منذ أسبوعين
3 مشاهدة
0 تحميل

الأكاذيب الصهيونية - د. عبد الوهاب المسيري

كتاب «الأكاذيب الصهيونية: من بداية الاستيطان حتى انتفاضة الأقصى» للدكتور عبد الوهاب محمد المسيري يُعدّ من أهم الأعمال الفكرية النقدية التي تتصدى للأسس الذهنية والسرديات المؤسسة للمشروع الصهيوني، لا من زاوية الحدث السياسي العابر، بل من زاوية تفكيك البنية الفكرية والتاريخية التي قامت عليها الصهيونية، وكشف منظومة الأكاذيب التي جرى تسويقها بوصفها “حقائق” في الوعي الغربي والعالمي، ثم فُرضت بالقوة على الواقع الفلسطيني والعربي. ينطلق الكتاب من فكرة محورية مفادها أن الصهيونية لم تنجح عسكريًا وسياسيًا فقط، بل نجحت – قبل ذلك – في بناء خطابٍ سرديٍّ متماسك، أعاد تعريف اليهود، والتاريخ، والأرض، والهوية، والحق، بطريقة تخدم مشروع الاستيطان الإحلالي. ومن هنا لا يكتفي المسيري بنقد السياسات الصهيونية، بل يتجه إلى نقد المفاهيم: مفهوم “الشعب اليهودي”، و“التاريخ اليهودي الواحد”، و“العودة إلى أرض الميعاد”، و“الاستثناء الأخلاقي”، وغيرها من الركائز التي شكّلت العقل الصهيوني. في مقدمة الكتاب يوضح المؤلف أن استخدام مصطلحات مثل “اليهود” و“التاريخ اليهودي” و“الهوية اليهودية” يتم غالبًا بطريقة تبسيطية تُخفي خلفها واقعًا بالغ التعقيد، إذ يجري تصوير اليهود ككتلة واحدة متجانسة، لها تاريخ واحد ومصير واحد، بينما تكشف الدراسة التاريخية والاجتماعية أن اليهود – عبر العصور – كانوا جماعات متباينة، متعددة اللغات والثقافات والأوطان، ولم يشكّلوا يومًا “شعبًا” بالمعنى القومي الحديث. ويؤكد المسيري أن هذه الأكذوبة المركزية كانت المدخل الأساسي لتبرير الاستيطان واغتصاب الأرض. يتناول الكتاب في فصوله الأولى مسألة اليهودية بوصفها دينًا مقابل الصهيونية بوصفها أيديولوجيا سياسية حديثة، موضحًا كيف جرى الخلط المتعمد بين المفهومين، بحيث يُقدَّم أي نقد للصهيونية على أنه عداء لليهود كيهود. ويفكك المؤلف هذه المغالطة، مبرزًا أن الصهيونية حركة علمانية استعمارية في جوهرها، نشأت في السياق الأوروبي الحديث، واستعارت من القوميات الغربية مفاهيمها وأدواتها، ثم أسقطتها قسرًا على جماعات يهودية لا يجمعها تاريخ قومي واحد. كما يتوقف الكتاب عند أسطورة التاريخ اليهودي المتصل، فيبيّن أن الحديث عن “تاريخ يهودي واحد” منذ آلاف السنين هو بناء أيديولوجي انتقائي، يجمع شذرات تاريخية متفرقة ويعيد ترتيبها لخدمة مشروع سياسي معاصر. ويعرض المؤلف نماذج متعددة لاختلاف أنماط حياة اليهود عبر العصور والأقاليم، مؤكدًا أن العامل المشترك بينهم لم يكن قوميًّا أو سياسيًّا، بل دينيًّا في أحسن الأحوال، وأن هذا العامل نفسه تراجع كثيرًا مع الحداثة. وفي سياق آخر، يناقش المسيري أكذوبة “الاستثناء الأخلاقي” التي تمنح الصهيونية لنفسها حق ممارسة العنف والاستيطان بوصفه “دفاعًا عن النفس” أو “تعويضًا تاريخيًا”، في حين يُجرَّد الفلسطيني من إنسانيته ويُقدَّم بوصفه عقبة أو فراغًا بشريًا. ويُظهر الكتاب كيف أسهم هذا الخطاب في تبرير سياسات الاقتلاع والتهجير والمجازر، وفي تسويقها عالميًا باعتبارها ضرورة تاريخية. ويكتسب الكتاب أهمية إضافية من كونه ينتهي زمنيًا عند انتفاضة الأقصى، التي يراها المؤلف لحظة كاشفة لانهيار كثير من الأكاذيب الصهيونية، إذ اصطدمت السردية الصهيونية بواقع مقاومة شعبية أعادت الاعتبار للإنسان الفلسطيني، وفضحت زيف ادعاءات “السلام” و“التعايش” في ظل الاحتلال. فالانتفاضة، في هذا السياق، ليست مجرد حدث سياسي، بل لحظة معرفية تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الحق، والعدالة، والشرعية.

📚

تفاصيل الكتاب

حجم الملف:0 KB