فدائيات فلسطين: نساء صنعن المجد بالدم (2-2)

فدائيات فلسطين: نساء صنعن المجد بالدم (2-2)

"إن دور المرأة الفلسطينية لم يعد مُقتصرًا على بكاء الزوج والأخ والأب، بل إننا سنتحوّل بأجسادنا إلى قنابل بشرية تنتشر هنا وهناك لتدمّر وهم الأمن للشعب "الإسرائيلي"." — الاستشهادية "دارين أبو عيشة". من المعروف أن الله تعالى قد وضع فريضة الجهاد عن المسلمات وجعلها لرجال المسلمين، وإن خرجت المرأة في معركة فيكون دورها قاصرًا على إعداد الدعم اللوجستي من طعام ودواء للجنود، إلا أنه إذا حمي الوطيس وتبجّح العدو وأعلنها حربًا على الدين يستأصل فيها شأفته ويستبيح بيضته، فهنا وجب النفير العام على الجميع بلا استثناء، ووجب على كل فرد أن يفعل ما في وسعه ليدحر العدو ويكسر شوكته ويُرغم أنفه ويحفظ بيضة الدين. جاء في "زبدة الأحكام" للسبحاني: "لو غشي بلاد المسلمين أو ثغورها عدو يُخشى منه على بيضة الإسلام وكيانه وجب على المسلمين الدفاع بأية وسيلة ممكنة من بذل المال والنفس، ولا يُشترط فيه إذن الإمام أو نائبه". تحدثنا بفضل الله تعالى في الجزء الأول من هذا الموضوع عن: توطئة عن بعض أعلام المناضلات الفلسطينيات. أولًا: في الجهاد الفلسطيني "النساء شقائق الرجال". ثانيًا: نماذج لبعض المناضلات والاستشهاديات الفلسطينيات في القرن العشرين. وسنتحدث في هذا الجزء بإذن الله تعالى عن:

ثالثًا: نماذج لنساء وفتيات فلسطينيات قمن بعمليات استشهادية في أوائل القرن العشرين.

إن الاستشهاديات ما هن إلا قناديل تُنير درب المقاومة الفلسطينية، وتيجان تُوضع فوق هامات الأحرار، وأوسمة تُعلّق على صدر كل الشرفاء، ويكفي أنهن سجّلن أسمائهن بأحرف من نور ونار في سجل الخالدات. وقائمة النساء والفتيات الفلسطينيات اللائي قمن بعمليات استشهادية ضد الاحتلال الصهيوني طويلة، وكلهنّ ضربن أروع الأمثلة في البذل والتضحية، وأيُّ تضحيةٍ أغلى وأعز من التضحية بالنفس؟!
الاستشهاديات ما هنّ إلا قناديل تُنير درب المقاومة الفلسطينية، وتيجان تُوضع فوق هامات الأحرار
ومن بين الفتيات والنساء اللائي قمن بعمليات استشهادية في صفوف الاحتلال الصهيوني: 1- الاستشهادية وفاء إدريس (28 عامًا): فلسطينية عاشت في ظروف اجتماعية صعبة، وكانت الابنة الوحيدة لوالدتها. قالت لأسرتها: "الوضع صعب، وربما يُستشهد الإنسان في أية لحظة"، ثم ودّعت صديقاتها قائلة: "سأقوم بعمل يرفع رؤوسكن". نفّذت عمليتها في "شارع يافا" بالقدس المحتلة في 28/1/2002، فقتلت 4 صهاينة وجرحت نحو 100 آخرين. 2- الاستشهادية دارين أبو عيشة (22 عامًا): طالبة دراسات إسلامية بجامعة النجاح، من نابلس، نفّذت عمليتها على "حاجز مكابيم" بين القدس وتل أبيب في 27/2/2002، فأصابت عددًا من قوات الاحتلال. ذكرت شقيقتها أنها أقسمت على الانتقام بعد استشهاد شاب من قريتهم، وكتبت في وصيتها: "إن كل امرأة فلسطينية ستنجب جيشًا من الاستشهاديين، وإن حاول العدو وئدهم في بطون أمهاتهم على حواجز الموت...". 3- الاستشهادية آيات الأخرس (18 عامًا): من "مخيم الدهيشة"، فجّرت نفسها في متجر بالقدس المحتلة في 29/3/2002، فقتلت 12 صهيونيًا وجرحت العشرات. كانت على وشك الزواج في يوليو 2002، لكنها زُفّت شهيدة. احتُجز جثمانها 12 عامًا، ودفنت في 3/2/2014. 4- الاستشهادية عندليب طقاطقة (21 عامًا): ردًا على مجازر "عملية الدرع الواقي"، نفّذت عمليتها في سوق "محني يهودا" في 12/4/2002، فأصابت أكثر من 95 صهيونيًا، وكادت تقتل "إيهود أولمرت". قالت في وصيتها: "هذه الحياة فانية... وخير ما يبحث عنه الإنسان هو الحياة الكريمة في الجنة". 5- الاستشهادية هبة سعيد دراغمة (19 عامًا): من "طوباس"، نفّذت "عملية العفولة" في 19/5/2003 عند مجمع "هَعَمَكيم"، فقتلت 3 صهاينة وجرحت نحو 70. احتُجز جثمانها 9 سنوات، ثم سُلّم عام 2012. 6- الاستشهادية هنادي تيسير جرادات (28 عامًا): محامية من جنين، فجّرت نفسها في مطعم بحيفا في 4/10/2003، فقتلت 19 صهيونيًا. كانت تنتقم لمقتل شقيقها وابن عمها على يد الاحتلال. 7- الاستشهادية ريم الرياشي (22 عامًا): أم لطفلين، من غزة، فجّرت نفسها في "معبر إيرز" في 14/1/2004، فقتلت 4 جنود وجرحت 10. قال ضابط الاحتلال: "ادّعت وجود بلاتين في ساقها لتخدع الفحص الأمني". احتُجزت أشلاؤها حتى 2012، ثم دُفنت في غزة. فلسطين, المرأة الفلسطينية, الجهاد, المقاومة, فدائيات, استشهاديات, الاحتلال الصهيوني, الانتفاضة, حركة حماس, الأسرى من مخيم عسكر، نفّذت عمليتها في "التلة الفرنسية" في 22/9/2004، فقتلت جنديًا ومستوطِنًا، وجرحت 16 آخرين. وُجد رأسها بعد العملية مغطى بالحجاب! إن كل هذه النماذج وغيرها تُبيّن أن دور المرأة الفلسطينية لم يقتصر على البكاء والعويل، ولا على المساندة المعنوية فقط، حيث ساهمت المرأة الفلسطينية بشكل كبير على الصعيد السياسي والعسكري، وحملت السلاح، وانخرطت في صفوف المقاومة الفدائية والاستشهادية لتُثبت للعالم أجمع أن النساء الفلسطينيات شقائق الرجال في كل ما يقومون به، وأحيانًا تتفوق بعض النساء على ما يقوم به الرجال.
المرأة الفلسطينية هي الوحيدة من بين نساء العالم التي تحمل ابنها مرتين: تحمله جنينًا، ثم تحمله شهيدًا
أخيرًا أقول: إن المرأة الفلسطينية تمثّل رُعبًا كبيرًا، وشبحًا مخيفًا يقضّ نوم قادة وجنود الاحتلال الصهيوني، فهن مصانع الرجال، ولذلك يتعرضن لانتهاكات وتنكيل، تتمثل في المطاردة، والأسر، والتعذيب الوحشي دون مراعاة لقيم ولا لحقوق، حتى أن الأطفال، والطالبات، والفتيات، والنساء الحوامل لم يسلمن من ذلك كله. ورغم كل ألوان الانتهاكات وأنواع التعذيب، إلا أن المرأة الفلسطينية صامدة صمود الجبال الرواسي، فهي المرأة الوحيدة من بين نساء العالم التي تحمل ابنها مرتين: تحمله جنينًا في بطنها، ثم تحمله على كتفها شهيدًا. ولولا أننا قد أُمرنا بأن نقتدي بمن مات، لذكرنا نماذج لنساء ما زلن على قيد الحياة، ولكنهن سطّرن بأحرف من نور نماذج من النضال ما سمعنا عنها إلا في صدر الإسلام!!

تاريخ النشر: ٥ أغسطس ٢٠٢٥ في ١١:٤٩ ص

آخر تحديث: منذ 4 ساعات

مختارات من بصائر من واقعنا

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة