فدائيات فلسطين: نساء صنعن المجد بالدم (1-2)

فدائيات فلسطين: نساء صنعن المجد بالدم (1-2)

"إن دور المرأة الفلسطينية لم يعد مُقتصرًا على بكاء الزوج والأخ والأب، بل إننا سنتحوّل بأجسادنا إلى قنابل بشرية تنتشر هنا وهناك لتدمّر وهم الأمن للشعب "الإسرائيلي"." الاستشهادية "دارين أبو عيشة". من المعروف أن الله تعالى قد وضع فريضة الجهاد عن المسلمات، وجعله لرجال المسلمين، وإن خرجت المرأة في معركة فيكون دورها قاصرًا على إعداد الدعم اللوجستي من طعام ودواء للجنود، إلا أنه إذا حمي الوطيس وتبجّح العدو وأعلنها حربًا على الدين يستأصل فيها شأفته ويستبيح بيضته، فهنا وجب النفير العام على الجميع بلا استثناء، ووجب على كل فرد أن يفعل ما في وسعه ليدحر العدو ويكسر شوكته ويُرغم أنفه ويحفظ بيضة الدين. جاء في "زبدة الأحكام" للسبحاني: "لو غشي بلاد المسلمين أو ثغورها عدو يُخشى منه على بيضة الإسلام وكيانه، وجب على المسلمين الدفاع بأية وسيلة ممكنة من بذل المال والنفس، ولا يُشترط فيه إذن الإمام أو نائبه".

توطئة

لقد أخرجت فلسطين أيقونات جهادية لم يسمع عنها الزمان إلا في صدر الإسلام وجيل الصحابة والتابعين. إن هؤلاء النسوة الفلسطينيات ضربن أروع الأمثلة في الجهاد وذكرونا بما فعلته السيدة سمية، والسيدة نسيبة بنت كعب، والسيدة صفية رضي الله عنهن جميعًا. إن من بين أعلام المناضلات الفلسطينيات: السيدة "أم نضال فرحات"، الشهيرة بخنساء فلسطين، (داعية، ومربية، ومقاومة، وسياسية فلسطينية، ونائبة في المجلس التشريعي عن كتلة التغيير والإصلاح، وقيادية بحركة حماس). قدمت (السيدة أم نضال) ثلاثة من أبنائها شهداء في فلسطين، وآوت (الشهيد عماد عقل)، وكان منزلها منطلق عملياته الفدائية، واغتيل في منزلها بعد اشتباك مسلح مع جنود الاحتلال. ومن بين أعلام المناضلات: السيدة (أم رضوان الشيخ خليل)، التي قدمت خمسة من أبنائها شهداء، ارتقى منهم الواحد تلو الآخر، وهي تشهد على أعراس شهادتهم. ومن بين أعلام المناضلات: السيدة "أم أحمد العابد"، الخنساء التي ودعت ثلاثة شهداء من أبنائها، ومن أبرز ما قالت في وداع أبنائها: "الشباب بتتعوض، بس الأقصى ما بيتعوض". والقائمة في هذا الجانب النضالي والبطولي طويلة لا يمكن حصرها.
لقد أخرجت فلسطين أيقونات جهادية لم يسمع عنها الزمان إلا في صدر الإسلام

أولًا: في الجهاد الفلسطيني "النساء شقائق الرجال"

فجر يوم الأحد 21/3/2004م اجتاحت قوات الاحتلال الصهيوني "بلدة عبسان" شرقي "محافظة خانيونس"، وحاصرت منزل القائد القسامي المجاهد "باسم قديح"، وطلبت منه أن يُسلِّم نفسه، إلا أنه أبى ذلك هو وزوجته "سناء عبد الهادي قديح 33 عامًا"، بل أصرا على الاشتباك حتى الاستشهاد سويًا. تمكن مجاهدنا وزوجته خلال التصدي من تفجير عبوة ناسفة في دبابة صهيونية، وأربع عبوات انشطارية ضد الجنود الصهاينة، مما ألحق بالقوات الصهيونية خسائر في المعدات والأرواح. وبعدها قاما بتفجير نفسيهما بحزام ناسف بين صفوف الصهاينة الذين اقتحموا البيت، موقعين فيهم الجرحى والقتلى بعد أن تعاهدا على الصمود حتى الشهادة.

ثانيًا: نماذج لبعض المناضلات والاستشهاديات الفلسطينيات في القرن العشرين

إن أعداد المجاهدات الفلسطينيات اللائي أرغمن أنف المحتل الصهيوني كبيرة، لذلك سنذكر هنا بعض النماذج منها على سبيل المثال لا الحصر: 1- المناضلة ميمنة القسّام (مواليد 1911م) هي ابنة (الشهيد عز الدين القسام)، ولدت في عشرينيات القرن الماضي، وهي مناضلة، ومعلمة، وخطيبة مُفوّهة. شاركت في العمل الوطني، وألقت خطبة شهيرة في "جامع الاستقلال"، كما قامت بالنزول إلى الشارع والتحريض على الإضراب بإغلاق المحلات التجارية، ثم عملت في النشاط النسائي من خلال الجمعية الخيرية النسائية في مدينة طولكرم. ألقت المناضلة ميمنة القسّام كلمة الوفد الفلسطيني في مؤتمر النساء الشرقيات للدفاع عن فلسطين عام 1938م في القاهرة، وقد أثنت في الكلمة على أبيها الشهيد البطل "عز الدين القسام" فقالت: "الحمد لله الذي شرّفني باستشهاد أبي، وأعزني بموته ولم يذلّني بهوان وطني واستسلام أمتي". هاجرت بعد النكبة هي وزوجها من مدينة حيفا إلى الأردن، وبقيت هناك إلى أن توفيت عام 2004م عن عمر ناهز الـ85 عامًا. 2- الفدائية المناضلة زكية شموط (مواليد يناير 1945م) هي من أوائل الفدائيات التي نفذت عمليات ضد الاحتلال، وهي أول فلسطينية تنجب مولودتها داخل السجون الإسرائيلية. التحقت "زكية شموط" بالعمل الفدائي عام 1968م، وبلغ عدد العمليات الفدائية التي نفذتها 7 عمليات. تم اعتقالها هي وزوجها في أوائل السبعينيات وهي حامل في شهرها الخامس، وحُكم عليها بالسجن 12 مؤبدًا، بينما حُكم على زوجها بالسجن مدى الحياة، وفي عام 1983م أُطلق سراحها وتم إبعادها إلى الجزائر، وتوفيت هناك. 3- الشهيدة والمناضلة شادية أبو غزالة (مواليد 1949م) هي أول شهيدة فلسطينية بعد النكسة. استشهدت في نابلس خلال التحضير لعملية مسلحة. التحقت سنة 1966 بجامعة عين شمس في القاهرة، درست سنة واحدة في جامعة عين شمس ثم عادت إلى فلسطين، وعندما سُئلت عن سبب قطع الدراسة في القاهرة، قالت: "لا فائدة للشهادة الجامعية إن لم يكن هناك جدارًا تُعلّقها عليه"، وبعد ذلك أكملت دراستها في جامعة النجاح الوطنية في نابلس. بعد حرب 1967 شاركت "شادية أبو غزالة" في العمل السري في تنظيم الأفراد وتأمين الاتصالات، وجمع التبرعات، وإخفاء السلاح والمقاومين، وطباعة المنشورات، وشاركت في هجمات مسلحة. استُشهدت شادية في شهر نوفمبر عام 1968، حيث انفجرت فيها قنبلة كانت قد أعدتها للقيام بعملية فدائية ضد قوات الاحتلال. 