العودة من مدافن الأحياء .. (1) من فراش البيت إلى أقبية التحقيق
بأقلامكم
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
١٨٠ مشاهدة
8 دقيقة قراءة

العودة من مدافن الأحياء .. (1) من فراش البيت إلى أقبية التحقيق

اكتشف تجربة العيش في فلسطين وصراع الحياة والموت. قصة حقيقية لمفاجآت الاعتقال والمطاردة، ورحلة العودة من فراش البيت لأقبية التحقيق.

العيش في بقعة جغرافية اسمها فلسطين، التي كانت ولا زالت جوهرة البلدان وحلبة الصراع بين الدول العظمى، يعني أن تكون قاب قوسين أو أدنى من الموت أو الاعتقال أو أي شيء آخر قد يخطر على البال أو ربما لا يخطر؛ فأنت مُستهدف بنفسك ومالك وأرضك جوًّا وبرًّا وبحرًا، وهذه حقيقة لا ينكرها عاقل، ويدركها من يتابع الأحداث.

كان يُخال لي أنّ الاعتقال أو المطاردة أو استهداف المرء بنفسه أو ممتلكاته يطال من ينخرط في عمل عسكري أو تنظيمي، أو من يستعد للمواجهة بحمل السلاح ولو كان حجرًا، لكن أن تكون مراقبًا أو محلّ رصد، لا سيما على وسائل التواصل، وأنت بعيد كل البعد عن السياسة وسراديبها وأقبيتها، فهذا ما كنت أتوقعه قيد أنملة؛ حتى تعرض البيت لمداهمة في منتصف الليل بشكل مفاجئ وعنيف، وأنا في ذهول مما يجري، ولا يخطر ببالي إلا خطأ استخباراتي في استهداف بيت غير مقصود، أو نشاط أمني لفرض الهيمنة واستعراض القوة لا غير.

حاولت جاهدة التستر بحجابي قبل أن يتمكنوا من اقتلاع الباب، أو لحاقي بفتحه قبل تمكنهم من خلعه ودخولهم عليّ من غير حجاب، وتمكنت بفضل الله تعالى وكرمه، وكنت أسابق سرعة الضوء آنذاك، لتدخل قوات لا عدّ لها مدججة بالسلاح، محاصرةً البيت، وكأنّهم عشّ الدبابير، لا تدري كيف ولا من أين أتوا، وكيف ولجوا.

سألوني عن مكان نومي، واقتادوني لأوصلهم إلى المكان، وعند وصولي إلى غرفة نومي طلبوا مني الهوية والجوّال، وأنا في ذهول تام عما يجري، وعلى ما يبدو أنني وقتها تعرضت لصدمة عندما أبلغني الضابط أنني رهن الاعتقال، وأنهم سيقتادونني إلى الجهات المختصة للتحقيق معي. لماذا وعلى ماذا؟!

لا جواب على أي استفسار، بل أبلغني بوجوب خضوعي للتفتيش من قبل مجنّدة قبل اقتيادي والخروج من البيت. فتاة في العقد الرابع من عمرها، تسكن في بيت وسط الأقارب، كل ما فعلته هو الإعداد لدروس التيمز لصباح اليوم التالي، تستيقظ في منتصف الليل على محاولة عنيفة لخلع الأبواب ومداهمة البيت وسط جنود مدججين بالسلاح، فقط مجندة واحدة وسطهم لإجراء عملية التفتيش، ثم التقييد وإصعادي إلى المركبة المصفحة وسط وجوه تعكس الظلام، وسط ذهول أصابني وعدم الإذن لقريب أن يدخل معهم البيت؛ لأنني فتاة أسكن وحدي. اقتادوني بعد تدمير جزء من محتويات البيت، ودون السماح لي حتى بإغلاق الباب الرئيس.

خرجوا بآلياتهم وجنودهم من البلدة، واقتادوني عبر طريق استطعت تحديده، وقد أكرمني الله بإنسائهم وضع العصبة على عينيّ، فأدركت أنهم يقتادونني إلى معسكر في مستوطنة قريبة من البلدة التي أسكن. وما إن وصلنا لدقائق حتى عاودوا الخروج بي وأخذي إلى معسكر آخر، وقتها أضاعت بوصلتي معالم الطريق وكل المعالم الأخرى، ولم أتذكر إلا أنني قُيّدت، وأخرجوني من بيتي رهن الاعتقال، وأنا في صدمة تامة عما يجري لي، دون أن أستطيع أن أجد مبررًا واحدًا لكل ما يجري. حاولت أن أستعيد بذاكرتي إن كنت قلت أو فعلت شيئًا يستدعي الاعتقال، ووالله ما وجدت، فكل ما أفعله هو الانكباب على كتب فصلي الدراسي للتحضير، وحفظ بعض الآيات التزامًا ببرنامج حفظ لكتاب الله قد ألزمت نفسي به، ومثل هذه الأمور، على حد علمي، لا ضرر منها حقيقة ولا على أي جهة أو كيان.

كل هذا الصراع المحتدم في رأسي، وأنا في المركبة العسكرية وسط الجنود، وهم يطوفون بي في منتصف الليل في طرق أضاعت صدمتي معالمها، وما عدت أُدرك أفي الأرض أنا أم في السماء. وحوالي الساعة الثانية ليلًا وصلنا إلى معسكر، قاموا بتعصيب عينيّ وإنزالي من الجيب العسكري، وبرهة من الزمن سمعت وقتها بعض الشتائم التي لا تليق بإنسان سوي سماعها، ناهيك عن التلفظ بها. وعند تفقد الهويات من قبل أحدهم، أدركت بأنني في صحبة فتاة أخرى كانت ضحية الاعتقال تلك الليلة، ثم اقتادوني وحدي، وقاموا بتبديل القيود والكَلَبشات في اليدين والرجلين، وأزالوا العصبة عن عينيّ، ليخبرني الشرطي العسكري المسؤول أنني رهن الاعتقال، إذ وُجهت لي تهمة، وسيقودني إلى أريئيل ليتم استجوابي هناك وفق القانون الإسرائيلي، طالبًا مني التعقل وعدم التفكير في أي محاولة للهرب، فأدهشني طلبه، ورددت عليه مستنكرة: وكيف لي أن أهرب وأنا مقيدة اليدين والرجلين، وبين رجلين مدججين بالسلاح، في هذه الساعة المتأخرة من الليل، في بقعة تواجد الآليات والجنود فيها أكثر من عدد الحصى؟!

لا يخطر ببالك في هذه اللحظة إلا الموت؛ فأنت في مخاض تجربة لا تشبه شيئًا غير الموت: اقتحام بيتك فجأة، انتزاعك من فراشك وسط جيرانك على مرأى من الناس ومسمع، دون الإذن بتدخل أي قريب أو بعيد، انتزاعك من وسط أحبابك ومقتنياتك وممتلكاتك، تجريدك من ثيابك، تمامًا كما الموت وانتزاع روحك من جسدك. غير أن الموت يظل بين يدي رحيم، وسنة الله على كل الأحياء؛ فالملائكة تنزع روحك دون أن تمتد يدهم عبثًا أو إذلالًا؛ لأنك إنسان، والإنسان عند الله مُكرّم بإنسانيته ونفخة روح الله فيه، فكرامة الإنسان محفوظة حتى في سكرات الموت ونزاعه. أما الاعتقال فيتم عبر آلية تبالغ في امتهان الإنسان وإذلاله، ووفق معايير تصوغها القوة الغالبة لتطال كل من لا يغرد في سربها، ولا يدور في فلكها، حتى ولو كنت أصمَّ أبكم.

وصلت إلى شرطة أريئيل حوالي الساعة الثالثة فجرًا، وسلموني لمجندة قامت بتفتيشي تفتيشًا عاريًا، وقد استبدلوا مرة أخرى قيود رجلي ويدي بقيود جديدة، والتي فهمت بعدها، أثناء تنقلي بين المراكز العسكرية والمعتقلات، أن لكل محطة اعتقال أو مكان عبور أو مركز تحقيق قيوده الخاصة به؛ إذ عليهم تبديلها مع كل تنقل وحركة للأسير. وفي هذه اللحظة أدخلوني في غرفة خاصة، أجلسوني فيها على كرسي، لانتظار الدوام الصباحي لإجراء التحقيق حول تهمة منسوبة لي وأنا لا علم لي بها.

وسيكون المقال الثاني بإذن الله تعالى من سلسلة العودة لمدافن الأحياء عن مجريات التحقيق وأقبيته.

تاريخ النشر: ٣٠ أبريل ٢٠٢٦ في ٠٤:٤٠ م

آخر تحديث: منذ ساعتين