القضاء في الإسلام - د. محمد أبو فارس
كتاب «القضاء في الإسلام» للدكتور محمد عبد القادر أبو فارس يُعَدّ من المؤلفات الفقهية المتخصصة التي تسعى إلى تقديم تصورٍ متكامل عن نظام القضاء في الشريعة الإسلامية، من حيث نشأته، ومشروعيته، وأهدافه، وآلياته، وضوابطه، بعيدًا عن النظرة التجزيئية أو الاختزال الإجرائي. فالكتاب لا يتعامل مع القضاء بوصفه بابًا فقهيًا تقنيًا فحسب، بل بوصفه ركنًا أساسيًا في إقامة العدل، وحفظ الحقوق، وصيانة المجتمع من الفوضى والظلم. يبدأ المؤلف بمقدمةٍ تأصيلية تُبرز حاجة الإنسان الفطرية إلى القضاء، باعتباره ضرورة اجتماعية لا تستقيم حياة الناس بدونها، إذ لا يخلو مجتمع من تنازع المصالح، واختلاف الحقوق، وتعارض المطالب. ومن هنا يقرر أن القضاء ليس ترفًا تنظيميًا، بل هو وظيفة شرعية وإنسانية، تضطلع بها الأمة لضمان العدل، ومنع تغوّل القوي على الضعيف، وردّ الحقوق إلى أصحابها وفق ميزان منضبط. ويؤكد المؤلف أن الشريعة الإسلامية، بما تحمله من شمول واتساق، قد أولت القضاء عناية خاصة، فجعلته مرتبطًا بالعقيدة، والأخلاق، والنظام العام، لا مجرد أداة للفصل بين الخصومات. ينتقل الكتاب في فصوله الأولى إلى تعريف القضاء لغةً واصطلاحًا، مبيّنًا دلالاته في النص القرآني والسنة النبوية، ومُبرزًا أن القضاء في الاصطلاح الشرعي يعني الإلزام بحكمٍ شرعي على وجه يُنهي النزاع. كما يوضح الفرق بين القضاء والإفتاء، والحِسبة، والولاية، مؤكدًا أن القضاء يتميز بالإلزام والتنفيذ، لا بمجرد البيان أو النصح. وهذا التمييز المنهجي يمنح القارئ تصورًا دقيقًا لموقع القضاء داخل البنية العامة للنظام الإسلامي. ويعالج الكتاب بعد ذلك مشروعية القضاء، مستدلًا عليها من القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، مع عرضٍ دقيق للنصوص التي تؤكد وجوب الحكم بما أنزل الله، وتحريم الحكم بالهوى، واعتبار العدل قيمة مركزية في رسالة الإسلام. ويُبرز المؤلف أن القضاء ليس مجرد وسيلة لحسم النزاع، بل هو عبادة ومسؤولية كبرى، يُسأل عنها القاضي أمام الله قبل أن يُسأل عنها أمام الناس. ومن المحاور المهمة في الكتاب الحديث عن شروط القاضي وصفاته، حيث يفصّل المؤلف في الصفات العلمية، والأخلاقية، والنفسية التي ينبغي أن يتحلى بها القاضي، مثل: العلم، والعدالة، والنزاهة، وقوة الفهم، وسلامة القصد. كما يتناول مسألة ولاية القضاء، وطرق تعيين القضاة، وحدود صلاحياتهم، مبرزًا أن استقلال القضاء في الإسلام ليس شعارًا نظريًا، بل مبدأ أصيل يهدف إلى حماية العدالة من تدخل السلطان أو ضغط المجتمع. ويتوسع الكتاب في عرض إجراءات القضاء وأحوال القاضي، فيتناول مجلس القضاء، وآداب القاضي، وكيفية نظر الدعوى، وسماع الخصوم، وترتيبهم في المجلس، والتسوية بينهم في النظر والحديث، وكل ذلك بما يضمن نزاهة الحكم وطمأنينة المتقاضين. كما يناقش المؤلف موضوع الحكم القضائي، وشروط صحته، وأنواعه، ومتى ينقض الحكم أو ينفذ، مع إظهار دقة الفقه الإسلامي في معالجة هذه القضايا بما يحقق التوازن بين الحزم والعدل. ويخصص الكتاب فصولًا لمعالجة قضايا إجرائية دقيقة، مثل: البيّنات، والشهادة، والإقرار، واليمين، والنكول، والدعوى والجواب، ويعرض آراء الفقهاء فيها، مقرونةً بالتعليل والمقاصد، دون إغراق في الخلاف أو تشويش على القارئ. كما يتناول مسألة استئناف الأحكام، وحدود الاجتهاد القضائي، والفروق بين القضاء والحكم التحكيمي. ويختتم المؤلف كتابه بالتأكيد على البعد الحضاري للقضاء في الإسلام، موضحًا أن عدالة القضاء كانت من أبرز أسباب انتشار الإسلام، وثقة الناس بحكمه، وأن أي خلل في القضاء ينعكس مباشرة على أمن المجتمع واستقراره. ومن هنا يظهر الكتاب بوصفه مرجعًا علميًا يجمع بين التأصيل الشرعي، والوضوح المنهجي، والوعي بوظيفة القضاء في بناء الدولة والمجتمع.