4- الشهيدة دلال المغربي (مواليد 1958م) هي من أشهر المناضلات الفلسطينيات، قررت الانضمام إلى صفوف الثورة الفلسطينية والعمل في صفوفها، فتم تدريبها واختيارها رئيسة للمجموعة التي ستنفذ عملية فدائية في الداخل المحتل مكونة من عشرة فدائيين، وقد عُرفت العملية بعملية "كمال عدوان"، والفرقة باسم "دير ياسين"، وكانت العملية في 14 مارس 1978م. نجحت دلال وفرقتها في الوصول نحو "تل أبيب"، والاستيلاء على حافلة إسرائيلية بجميع ركابها الجنود، وقد أدت هذه العملية إلى مقتل 36 صهيونيًا، بالإضافة إلى العديد من الجرحى. وعلى ضوء الخسائر الفادحة، قامت حكومة الاحتلال بتكليف فرقة خاصة من الجيش يقودها "إيهود باراك" بإيقاف الحافلة وقتل واعتقال ركابها، الأمر الذي دفع "دلال المغربي" إلى القيام بتفجير الحافلة وركابها، مما أسفر عن قتل الجنود الإسرائيليين، وما إن فرغت الذخيرة، أمر "باراك" بحصد جميع الفدائيين بالرشاشات، فاستشهدوا جميعًا. 5- المناضلة فاطمة برناوي (مواليد 1939م) فاطمة محمد علي برناوي، مناضلة فلسطينية من أصل إفريقي، شاركت في المقاومة الفلسطينية في منتصف الستينيات. وهي من أوائل الفلسطينيات اللواتي خضن العمل الفدائي المسلح، وهي أيضًا أول أسيرة تُسجَّل رسميًا في تاريخ فلسطين. تعرف "فاطمة" بأنها أول امرأة فلسطينية نظّمت عملية فدائية في إسرائيل، وهي محاولة تفجير سينما في أكتوبر 1967، وقد نفذتها مع شقيقتها التي تصغرها بنحو 5 أعوام، وهي أول معتقلة فلسطينية في السجون الإسرائيلية. توفيت برناوي في 3 نوفمبر 2022، في مستشفى فلسطين التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في القاهرة، ودُفنت في غزة. 6- الفدائية أمينة دحبور (مواليد 1947م) إحدى المناضلات الفلسطينيات اللواتي التحقن بصفوف المقاومة الفلسطينية مبكرًا. وكانت تُدرّب الفتيات على حمل السلاح وصناعة القنابل اليدوية. سُمِّيت بـ"الفدائية الأولى" لمشاركتها في إحدى العمليات الخارجية للجبهة مع ثلاث فدائيين آخرين، حيث قاموا باختطاف طائرة «أل-عال» الإسرائيلية من مطار زيورخ في سويسرا عام 1969م، التي كانت قادمة من أمستردام ومتوجهة إلى تل أبيب. كان الهدف من العملية هو طرح القضية الفلسطينية بشكل عالمي. وأيضًا لوجود معلومات أن هذه الطائرات تحمل أسلحة لإسرائيل، أي أنها طائرة عسكرية تحمل اسمًا مدنيًا. تم تنفيذ العملية بضرب مقدمة الطائرة، ولم تقم "أمينة دحبور" ورفقاؤها بالهرب بعد العملية، للتأكيد على أن هدفهم هو إعلام العالم بالقضية الفلسطينية. حكم القضاء السويسري على "أمينة دحبور" ورفيقيها بالسجن اثني عشر عامًا مع أشغال شاقة، كما بقيت سنتين في السجن الانفرادي، وتم الإفراج عنها بعد ذلك في عملية تبادل أسرى. 7- المناضلة دعاء الجيوسي (21 عامًا) اعتُقلت وهي في عمر 21 عامًا، وتم الحكم عليها بالسجن ثلاثة مؤبدات، إضافة إلى ثلاثين عامًا، وهو أعلى حكم تُحاكم به أسيرة فلسطينية، وكانت تهمتها هي نقل أحد الاستشهاديين إلى القدس المحتلة، ودخول المدينة بدون تصريح. 8- المناضلة عبلة طه هي من أوائل المناضلات اللائي حملن السلاح وشاركن الفدائيين في عمليّاتهم، وهي شقيقة الشهيد "علي طه" القائد العسكري لـ"حركة فتح". وأول من نقلت السلاح من الخارج للوطن. وأول امرأة متزوجة في الأسر. وأول فلسطينية تنجب طفلًا داخل الأسر. وأول امرأة شاركت في خطف طائرة للكيان الصهيوني. حكم الاحتلال على "عبلة طه" بالسجن أربع سنوات بتهمة محاولة تهريب متفجرات من عمّان إلى القدس. أثناء اعتقالها تم الاعتداء عليها بالركلات على يد مومسات صهيونيات وهي حامل في شهرها الثاني، وعندما بدأت تنزف لم يستدعوا طبيبًا ليسعفها، بل أخذ المحققون يساومونها لأجل أن تعترف مقابل إحضار طبيب، وتركوها حتى أجهضت. 9- المناضلة سهيلة أندروس (مواليد عام 1953م) شاركت عام 1977 في عملية خطف الطائرة الألمانية «لاندس هوت» المتوجهة من مطار مايوركا إلى فرنكفورت. كان مقدّرًا للطائرة المختطفة أن تهبط في مطار عدن، لكن الخاطفين قاموا بإعدام الطيار لتسريبه معلومات عنهم إلى جهات رسمية، فانحرفت الطائرة عن مسارها، ما أدى إلى نزولها في مطار عنتيبي بالصومال. تم اقتحام الطائرة، وقُتل رفاق "سهيلة" الثلاثة، وأُصيبت سهيلة بعشر طلقات، وحكم عليها في الصومال بالسجن 20 سنة، ولكن أُطلق سراحها لأسباب صحية. تم اعتقالها مرة أخرى في "أوسلو"، وترحيلها إلى ألمانيا، حيث حُكم عليها بالسجن 12 سنة، وسُجنت حتى عام 1997 في ألمانيا، ثم سُمح لها بإكمال محكوميتها في سجن نرويجي لحملها الجنسية النرويجية، وأخيرًا أُطلق سراحها عام 1999، أي بعد 6 سنوات من السجن، وذلك لأسباب صحية. 10- المناضلة تريز هلسة (مواليد 1954م) هي مناضلة أردنية فلسطينية، وُلدت في "مدينة عكا" الفلسطينية، لعائلة من أصول أردنيّة مسيحية. قررت "هلسة" أن تنضم إلى الكفاح المسلح في صفوف "منظمة التحرير" الفلسطينية نتيجة لتأثرها بالعمليات الفدائية الفلسطينية ضد قوات الاحتلال. كانت واحدة من بين أربعة فدائيين شاركوا في اختطاف "طائرة سابينا البلجيكية" إلى "مطار اللد" في إسرائيل عام 1972م. كان الهدف من وراء هذه العملية هو مبادلة الرهائن بأسرى أردنيين وفلسطينيين، وأثناء الهجوم، قامت فرقة مختصة من القوات الإسرائيلية باقتحام الطائرة متخفين بهيئة الصليب الأحمر الدولي، وكان من بينهم "بنيامين نتنياهو" الذي باغتته "هلسة" وأصابته برصاصة في الكتف. قُدّمت "هلسة" للمحاكمة في إسرائيل، وحُكم عليها بالسجن المؤبد مرتين وأربعين عامًا، قضت منها 10 سنوات في السجن إلى أن انتهت بالنفي بعد الإفراج عنها بصفقة تبادل للأسرى عام 1983م. توفيت في 28 مارس 2020 في مدينة عمّان بعد صراع مع مرض سرطان الرئة. إن قائمة المناضلات والفدائيات الفلسطينيات لم تقتصر على ما ذُكر من أسماء، ولكن القائمة طويلة، بل أطول من أن يتم حصرها. للحديث بقية في الجزء الثاني من نفس الموضوع، إن شاء الله تعالى.

تاريخ النشر: ٣٠ يوليو ٢٠٢٥ في ١١:٤٤ ص

آخر تحديث: منذ ساعة

مختارات من بصائر من واقعنا

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة