
فض التنازع بين أولوية القضية القُطرية ونصرة قضايا الأمة
حين تتكاثر الجراحُ وتتعدد الجبهات المفتوحة في وقتٍ واحد، يغدو طبيعيًّا أن يسعى كلُّ صاحب ثغرٍ إلى ترسيخ جبهته التي ينافح عنها ويعمل فيها، ويقارع المتكالبين عليه فيها بوصفها القضية المركزية للأمة.
ويرى أنَّ بوصلة العرب والمسلمين وأحرار العالم يجب أن تتّجه إليها، وأنَّها المحور الذي يجب أن يلتفَّ الجميع حوله ويلتفت إليه وينشغل به، وتزدادُ وتيرة هذا الخطاب مع شراسة العدوان وتعاظم الخطب والشعور بالخذلان والترك.
وفي ظلّ طغيان مفهوم الأمّة في الخطاب الجمعي مع بقائه هلاميًّا في الآليات العمليّة، يتعامل أصحاب القضايا معه بالعاطفة المشتعلة والحماسة الخطابية أكثر منه تبيانًا لآليات التحرّك المطلوب، ومعَ تشابك الحالة السياسيّة وتداخلاتها الحرجة تزدادُ الصورة تعقيدًا.
فالعدوّ المباشر في ساحةٍ هو الحليف الاضطراريّ في ساحةٍ أخرى، ويبرز التنازع الداخلي نفسيًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا عند أصحاب القضايا أنفسهم، وعند المتابعين لهم من أبناء ونخب البلاد التي لم تدخل في أتون المواجهة مع المحتل أو مع النظم المستبدّة حتّى الآن.
وهنا نجد أنفسنا أمام طرَفين؛ الأول: يريد من الجميع أن يعمل في قضايا الأمة جميعِها ويتدخَّل في أدقِّ تفصيلاتها الميدانية، وآخر ينتصر للاستقلال التّام للقضية القُطرية رافضًا التدخل فيما سواها بوصفها "شؤون الآخرين"؛ وهنا نجدُنا بين مهاجم ومنتقد بشراسةٍ، ومبرِّرٍ تبريرًا متكلّفًا، أمّا المتوازنون المنصفون القادرون على تفكيك المشهد وإعادة تجميع الصورة برويّةٍ عاقلة فقليلٌ ما هم.
العدوّ المباشر في ساحةٍ قد يكون هو الحليف الاضطراريّ في ساحةٍ أخرى، ويبرز التنازع الداخلي نفسيًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا عند أصحاب القضايا أنفسهم، وعند المتابعين لهموسعيًا للوصول إلى حالةٍ من التّوازن في الحكم على المواقف، وفضّ الاشتباك المتنامي بين أولويّة القضيّة القُطرية ونصرة قضايا الأمة؛ نضعُ هذه القواعد الخمس:
- أولوية القضيّة القُطرية مُبرَّرة عقلًا وشرعًا على وجه لا يضرّ قضايا الامّة: فمن المقرّر عند أهل الفقه أنَّ الجهاد إذا تعيّن على الأّمة فإنَّه يُعذر منه مجاهدٌ قائمٌ على ثغرٍ عاملٌ عليه، فليس مطلوبًا منه ترك ثغره وساحته لنصرة ثغرٍ آخر، هذا إذا كانت الأمة مجتمعة على وحدةً جغرافيّة متّصلة، وعلى هذا فهو في حال تفكّكها وتشرذمها أكثر واقعية وتفهُّمًا.
- لا تسفهّوا قضاياكم: مما يؤذي أصحاب القضايا والجراح الغائرة ضربٌ من الخطاب ينتصر للقضية القُطرية معتمدًا على تسفيه قضايا الأمّة الأخرى، والتّهوين من شأنها ووصفها بأنها هامشيّة، ووصف ثورات الشّعوب العادلة بأنها احترابٌ داخلي وأنها تائهةُ البوصلة.
تحرير الأقصى ليس الأولويّة عند ثوَّار سوريا أو مصر واليمن وإن كانت قلوبهم متعلقة به، بل إنَّ أولويتهم هي دمشق والقاهرة وصنعاء، على أنَّ هذه الأولويّة لا تبرر القيام بأي إجراء يؤثِّر على مسيرة الصراع مع "إسرائيل"، تحت ذريعة أولويّة الثّورةوهذا الخطاب -فضلًا عن كونه مستفزًّا- فإنَّه يكرّس العصبيّة القُطرية، ويساهم في مزيدٍ من التفكّك في ظلِّ وجوب التّعاضد في مواجهة مشروعِ الثورات المضادة، الذي يرمي الجميع عن قوسٍ واحدة. ومن أكثر الذّرائع المستخدمة لتسفيه القضايا الأخرى فشلُ حامليها والمدافعين عنها، وعلى فرض صحّة هذه الذريعة فإنَّ عدم كفاءة المدافعين عن قضيّة عادلة لا يحوّلها إلى هامشيّة، ولا يُجيز التحلّل من الواجبِ تجاهها، بل يزيدُ مسؤوليّة الجميع في وجوبِ البحث عن سبل التّكامل والتّعاضد الذي ينهضُ بالقضايا كلّها.
- أغمدوا سيف الولاء والبراء في المحتملات: اعتاد الناس تغليفَ انتقادهم للسّلوك الذي لا يرضَونه دائمًا بغلافٍ يؤثّر في الجماهير ويقرّع المخالف، ومن أخطر الأثواب التي يتمّ إلباسُها للجهات العاملة في السّاحات الأخرى -عند حدوث أي تواصل بين هؤلاء وبين عدوهم المباشر- ثوب الولاء والبراء.
- توسيع المنطقة الرمادية في إدارة العلاقات الشائكة: وهنا لا بدَّ من التّفريق بين الخطاب والسّلوك السياسي -في ظل هذا التعقيد الحاصل- والخطاب الأخلاقي الذي يستهوي الجماهير وتتوق إليه، وعدم التّمييز بين هذين الخطابين يوقع العاملين لقضاياهم المحلّية في ازدواجية الموقف.
من النّماذج النّاجحة إدارة حركة حماس للعلاقة مع النّظام السوري وإيران بعد الرّبيع العربي بحرفيّة عالية، فحافظت الحركةُ على أدائها السّياسي والإعلامي ومراعاة المزاج الشّعبي العامورغم وقوع هَنَاتٍ وزلّاتٍ في بعض المحطّات وفي الإخراج الإعلامي لبعض المواقف، فإنَّ المشهد العام يمثل نموذجًا في التّعاطي المتميز مع أولوية القضية ونصرة قضايا الأمة دون الغرق في تفاصيلها، والاستفادة من توسيع المساحة الرمادية في التّعاطي السياسي، مع وضوحٍ كاملٍ في التّعاطي الأخلاقيّ مع القضايا المبدئيّة والإنسانيّة.
- التواصل مُورِثٌ للثّقة والتنسيقُ مآلُه التكامل: تعتمد العلاقة السياسية على النظرة المصلحيّة البحتة في التّواصل الدّولي، إلا أنَّ العلاقة بين مَن ينظّمهم عِقد الأمَّة الواحدة والقضيّة الكبرى المشتركة تعتمد على الثّقة ابتداءً.
تاريخ النشر: ٢٥ أبريل ٢٠١٧ في ٠٢:٠٢ م
آخر تحديث: منذ 23 ساعة



