
كتاب تجديد الوعي لـ د. عبد الكريم بكار

مقدمة:
جاء تأليف الكتاب بعد ست سنوات من تأليف سابقه في السلسلة، وبعد تأليف سلسلتين من الدراسات آفاق حضارية، والمسلمون بين التحدي والمواجهة. وقد ظهر أثر تلك الدراسات على أفكار الكتاب واضحا. كما أنه جاء بناء على طلب من القراء بضرورة مواصلة سلسلة (الرحلة نحو الذات) بعد انقطاع فكانت الاستجابة على لسان الكاتب في المقدمة:
“ولم أجد موضوعا ينسجم مع التفكير الموضوعي كموضوع تجديد الوعي. فبعد أن يعرف المرء وضع الأمور في نصابها الصحيح بتجرده عن مغريات الهوى، وتمويهات الظنون يضحى لزاما عليه أن ينظر في آليات استيعابه للواقع وفي تنظيم ردود فعله عليه”.
يعتبر الكتاب من بواكير المؤلفات في “فهم الذات”، والذي يعتبر نقلة نوعية في الفكر الدعوي المعاصر.
وقصد الكاتب بتأليفه بلورة الاستجابة الراشدة لتحديات العصر، وذلك عن طريق اكتشاف توازنات جديدة داخل الفكر الإسلامي بما يحقق الدعم القيمي لأفراد هذه الأمة، وبما يعزز فاعليتهم وأداءهم في طريق النهوض الشامل.
![]()
مع المؤلف:
• هو عبد الكريم بكار أستاذ اللغة العربية في جامعة الملك خالد في أبها بالمملكة العربية السعودية صاحب المؤلفات الفكرية العديدة.
• وقد تميز تأليفه بإصدار سلاسل مختلفة في موضوعات شتى منها:
- سلسلة "آفاق حضارية"، ويقع في خمس كتيبات تتراوح صفحاتها بين 130 و150، وقد قامت بنشرتها دار القلم بدمشق دفعة واحدة سنة 1999م.
- سلسلة “المسلمون بين التحدي والمواجهة”، صدر منها خمس كتب من الحجم الكبير، أهمها: نحو فهم أعمق للواقع الإسلامي، من أجل انطلاقة حضارية شاملة، حول التربية والتعليم. وقد قامت بنشرها دار المسلم بالرياض في الفترة بين 1995 و1999م.
- سلسلة “الرحلة إلى الذات”، وصدر منه الجزء الأول فصول في التفكير الموضوعي سنة 1994م، ثم صدر الجزء الثاني من الدراسة تحت عنوان تجديد الوعي وهو كتابنا هذا قيد المراجعة.
مع الكتاب:
التعريف بالوعي: لقد أخذ مصطلح “الوعي” حظه من التطور الدلالي على نحو مواكب لارتقاء الحياة الفكرية والثقافية. فمن الدلالة على الجمع والحفظ إلى الدلالة على الفهم وسلامة الإدراك.
وقد يطلق في الكتابات الثقافية العامة على ما تدل عليه كلمة “الإدراك” أو كلمة “الشعور” منفردتين.
وأراد الكاتب أن ينطلق إلى مدلول أكثر عمقا وتنظيما فعرف الوعي على أنه محصلة عمليات ذهنية وشعورية معقدة حيث يشترك في تشكيله التفكير والحدس والخيال والأحاسيس والمشاعر والإرادة والضمير، والمبادئ والقيم ومرتكزات الفطرة وحوادث الحياة والنظم الاجتماعية والظروف التي تكتنف حياة الإنسان. وهذا الخليط الهائل من مكونات الوعي يعمل على نحو معقد جدا ويسهم كل مكون بنسبة تختلف من شخص إلى آخر، مما يجعل لكل شخص نوعا من الوعي يختلف عن وعي الآخرين.
خصائص الوعي وطريقة عمله: حيث إن الوعي نوع من الإشراق الدائم فإن عمله يشبه سلسلة من الومضات التي تتفاوت شدة وقوة، فهو أشبه بمرجل يغلي لا يكاد يعرف الاستقرار لذلك فإن من المهم جدا المحافظة على توتره وتيقظه حتى لا يتم تغييبه أو تزييفه الأمر الذي يتطلب رعاية دائمة.
وللوعي صلة وثيقة بالواقع والمعطيات الثقافية المختلفة، وبالمنتجات التقنية والاجتماعية التي تتسم بالتطور المستمر لذا فهو في حاجة إلى أن يجدد نفسه إذا أريد له أن يقوم بوظيفته في تنظيم الخبرة وإدراك التحديات وطرح الحلول لمواجهتها.
إنَّ التغيّر المتسارع الذي يشهده العالم يفرض علينا أن نحوّر في صورنا عنه بكيفية تستجيب للمعطيات الجديدة، وألا نسمح للصور الذهنية التي نمتلكها عن كل ما حولنا بأن تصبح صورا جامدة متكلسة تميل إلى القولبة والنمطية لأن من شأن ذلك أن يجعل الوعي متخلفا عن الواقع.
فالصورة الذهنية وسيلة من أهم الوسائل التي يستخدمها الوعي في تنظيم الخبرة والتعامل مع الوجود الخارجي، وكلما كانت مرنة وقابلة للتحوير والتعديل كلما سهّلت عمل الوعي.
دوافع تجديد الوعي: إنَّ الحديث عن تجديد الوعي ينبع من اعتقادنا – كما يعبِّر الكاتب– بقابلية وعينا للنمو، وثقتنا بإمكاناته في نقد ذاته، وإعادة طرح مقولاته ونظمه، ونماذجه للمراجعة، مما يؤدي به في النهاية إلى تجاوز ذاته وتطويرها ليصبح أكثر قدرة على مواجهة تحديات واقعه.
إن إدراكنا لأهمية تجديد الوعي هي الخطوة الأولى التي تسبق إرادة التجديد.
ويمكن تلخيص دوافع تجديد الوعي، كالتالي:
مهمة الوعي الكبرى أن يشكّل ذاته، ويبني استقلاله بعيدا عن سجن الواقع، وخارج معطيات البرمجة الثقافية المحلية، وخارج حدود النظام الاجتماعي السائد، وذلك بغية الحصول على أفضل إدراك للحقائق الموضوعية المختلقة. وهذا التحديد للمهمة الكبرى للوعي، هو الذي يفرض عليه السعي إلى تجديد نفسه.
مشكلة الوعي دائما الاندماج في الواقع الموضوعي، أو العيش على هامشه، والنتيجة في الحالتين واحدة وهي سوء التعامل، والعجز عن الفهم الصحيح. هذه الوضعية تتطلب منا أن نجدّ في محاولة إبقاء الوعي في علاقة جدلية حيّة مع واقع متجدد، فهو من خلال مزيد من الاستيعاب للواقع وتفسيره يجدد في تركيبه، ومن خلال تجديده لتركيبه يزيد في قدرته على فهم الواقع وهكذا.
إنَّ معطيات الاجتهاد الفقهي التي تراكمت عبر العصور، لم تعد كافية لتوجيه الوعي الإسلامي في أعماله، وصار الأمر يتطلب فقها للواقع أكثر نفاذا، كما يتطلب تنزيلا لأحكام الشرع عليه أكثر إحكاما وبصيرة. وهذا لن يتأتى إلا من خلال مزيد من الوعي بقوانين التفكير، وضبط المفاهيم، وطرق البحث والاستدلال، ومن خلال فهم أعمق لمقاصد الشريعة، وتحسس أفضل لسنن الله تعالى في الخلق.
البث الفضائي وشبكات المعلومات، وتدفق الصور والرموز الثقافية على هذا النحو العجيب أتاح للناس مقارنات ثقافية غير مسبوقة. هذا التداخل الثقافي الكوني إن لم يصحبه إنضاج حسن للوعي الذاتي، وتعزيز لآليات عمله، فإنه سيتحول من عامل تفتح ونمو للوعي إلى عامل اضطراب وإرباك، وعجز عن استخدام نماذجه ومعاييره الخاصة في إصدار الأحكام الثقافية والحضارية إذا هو أسلم نفسه للقوى الغاشمة التي تصوغ الرؤى الثقافية لمعظم سكان الأرض.
تجليات الوعي : إن معظم تحليلاتنا وسلوكياتنا وردود أفعالنا، إن لم تكن انعكاسا لما نعيه فهي تحمل الكثير من الدلالات عليه.
أولا: في الفكر: الحاجة إلى الرؤية الكلية والتي باستخدامها نرى أن الشيء قد يكون هدفا ووسيلة في آن واحد. ومن مقتضياتها تحسس الفرق بين المطلق من الأفكار والنظم وبين النسبي منها.
ثانيا: الروح النقدية: النقد مظهر من مظاهر استيقاظ الوعي. وهو يعني وعي الوعي بذاته، وقدرته على تجاوز النماذج الشائعة، والعودة إلى الأصول والأهداف الكبرى في كل المسائل التي تحتاج إلى إعادة نظر.
نحن بشر نصيب ونخطئ، والجميع يعترف بذلك، لكن سلوكنا لا يترجم ذلك الاعتراف. فالذين يمارسون النقد يلقون الكثير من المشكلات، مما دفع جل الناس إلى إيثار الصمت، وتجاوزه بعضهم إلى تزيين الخطأ وتلميعه مما جعل المشاكل تتراكم وتتزايد.
النقد هو الذي يجدد الأبنية الفكرية حين يصقلها ويجعلها في حالة من التوهج والإشعاع. وهو الذي يكشف عن قصور إنجازاتنا حين يحاكمها من خلال التنظير إلى النموذج الأصلي الذي كان ينبغي أن يتجسد فيها.
ثالثا: المعرفة: حين تكون المعرفة عبارة عن وحدات متشظية، فإنها تحتفظ بشيء من قيمتها، فهي بمثابة قطع ذهبية، لكن حين نحاول أن نستخرج منها رؤية متكاملة للحياة أو منهجا متماسكا للبحث والتحليل، فإنها تكون بمثابة منجم من الذهب.
إن المعلومات التي لا نستطيع دمجها في أصول ومبادئ ونظم ونماذج عامة، تظل مشتتة، وأيضا قاصرة، لأنها آنذاك لا تجدد سوى جزء يسير من الوعي.
إن المشتغل بالتخصص يجد نفسه كلما تقدم به الزمن منهمكا في أمور فرعية تكون في العادة خارج نظام تحديات الواقع وعلاجا ته، والذي يتطلب عادة طروحاً ورؤى أكثر عمومية.
الغارقون في المسائل الدقيقة، لا يكونوا في العادة مهيئين ذهنيا للتفكير في القضايا الكبرى في تخصصاتهم، العزلة التي يعاني منها المتخصصون ليست اجتماعية فحسب، وإنما هنالك عزلة معرفية عن باقي فروع العلم. والذي يفعل ذلك يتجاهل وحدة المعرفة وتداخلاتها والإمكانية الهائلة للتقدم العلمي التي يمكن أن تتوفر عن طريق الانفتاح على العلوم الأخرى.
حتى تكون معارفنا معاصرة وذات أثر في تغيير واقعنا، فإن عليها أن تكون ثرية بالرؤى والمفاهيم والطروحات التي تعالج ما طرأ على حياة الناس عندنا من تغييرات جذرية ومشكلات.
رابعا: الأخلاق والقيم: بدء وعي الناس بحاجاتهم الروحية والخلقية يتحسن نتيجة الشعور بانسداد الآفاق أمامهم، وتراجع الاعتقاد الذي ساد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بأن المزيد من التقدم التقني وامتلاك النظرة العلمية في التعامل مع الأشياء سوف يحل مشاكل الإنسان.
الهوية فيض متجدد: يمكن تعريف الهوية بأنها “مجموعة العقائد والمبادئ والخصائص والترميزات التي تجعل أمة ما تشعر بمغايرتها للأمم الأخرى “. إن إحساس المسلمين بهويتهم يتفاوت تفاوتا كبيرا بمقدار الفهم لأصول الإسلام وأصول الحضارة الإسلامية ومعالم التجربة التاريخية للأمة، وبحسب الانغماس في معايشة الواقع واستيعابه، والعمل على التأثير فيه.
تعيش أمتنا اليوم أزمة هوية والتي من أسبابها تهميش الثقافة الإسلامية الأصيلة في كثير من بلدان المسلمين، مما أدى إلى ضعف إحساس الأجيال الجديدة بهويتهم، كما أضعف حساسيتهم تجاه الوافدات الأجنبية، مما سهّل على القوى الثقافية الغازية اختراق العديد من جوانب ثقافتنا، وجعل الشعور بخصوصيتنا الثقافية موضع تساؤل.
إنَّ حلّ أزمة الهوية لن يكون إلا من خلال إعادة تنظيم حياتنا الشعورية والأخلاقية والعقلية في ضوء ثوابت المنهج الرباني الأقوم، وإلاَّ من خلال تحقيق درجة من الندية للأمم الأخرى في مجالات الإنتاج الحضاري كافة.
الأخلاق والبيئة: اعتبر الكاتب هذه القضية على درجة من الأهمية والخطورة ورغم ذلك فهي من أكثر القضايا التي نالها الإهمال في القديم والحديث.
إنَّ المشكلات الأخلاقية قد تنبع من بيئة اقتصادية متردية تدفع الناس دفعا إلى الشح والرذيلة وتجعل همومهم ونشاطهم في الكفاح من أجل البقاء على قيد الحياة.
وفي تصور الكاتب أن وعينا بحاجة إلى صدمة حتى يصحو على هذه المعاني، وتلك الصحوة هي البداية لعمل جديد نافع، يعيد الأمور إلى نصابها.
في زمان الإقبال الحضاري تزدهر معان ومفاهيم بعينها، ويكون ازدهارها تعبيرا عن السمو الإنساني وتعبيرا عن الاستقرار والخير والنماء. (معاني اللطف والرحمة والسماحة والعفو والتضحية من أركان المدنية الإسلامية وسادت عندما سادت) في المقابل وفي زمن قيم الانحطاط سادت القوة عوضا عن الرحمة كما ذكر الكاتب نماذج أخرى من قيم الانحطاط نحو الهروب من أداء الواجب، الوسيلة عوضا عن المبدأ، الاهتمام بالإجماع دون مضمونه، الشعور بالهزيمة. في زمن الانحطاط تعلو شؤون الجسد، وتتسع استخداماته على حساب شؤون الروح والمعنى، ويتضاءل الحوار والتفاهم والتنازل ويغلب الهوى والإعجاب بالرأي.
الاهتمام والشعور بالمسؤولية، واحد من أهم القيم والمبادئ الأخلاقية حيث من شأنها أن تجسد إحساس المرء بتبعات إرادة الحياة، والتقدم في دروب الخير والفلاح، وإحساسه بآلام التدهور الذي يمكن أن يتعرض له نتيجة ترهل حساسيته تجاه الواجبات الملقاة عليه.
الاستقلالية في الحكم والتقويم واتخاذ القرار وتنظيم رد الفعل، من القيم المهمة في نضج الشخصية.
الانفتاح وتقبل الجديد مهم لعيش عصرنا بكفاءة، حيث تتم إعادة صياغة كل شيء على نحو مستمر. ولا نعني بما نقوله أن نكيف أخلاقنا ومبادئنا ومقولاتنا مع الجديد، فهذا غير جائز ولا صحيح، ولكن المطلوب أن نكون مستعدين لتلمس الحق، ومحاولة فهم الأفكار الجديدة، وسماع وجهات النظر المختلفة مهما كانت فجة، إلى جانب الاستعداد لمراجعة طروحاتنا وأفكارنا التي نشأنا عليها في ضوء ما نصل إليه. وأخطر ما يصدنا عن ذلك، ويضع الغشاوة على بصائرنا، هو البرمجة البيئية والثقافية التي تعرضنا إليها في حياتنا.
وقد ركز القرآن الكريم دائما على تحريرنا من اتباع الهوى والظن والسير خلف الآباء والكبراء دون تمحيص لما هم عليه، لكن يبدو أننا لم نستطع توسيع مدلول النصوص الكريمة في هذا الشأن، كما لم نستطع النفاذ إلى أعماق النص القرآني بما يكفي لاستخراج رؤية متحررة من القولبة التربوية التي صاغت وجودنا المعنوي عبر حياتنا المديدة. ويعتقد الكاتب أن من أولويات تجديد الوعي التأمل مليا فيما علينا أن نفعله في هذا الشأن.
استيعاب الوعي للتقدم: من أخطر المشكلات التي تواجه الوعي الإنساني قابليته الشديدة للوقوع في أسر اللحظة الحاضرة والمعطيات الجاهزة والبيئة المحيطة.
وعلى مدار التاريخ كان كبار المفكرين والمصلحين، يحاولون إيجاد مداخل تجعل الوعي ينفتح على الماضي والمستقبل، وعلى القريب والبعيد والبسيط والمركب، والكلي والجزئي، على أمل أن يظل على درجة من التحرر، تمكنه من التعامل بشفافية مع واقع الانحطاط، وإمكانات التقدم، ولا سيّما الكامن منها.
ما بين القديم والجديد.. نحن والقديم: التاريخ الإسلامي في أطواره وحقبه، وما اشتمل عليه من عطاءات وحوادث ومشكلات وانكسارات، هو الماضي الذي ننتمي إليه في الكثير من جوانب وجودنا الفكري والشعوري، ولا بد أن تكون أفكارنا عن الوضعية التي تم نقل ذلك الماضي عن طريقها، ناضجة ومنظمة، وإلا فإن الماضي كما يمكن أن يكون مصدرا لتجديد وعينا، فإن بإمكانه أن يكون مصدرا لبلبلة الوعي وانقسامه.
العلاقة بالتراث: انتقد الكاتب موقف المستشرقين من التراث وربطهم أسباب تخلف الأمة بموروثها الثقافي. ولكن انتقد في الوقت نفسه الموقف المناقض، وهو موقف المفتونين بالتراث والذي تمثل في الحرص الشديد على نشر الكتب التراثية دون تفريق بين الغث والسمين.
كما تمثل في خوفهم وتوجسهم من أية قراءة للتراث، تنتهي إلى مقولات، تخالف ما هو سائد ومنطبع في عقليتنا عن معطيات ذلك التراث.
ومع نبل الدوافع إلى هذا الموقف إلا أنه يتجاهل حقائق مهمة، لا نكاد نتمارى فيها اليوم، منها أن التراث عبارة عن جهد بشري، تتبدى فيه كل اجتهادات البشر، وكل أشكال تفوقهم وأنماط قصورهم، ومن الطبيعي حينئذ أن يكون فيه ما ينفع وما يضر، وما يسوء وما يسر.
المقصود أننا لن نجد في التراث حلولا جاهزة لمشكلاتنا المعاصرة، وتنمية حياتنا الحضرية، وإنما سنجد – في الغالب – أصولا هادية، ومستندات أدبية لجهودنا البنائية والتحديثية.
إن احترامنا للتراث لا ينبغي أن يتجسد في نقله ونشره فحسب، وإنما في توظيفه من جديد، حيث لا ينبغي لنا أن نبحث عن الجذور القديمة، ونرتاح، وإنما علينا أن نفكر في كيفية تغذية تلك الجذور لكي تحقق نموا وازدهارا جديدين.
التجديد والموقف منه: البنية العقلية التي أسسها المنهج الرباني، والتي تمحورت حولها الثقافة الإسلامية فيما بعد، هي بنية منفتحة، تجمع بين الصلابة والمرونة، فالإسلام يحرض على الاجتهاد، وهل هناك أكثر من أن تجعل لمن يجتهد ويخطئ أجرا؟! وهو إلى جانب هذا يذم التقليد والمقلدين الذين يجعلون عقولهم رهينة لعادات ألفوها، أو مسلمات ورثوها عن الآباء والأجداد دون أي مستند من دين أو عقل أو علم.
الجديد خليط من الفرص والأزمات: الظروف الجديدة بما تحتوي عليه من أزمات وفرص ومتطلبات، تشتت الوعي فينقسم على نفسه حائرا بين القديم والجديد، والظاهر والباطن، والحقيقة والمجاز، والنظام والحرية… وكل مظهر من مظاهر الوجود هذه، يجذبه نحوه، ليستحوذ عليه، وفي ذلك ابتلاء عظيم له. وكثيرا ما تخل هذه المتباينات بتوازنه الداخلي، فيميل عن سواء السبيل، ويفتتن بجزء من الحقيقة على حساب إبصار الحقائق الأخرى، وهذا ما يعاني منه معظم الناس اليوم.
نحن مطالبون بالمحافظة على كل الأصول التي تبقي على الواحد منا عبدا لله تعالى قائما بأمره، ومبتغيا لمرضاته، لكن علينا ألا نغفل عما يتطلبه التوافق مع حركة التاريخ من الفاعلية والتفوق النوعي، والنجاح في مشروعاتنا، وتحسين مستوى إنتاجنا، والفهم العميق للتحديات المحيطة بنا… وحين نزاوج بين أصول التدين الحق، وفعاليات المعاصرة، فإننا نؤهل أنفسنا للسيطرة على (الحداثة) التي تسعى بطبيعتها إلى جعلنا ننعتق من كل قيد، ونضرب في متاهات الجديد بعيدا عن جذورنا الثقافية.
التنوع في إطار الوحدة: الإسلام بما هو بنية حضارية، يوضح لنا معالم الوحدة، ويحثنا على التمسك بها بصرامة، كما يحثنا على مقاومة كل ما ينال منها، لكنه في الوقت نفسه ترك لنا في شؤون الحياة مساحات واسعة من الفراغ التشريعي والتنظيمي، حتى نستخدم في ملئها عقولنا وخبراتنا، مما يعني في نهاية المطاف إطلاق العنان للرأي والاختلاف والإبداع، وإغناء الحياة بكل ما يمكن أن يجعلها مرضية لشتى الأذواق ومحققة لكل المصالح وملائمة لكل الحالات الخاصة.
