غزة تختنق بين الجوع والقصف.. ماذا فعلنا؟!
خواطر تربوية
١٩ يوليو ٢٠٢٥
٣٧ مشاهدة

غزة تختنق بين الجوع والقصف.. ماذا فعلنا؟!

الرسالة التي أوصلها أبو عبيدة في خطابه يوم أمس كانت قاسية وصادمة على الجميع، وعكست حجم المأساة التي وصل إليها أهل غزة. لقد اعتدنا أن يظهر أبو عبيدة متحدثًا عن الإنجازات العسكرية، مانحًا الأمة دفعة معنوية قوية، بينما أبطال القسام يلقّنون الاحتلال دروسًا لن ينساها، لا هو ولا من يسانده. ومع ذلك، فقد كان ظهوره أمس مختلفًا؛ حيث تغيّرت طبيعة الخطاب، وتحوّل حديثه إلى وصف حال أهل غزة، الذي انعكس بوضوح على جسده الهزيل، فقد نال منه ما نالهم من جوع ومعاناة وشدة. خطاب أبي عبيدة جاء بعد صيحات استغاثة متكرّرة أطلقها أهل غزة، وتلك الصرخات التي انبعثت من أعماقهم، وترددت معها أصوات منظمات حقوقية، وكل من لا يزال يحمل في قلبه ذرة من إنسانية في هذا العالم الظالم.
ظهر أبو عبيدة هذه المرة ليُترجم بجسده جوع غزة، ويهز ضمير الأمة من سباته
ولكي نُدرك حجم الكارثة، يكفي أن نلقي نظرة على هذه الأرقام:
  • بحسب منظمة الصحة العالمية، يمرّ حوالي 500,000 شخص (أي نحو 25% من سكان القطاع) بحالة انعدام غذائي كارثي تُصنّف ضمن المرحلة الخامسة (وهي الأخطر)، بينما يواجه نحو 1.2 مليون شخص (54% من سكان القطاع) حالة طوارئ غذائية تصنّف ضمن المرحلة الرابعة.
  • 96% من السكان يعانون من انعدام أمن غذائي حاد، وتقول المنظمة: "الناس يموتون بينما المساعدات على بُعد دقائق عبر الحدود"!
  • منذ 27 أيار/مايو، استُشهد 851 فلسطينيًا، وأصيب أكثر من 5,600 مدني أثناء محاولتهم الوصول إلى نقاط توزيع الغذاء.
  • تشير منظمة الغذاء العالمية إلى أن نحو 71,000 طفل و17,000 أمّ بحاجة عاجلة إلى علاج تغذوي، مع توقّع ارتفاع هذه الأعداد خلال أشهر الصيف.
  • بلغ عدد الأطفال الذين تُوفوا بسبب الجوع حتى نهاية شهر حزيران/يونيو الماضي 66 طفلًا.
وهذه الأرقام المرعبة لا تأتي وحدها، بل يُضاف إليها القصف المتواصل، والعدوان الصهيوني الهمجي على أهلنا في غزة، حيث استُشهد أكثر من 58,000 فلسطيني، منهم قرابة 8,000 شهيد منذ شهر مايو الماضي فقط، أي ما يعادل 14% من مجموع الشهداء! وما يزيد الكارثة ألمًا أن أهل غزة اليوم يعيشون في خيام بلا مأوى، ولا طعام، ولا ماء، ولا مراكز صحية، ولا مستشفيات، ولا نقاط إيواء، فكل شيء تقريبًا قد تم تدميره، حتى الأساسيات التي تضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة. ومع ذلك كله، فإن أهل غزة لا يزالون صامدين، ثابتين، رافعين راية العز، ولكن إلى متى؟! إلى متى سيظلون محاصَرين بلا عون حقيقي؟ بلا سند يثبتهم في وجه هذه العنجهية الصهيونية التي تُمارَس على مرأى ومسمع العالم كله دون أن يرف له جفن؟! قد يُقبل هذا الصمت من أهل الكفر، لأنهم لا يشتركون معنا في دين أو لغة أو تاريخ، لكنّ الصدمة الأعظم تأتي حين نراها من أهل الإسلام أنفسهم، الذين لا يكتفون بالصمت، بل يحاربون من يجمع تبرعًا للجائعين، أو يمنعون عنهم الطعام والشراب، وكأنهم نسوا النصوص الشرعية التي نتعبّد الله بها، والأحاديث النبوية التي نقرؤها ونحفظها:
  • قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرٗا﴾ .
  • وقال تعالى: ﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٞ فِي يَوْمٖ ذِي مَسْغَبَةٖ﴾ .
  • وقال النبي ﷺ: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" (متفق عليه).
  • وقال ﷺ: "أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكّوا العاني" (رواه البخاري).
  • وقال ﷺ: "أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله" (رواه أحمد).
وبناء على هذه النصوص، أفتى كبار العلماء بأن إغاثة الجوعى من الواجبات الشرعية العظمى، بل إن من يمنع الطعام والشراب عن المحتاج المضطر قد يُعدّ قاتلًا عمدًا!
  • قال ابن نجيم الحنفي: "يُجبر الغني على إطعام الجائع المضطر، فإن أبى أُخذ منه قهرًا" (البحر الرائق).
  • وقال القرطبي: "إذا اضطر الإنسان إلى طعام إنسان، ولم يجد غيره، وجب عليه أن يطعمه، فإن امتنع أُخذ منه قهرًا، وإن مات الجائع كان الممتنع قاتلًا عمدًا" (تفسير القرطبي).
  • وقال ابن رشد: "إذا أصابت الناس مجاعة، وجب على أهل الغنى إطعام الفقراء، ولا يُعذر أحد في ترك ذلك" (البيان والتحصيل).
  • وقال الغزالي: "لو لم يبقَ في البلد إلا واحد معه طعام فاض، وجماعة يتضورون جوعًا، وجب عليه أن يطعمهم، فإن منعهم كان قاتلًا" (إحياء علوم الدين).
  • وقال ابن مفلح: "من اضطر إلى طعام في يد غيره وأشرف على الهلاك، فله أخذه قهرًا، بل يجب على صاحب الطعام بذله" (الآداب الشرعية).
  • وقال ابن حزم: "من اضطر إلى طعام إنسان فلم يُطعمه حتى مات، فهو قاتل عمد، يُقاد منه" (المحلى).
  • وقال ابن تيمية: "إغاثة الملهوف الجائع مقدمة على كل أمر" (مجموع الفتاوى).
  • وقال الشيخ مصطفى الزرقا: "كل مال فاض عن حاجة مالكه الأصلية، وكان في الناس مضطرون، وجب بذله شرعًا، وإلا كان آثمًا" (المدخل الفقهي العام).
وما يزيد القلب حسرة أن التضامن من بعض أهل الغرب بات في مواقف كثيرة أقوى من بعض أهل الإسلام، وكأننا نسينا أن أهل غزة يصدّون الهجمة عنا، وأن الدور التالي قد يكون نحن، فأعداء الأمّة لا يتورّعون عن قصف بيروت وصنعاء ودمشق، ولا ندري من التالي! أيها الإنسان... أخاطب فيك ما تبقّى من إنسانيتك، مؤمنًا كنت أم غير ذلك... كيف تقبل أن ترى أطفالًا ونساء يموتون من الجوع، ثم تسكت؟! كيف تقرّ عيناك، وأنت ترى الموت يزحف على الشاشات؟! كيف تسمح لأصوات الخيانة والعمالة أن تسلب منك شعورك، وتبرّر لك صمتك؟! كيف تنام وتأكل وتشبع، بينما أهل غزة يتضوّرون جوعًا، يقتاتون على ورق الشجر، وطعام الحيوانات، والغذاء الفاسد – إن وُجد؟! هذه ليست مرحلة نُختبر فيها على مستوى "التعاطف مع القضية الفلسطينية"، بل مرحلة نُختبر فيها على مستوى "إنسانيتنا" بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
هذه ليست مرحلة تختبر فيها تضامنك مع القضية الفلسطينية، هذه مرحلة تختبر فيها إنسانيتك
فإن كنت تتساءل: "ماذا أفعل؟"، فإليك سبع وسائل عاجلة: 1- تبرّع الآن... ولا تخن أمانتك: ابذل من مالك ما تستطيع عبر الجهات الإغاثية الموثوقة، وتحرَّ الدقة فيما تعطيه، فإن المال أمانة، والروح التي تُنقذ بها ستُسأل عنها. 2- كن صوتًا للحق في زمن التواطؤ: انشر مأساة الجوعى في غزة في محيطك، على منصاتك، في محادثاتك، وفي كل لغة تتقنها. لا تستهِن بكلمة أو منشور، فقد توقظ قلبًا نائمًا أو تُحرّك ضميرًا ساكنًا. 3- شارك في الفعاليات... وكن جزءًا من الضغط الشعبي: انزل إلى الساحات، وشارك في الوقفات والمسيرات، فاستخدام الصوت أضعف الإيمان. 4- اصنع من بيتك منبرًا للرحمة: قلّل من الكماليات، ودرّب أولادك على التقشّف، وتذكّر أن أطفالًا يموتون لأننا ننشغل بالتزيّن لا بالإنقاذ. 5- كن عينًا وأذنًا ويدًا لنقل الحقيقة: شارك الصور والأخبار الموثقة، وساهم في فضح الجريمة أمام العالم.
لا تقيّد نفسك بفعل واحد... فالميدان واسع، والاحتياج أوسع، وكل يد تمتد تنقذ روحًا، وتشهد لك لا عليك
6- ادعُ لهم بقلب حاضر ودمعة صادقة: إن عجزت عن المال أو الخروج، فالدعاء لا يُغلق بابه، علّ الله أن يجعل دعاءك سهمًا في صدر العدو. 7- نوّع نصرتك ولا تكتفِ بجانبٍ واحد: التبرع، والنشر، والدعاء، والتعليم، والضغط... كلها سبل للثبات والنصرة، فلا تحصر نفسك بواحدة منها. اللهم كن لإخواننا في غزة عونًا ونصيرًا، وكن لهم سندًا وظهيرًا، واجعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، وقهِم شرّ عدوهم ومن معه وانصرهم عليهم يا مجيب الدعاء.

تاريخ النشر: ١٩ يوليو ٢٠٢٥ في ٠١:٠١ م

آخر تحديث: منذ 4 ساعات