الخوف في القرآن .. صوره واستخداماته
بصائر قرآنية
١٧ فبراير ٢٠١١
١٥ مشاهدة

الخوف في القرآن .. صوره واستخداماته

altإحصاء كلمة خوف ونظائرها و أشباهها، وما خالفها وضادها من مفردات في القرآن الكريم نتيجته مذهلة مدهشة من حيث الكم والعدد، هذا الحشد الهائل من البيان القرآني لموضوع الخوف الغاية منه خلاص الإنسان من آثاره و مترتباته على النفس البشرية، وعلى المجتمعات و الدول والأمم، ونكتفي في هذا السياق بمادة (خ و ف)؛ إذ اشتق القرآن الكريم من هذه المادة خوف 36 مشتقة، وردت في 124 آية.

فخالق النفس البشرية عالم بمكنونها ومكامن الشعور في أعماقها{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} . وبعد ذلك يعلم الجهر ويعلم السِّر و الأخفى {وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}

يعدّد القرآن الكريم مكامن الخوف و مصادره بدنيا الناس، وهو انفعال يحدث في النفس لتوقع مكروه أو أذى، وعلى ما قدمنا فالأطر القرآنية تستوعب وتحصر كلّ صور الخوف ولا تنسى ولا تستثني،هي لا تعدّد حالات الخوف بمفرداته وأعيانه، فحالاته من العدد والكثرة والتكرار ما لا يحصى، ولكنّ الخوف متماثل متشابه في أسبابه وانبعاثاته ونتائجه على الأفراد والمجتمعات، فالآيات القرآنية عناوينه العامة وأطره الحصرية، فلا خوف اعترى الإنسان أو اجتاح مجتمعاته، إلاَّ وله في الذِّكر الحكيم وصف و دواء وتخلص.
ويمكن إجمال عناوين الخوف في القرآن الكريم وتصنيفها، الخوف السلبي المذموم المنهي عنه، والخوف الإيجابي المأمور به الممدوح أهله، خوف من الله وبُشر صاحبه بالجنان{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وخوف من غير الله ومن دونه{فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ، خوف يميت الحياة ويشلها وهو خوف الدنيا، وخوف باعث للعطاء والبناء خوف الآخرة.

ولنمثل للخوف ببعض من الآيات:
*خوف من الله مأمور به {وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} وخوف من الله في مواقف تقرير مصير الأمة بصحبة موس عليه السلام {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا} , وخوف من الله في ظروف و أجواء جريمة قتل وتعدي بين ابني آدم
{إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} .

* الخوف من العدو، وهو الأغلب و الأكثر، ويكون أشد وأعظم إذا خالطه الجوع ونقص من الأموال و الأنفس والثَّمرات {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}  .

*الخوف من الهزيمة، و التصوير في سورة النساء للحالة في واقع مجتمع الدّعوة الناهض و مكوناتها المختلطة من أهل إيمان وصدق مع أصحاب نفاق وكذب، و كأنَّ الصورة متكرّرة معادة في كل المجتمعات و حالة كل الأنفس إلى آخر الزَّمان {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِه}  .

* الخوف من الحرب يعتري أهل النفاق وأهل المصلحة، يفضح عنهم سخائم النفوس ومواقف الخزي {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً}

*خوف الميل عن الحق و الإجحاف والظلم بالعمد، أو الخطأ في تقسيم الميراث وتوزيعه {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْما}

*خوف المتخاصمين عدم إقامة حدود الله في العلاقات الاجتماعية و الأسرية  {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ} ، ومنه الخوف من نشوز النساء{وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} ، وفي المقابل الخوف من نشوز الأزواج والإعراض عن الزوجات {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} .

*الشَّيطان يخوِّف الإنسان بأوليائه، ينزع تخويف الشَّيطان وتخويف من والاه من قلوب المؤمنين {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}

*خوف المحتضر على ضعاف اليتامى{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً}

*بعد أن يستوطن الوهن وتكون الرِّدة عن الدِّين، يستبدل الله بآخرين مجاهدين في سبيل الله لا يخافون لومه لائم {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم}

*قريش تأمن ولا تخاف ، رمز الأمن والأمان في التاريخ البشري {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}

*خوف اليوم الآخر وأهواله وأحواله ودواهيه الموصوفة {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} . }يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ{

*خوف من آيات الله الكونية الرعد والبرق والأنواء في البر و البحر {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}

*خوف سلطان فرعون وبطشه وعلوه، وفتنة ملئه وزبانيته للقلَّة المؤمنة المستضعفة {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ}

والسياق في المصحف يطول ليشمل كلّ حالات الخوف البشري و أسبابها، وتصوير ما يصاحبها من آثار بشقيها الإيجابي والسلبي، ويعالج ويربِّي ربُّنا الخالق  بالأمر وبالنَّهي، وبالتَّرغيب وبالتَّرهيب في الوقت ذاته، لما يصلح حال النَّاس، فينزع ويدفع، وينهى ويقاوم الخوف، ويأمر ويخلل ويملأ القلوب خشية لخالقهم عزّ وجل.

الوسوم:

تاريخ النشر: ١٧ فبراير ٢٠١١ في ٠١:٠٥ م

آخر تحديث: منذ 6 أيام