وهذه المنهجية في رسم حدود التوحد والاختلاف، هي التي مكنت أمة الإسلام من أن تؤسس (إمبراطورية) ضخمة، تعجز عنها الدول العظمى اليوم، وهي التي أوجدت حضارة مشتركة بين المسلمين في الأرض مهما كانت الظروف التي يعيشون فيها، ومهما كانت القوميات والجنسيات التي ينتسبون إليها.
توجيه التطور: إن أحد مقاييس التحضر المهمة اليوم يكمن في مدى سيطرة الناس على بيئاتهم الاجتماعية والطبيعية، ومدى قدرتهم على استيعاب سنة التغيير، والتلاؤم معها.
إنَّ التجربة الحضارية لكل الأمم العظيمة تدل على نحو لا لبس فيه، أن أهم عوامل رقيها ونجاحها، لا يكمن في أنها استطاعت أن تفعل ما يفعله الآخرون، وإنما في قدرتها على الانفتاح على الآخرين، ثم قدرتها على التحوير والتعديل فيما تقتنيه منهم بما يلائم خصوصيتها وظروفها وحاجاتها.
علينا أن نراقب تطور ثقافتنا، ولاسيما في ظل الاتصال العالمي الذي فاق كل تصور. ولا ينبغي أن يخدعنا في هذا الشأن أن عقيدة التوحيد التي يحملها المسلم بين جوانحه، ستضمن لثقافتنا حصانة من الانجراف والانحراف في التيار المادي العاتي الذي نعيشه اليوم. فالمدلولات العقدية والقيمية، قد يتم تجاوزها وتأويلها دون انتباه الوعي لذلك.
من الملاحظ اليوم أنَّ المفتونين بالحضارة الغربية لا يهتمون بصحة الأفكار، ولا بمدى انسجامها مع الأفكار والقيم الإسلامية التي تشكل صلب ثقافتنا – بمقدار اهتمامهم بفاعلية تلك الأفكار، وتأثيرها في تحسين الإنتاجية، مع أن الفكرة أو القيمة التي لا تجد لها أساسا في البنى العميقة للثقافة قد تتحول فاعليتها من وسيلة بناء إلى وسيلة هدم كما في النشاط الربوي مثلا.
يقف في المقابل لهذا كثير من طلاب العلم الشرعي، فهم يبحثون دائما في صحة الأفكار دون النظر إلى توظيفها وتفعيلها في خدمة الحياة الإسلامية. وهناك أعداد ضخمة من البحوث التي تحاول اكتشاف المنهج الرباني، أو حكم الله تعالى في شؤون الحياة، لكن ليس هناك سوى القليل من الدراسات التي تبحث في اكتشاف سبل توظيف ذلك المنهج، وجعله يهيمن على الحياة.
تطوير الثقافة: إذا ما أردنا أن نجدد في منظومتنا وأنساقنا الثقافية، فإن علينا أن نكتشف الأنماط والصيغ الثقافية التي تلبي متطلبات التدين الحق، وتساعد في الوقت نفسه على جعل الإنسان المسلم يعيش عصره بكفاءة وفاعلية، أي تلك التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة. وهذا لن يتم إلا من خلال فهم عميق لثوابت الإسلام ومراميه الحضارية، وفهم عميق لمتطلبات النجاح في الصراع العالمي المعاصر.
وختم بذكر أهم الملامح التي عدّها أساسية في ثقافتنا المعاصرة، وهي: مرجعية المنهج الرباني، التفوق نعمة وليس امتيازا، التفاوت مصدر تنوع ويمنح فرصة تحقيق مبدأ “نختلف لنأتلف”، الاحتفاء بالعدل، التشبع بمعاني السلم والألفة والمودة والتفاهم والمحاورة بالحسنى واحترام التعدد الثقافي، والتسامح والعفو والإيثار وحسن الجوار وصلة الأرحام، وكف الأذى، التداول والتبادل: تبادل الخبرات والتعاون، والنهوض المشترك بالمصالح العامة، الحس الإداري والتخطيط للمستقبل.
تاريخ النشر: ٩ نوفمبر ٢٠١٠ في ٠٩:١٧ م
آخر تحديث: منذ 9 ساعات



