.

تاريخ النشر: منذ 13 يومًا

آخر تحديث: منذ ساعة

مختارات من بصائر من واقعنا

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة