هل الاقتصاد الإسرائيلي خارج التاريخ؟ تفكيك أسطورة "الترامبولين"
حصاد الفكر
منذ 5 أيام
٤٢ مشاهدة
9 دقيقة قراءة

هل الاقتصاد الإسرائيلي خارج التاريخ؟ تفكيك أسطورة "الترامبولين"

سهيل القوقا - باحث في مركز حضارات

يأتي هذا التقرير في سياق التعليق على المقال الذي نشرته الكاتبة الاقتصادية الإسرائيلية "ميراف أرلوزوروف" في صحيفة "The Marker" بتاريخ 8 أيار/ مايو 2026، والذي تناول ما وصفته الكاتبة بـ "ترامبولين" الاقتصاد الإسرائيلي، وقدرته على تجاوز آثار الحرب والأزمات المتلاحقة، رغم العجز، وارتفاع الدَّيْن، والتوترات الأمنية، وتخفيض التصنيف الائتماني.

غير أن هذا التفسير، بدل أن يعيد الاقتصاد الإسرائيلي إلى شروطه التاريخية والسياسية الحقيقية، يعكس جانبًا من الأسطورة الصهيونية ذاتها، التي تقوم على تصوير المشروع الصهيوني باعتباره كيانًا استثنائيًا يقف فوق قوانين التاريخ والاقتصاد والتحولات الطبيعية التي تحكم بقية المجتمعات والدول.

فاللافت أن خطاب "الترامبولين" لا يعكس مجرد استعارة اقتصادية عابرة، بل يكشف أيضًا حضور الأسطورة الصهيونية داخل الوعي الشعبي والسياسي الإسرائيلي نفسه؛ فحين تعجز التفسيرات الاقتصادية المجردة عن تفسير "الصمود"، يجري اللجوء إلى صورة غامضة لقوة ذاتية شبه سحرية، قادرة دائمًا على إعادة المشروع الصهيوني إلى النهوض.

وبهذا تتحول "الترامبولين الحقيقية" -المتمثلة بشبكة الدعم الغربي، والاندماج البنيوي داخل المنظومة الغربية، والحماية العسكرية والسياسية الممتدة- إلى عناصر ثانوية في الوعي الصهيوني، بينما يُعاد إنتاج "الصمود" بوصفه تعبيرًا عن قوة داخلية استثنائية مرتبطة بخصوصية المشروع الصهيوني نفسه.

حقائق الدعم والاندماج البنيوي

لكن المعطيات التي يعرضها التقرير نفسه تكشف عكس ذلك تمامًا؛ فالاقتصاد الإسرائيلي لم يواجه الحرب كأنّه اقتصاد منفرد أو معزول، بل كجزء من بنية غربية متكاملة تحركت فورًا لحمايته. فمنذ الأيام الأولى للحرب، فُتحت المخازن الاستراتيجية الأمريكية داخل إسرائيل، ونُقلت ذخائر وأسلحة كانت مخصصة لأوكرانيا إلى الجيش الإسرائيلي، وأُقيم جسر جوي وبحري عسكري واسع.

وقد تجاوز حجم الدعم العسكري الأمريكي "المباشر" لإسرائيل نحو 17.9 مليار دولار خلال السنة الأولى للحرب فقط، قبل أن يرتفع إلى ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار حتى عام 2025؛ وهذا خارج إطار حزمة المساعدات الأمريكية السنوية التي تقارب أربعة مليارات دولار سنويًا، وفق تقديرات مشروع "تكاليف الحرب" في جامعة براون وتقارير أمريكية متعددة.

كما شمل هذا الدعم انخراطًا سياسيًا وأمنيًا مباشرًا، وصل إلى مستوى مشاركة كبار المسؤولين الأمريكيين في إدارة المشهد الأمني والسياسي للحرب منذ بداياتها، متجاوزًا الدعم المالي والعسكري إلى كونه دعمًا "نفسيًا-سياسيًا"، إلى جانب دعم استخباري ولوجستي ودبلوماسي واسع؛ مما أعطى انطباعًا بأن إسرائيل ليست وحدها، وهذه نقطة جوهرية حافظت على معيار "الثقة" داخل الاقتصاد.

ولذلك، فإن اختزال كل هذه البنية الغربية الداعمة بمصطلح "وسادة أمان" يُعد تسطيحًا مقصودًا لطبيعة العلاقة العضوية بين المشروع الصهيوني والمنظومة الغربية، وكأن ما جرى مجرد أدوات اقتصادية طبيعية متاحة لأي اقتصاد آخر، بينما الحقيقة أن هذه البنية الإمبريالية الغربية قد جرى تظهيرها كأنها "عبقرية إسرائيلية ذاتية".

السلاح كرافعة اقتصادية وأخلاقية

كما أن "صمود" الاقتصاد الإسرائيلي لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها الصناعات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب نفسها؛ حيث تحولت الحرب إلى منصة تسويق عالمية رفعت الطلب الغربي -تحديدًا- على السلاح الإسرائيلي، خاصة وأن الغرب يتعامل مع "نجاح" أدوات الحرب والإبادة كقيمة سوقية وتقنية، لا سيما الأنظمة التي وُصفت بأنها "مُجرّبة ميدانيًا".

وهذا ما يوضح الارتباط الحضاري الأخلاقي العميق بينهما؛ فقد سجلت صادرات السلاح الإسرائيلية -التي تُعد رافعة اقتصادية مهمة- أرقامًا قياسية متواصلة؛ إذ بلغت نحو 12.5 مليار دولار عام 2022، ثم ارتفعت إلى أكثر من 13 مليار دولار عام 2023 وفق معطيات وزارة الحرب الإسرائيلية، مع استمرار ارتفاع الطلب الأوروبي والغربي على أنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والتقنيات الأمنية، والذكاء الاصطناعي العسكري.

وهنا لا ينفصل الاقتصادي عن الحضاري؛ إذ تكشف هذه الظاهرة طبيعة المنظومة الغربية نفسها، التي تتعامل مع "الفعالية القتالية" للسلاح بوصفها قيمة استراتيجية وسوقية، حتى عندما تكون مرتبطة بحروب إبادة ودمار واسع. فكلما ازداد السلاح الإسرائيلي "نجاحًا" في الميدان، ازداد حضوره داخل الأسواق الغربية، وهو ما يكشف أيضًا حجم التداخل بين الصناعات العسكرية الإسرائيلية والبنية الأمنية العسكرية الغربية الأوسع.

استثناء "رأس المال الجبان"

كما أن استمرار تدفق الاستثمار الغربي إلى إسرائيل رغم الحرب الطويلة، والعجز، والمخاطر الأمنية، يكشف أن العلاقة بين الغرب والاقتصاد الإسرائيلي تتجاوز منطق الاستثمار التقليدي القائم على قاعدة "رأس المال جبان"؛ ففي الظروف الطبيعية تميل الاستثمارات إلى الهروب من مناطق الحرب وعدم الاستقرار، لكن الحالة الإسرائيلية بقيت استثناءً نسبيًا بفعل اندماجها البنيوي داخل المنظومة الغربية.

ولم يقتصر الأمر على استمرار الاستثمار المالي والتكنولوجي، بل شمل أيضًا استمرار الأسواق الغربية والأمريكية في استقبال الصادرات الإسرائيلية ضمن بيئة تفضيلية وقيود تنافسية محدودة، إلى جانب الدعم الإقليمي غير المباشر الذي ساهم في حماية الممرات التجارية والبيئة اللوجستية الإقليمية المحيطة بإسرائيل.

الخاتمة

إن ما تصفه الكاتبة بـ "ترامبولين" الاقتصاد الإسرائيلي، لا يمكن فهمه بوصفه قدرة ذاتية غامضة أو استثنائية خارجة عن التاريخ، بل باعتباره انعكاسًا لبنية دعم غربي (سياسي-عسكري-اقتصادي-حضاري) متكاملة، شكلت عبر عقود أحد الأعمدة الأساسية لاستمرار المشروع الصهيوني نفسه. لقد رسخت هذه البنية داخل الوعي الصهيوني صورة أسطورية عن دولة تبدو وكأنها قادرة دائمًا على تجاوز قوانين التاريخ والأزمات بفعل قوة ذاتية خاصة، بينما يكشف الواقع أن جزءًا كبيرًا جدًا من هذا الصمود قائم على شبكة دعم واندماج وظيفي عميق داخل المنظومة الغربية.

تاريخ النشر: منذ 5 أيام

آخر تحديث: منذ ساعتين