
الاستبداد في القرآن
بقلم: فرج كندي (عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)
هي محاولة للاقتراب من موضوع يتجاوز السياسة إلى عمق الرؤية القرآنية للإنسان والتاريخ؛ إذ لا يتعامل القرآن مع الاستبداد بوصفه مجرد نظام حكم، بل بوصفه انحرافًا في بنية الوعي، وخللًا في علاقة الإنسان بالحق، وبنفسه، وبالآخرين. ومن هنا، فإن تتبع صور الاستبداد في القرآن يكشف لنا أنه ظاهرة مركبة: تبدأ من النفس، وتتجسد في السلطة، ثم تُعاد إنتاجها داخل المجتمع.
يقدّم القرآن النموذج الأكثر اكتمالًا للاستبداد في شخصية فرعون، ليس باعتباره حاكمًا ظالمًا فحسب، بل باعتباره تجسيدًا لمنطق الاستعلاء المطلق. يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: 4].
فالاستبداد هنا يبدأ من "العلو"، أي من تصور ذاتي يجعل الحاكم فوق المجتمع، ثم يتحول إلى سياسة تقوم على تفتيت المجتمع إلى فئات متناحرة، بحيث يسهل التحكم فيها. وهذا يكشف أن الاستبداد لا يقوم فقط بالقوة، بل بإدارة الانقسام.
لكن أخطر ما في النموذج الفرعوني ليس القمع، بل احتكار الحقيقة. يقول تعالى على لسانه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: 29].
هنا يتحول الحاكم إلى مرجع وحيد للمعرفة، فيُلغى العقل الجماعي، ويُختزل الوعي في رؤية واحدة. وهذه لحظة جوهرية في بنية الاستبداد: حين يُصادر الحق في التفكير، لا فقط الحق في الفعل.
وفي موضع آخر، يبلغ الاستبداد ذروته حين يتجاوز السياسة إلى الألوهية الرمزية: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24].
فليست القضية هنا دعوى دينية بقدر ما هي إعلان عن سلطة مطلقة لا تقبل المساءلة. إن الاستبداد، في جوهره، هو تأليه للسلطة، حتى وإن لم يُصرَّح بذلك.
غير أن القرآن لا يحصر الاستبداد في نموذج فرعون، بل يقدّم صورًا متعددة له. ففي قصة قوم عاد، يظهر الاستبداد في صورة القوة المتغطرسة: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: 128].
حيث تتحول القوة إلى عبث، ويصبح البناء وسيلة للهيمنة لا للعمران. أما في قصة ثمود، فيتجلى الاستبداد في احتكار القرار من قبل نخبة فاسدة: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: 48].
وهنا ننتقل من استبداد الفرد إلى استبداد النخبة، حيث تتواطأ قلة على إدارة الفساد.
وفي نموذج آخر، يكشف القرآن عن "الاستبداد الاقتصادي" من خلال شخصية قارون، الذي لم يكن حاكمًا سياسيًا، لكنه مارس نوعًا من الهيمنة عبر الثروة: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78].
فهو يختزل الفضل في ذاته، وينفي البعد الأخلاقي والاجتماعي للثروة، فيتحول المال إلى أداة استعلاء، لا إلى وسيلة عمران.
غير أن أخطر ما يكشفه القرآن هو أن الاستبداد لا يعيش فقط في الحاكم، بل في قابلية المجتمع له. يقول تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: 54].
فالاستبداد لا يكتمل إلا حين يجد من يقبله، أو يبرره، أو يخضع له. وهنا تتحول القضية من نقد السلطة إلى نقد الوعي الجمعي الذي يسمح لها بالاستمرار.
ومن زاوية أعمق، يربط القرآن بين الاستبداد والفساد الشامل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16].
حيث يتحول الترف إلى أداة لإفساد القيم، ويصبح الفساد نمط حياة، لا مجرد انحراف فردي. وهنا نرى كيف يتداخل الاستبداد السياسي مع الفساد الأخلاقي والاجتماعي.
لكن في مقابل هذه الصور، لا يكتفي القرآن بالتشخيص، بل يقدّم نقيض الاستبداد في نموذج "الشورى": ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].
فالشورى ليست مجرد آلية سياسية، بل تعبير عن رؤية للإنسان بوصفه شريكًا في القرار، لا تابعًا. كما يرسّخ القرآن مبدأ المسؤولية الفردية، رافضًا ذوبان الإنسان في الجماعة أو في السلطة: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
إذا حاولنا قراءة هذه النماذج في سياقنا المعاصر، سنكتشف أن الاستبداد لم يتغير في جوهره، بل في أدواته. لم يعد الحاكم يقول: "أنا ربكم الأعلى"، لكنه قد يمارس سلطة لا تُسائل. ولم يعد يقول: "ما أريكم إلا ما أرى"، لكنه قد يحتكر الإعلام والمعرفة. ولم يعد يقسم المجتمع إلى "شيع" بالسيف فقط، بل قد يفعل ذلك عبر الخطاب، والهوية، والاقتصاد.
إن القرآن، في تحليله للاستبداد، لا يقدّم مجرد نقد سياسي، بل يقدّم رؤية أخلاقية شاملة: أن الاستبداد يبدأ حين يفقد الإنسان تواضعه، وحين تتحول القوة إلى غاية، وحين يُستبدل الحق بالمصلحة. ولذلك، فإن مقاومة الاستبداد لا تبدأ من تغيير الحاكم فقط، بل من إعادة بناء الوعي، وترسيخ قيمة العدل، وتحرير الإنسان من الخوف ومن الوهم.
في النهاية، تبدو "المقالة المستحيلة" ممكنة إذا أدركنا أن القرآن لا يقدّم نظرية سياسية جاهزة، بل يفتح أفقًا للتفكير: أن كل استبداد هو انحراف عن ميزان العدل، وأن كل مجتمع يقبل الظلم، يشارك – بدرجة ما – في صناعته. وأن التحرر الحقيقي لا يكون فقط بإسقاط الطغيان، بل بتفكيك جذوره في النفس والعقل والتاريخ.
تاريخ النشر: منذ 16 ساعة
آخر تحديث: منذ 5 ساعات



