حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم

حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم

هذا المقال هو حديث من القلب للقلب، وليس مجرد طاقة وعظ أو منبر سرد للنصائح، لذا، أرجو أن تقرأه بعين قلبك وفؤادك وتترك العنان لإعمال مشاعرك في كل فقرة من فقراته؛ لأننا وبشكل جليّ جدًا – بل قل وقح لأبعد درجة - نعيش في زمن تسود علاقاته المصالح وتتوه فيه القيم الإنسانية، زمن انقلاب الموازين وتمييع المصطلحات وتشويه الفضائل، حتى صار كل تصرّف هو اختبار حقيقي للأخلاق والقيم والتربية، وبات النُبل والنزاهة من شيم الندرة الخيِّرة التي تشعر بالغربة، والتي حالما نلمحها نقول: "طوبى...". تفكيرك في نفسك وفيمن يحتاج إليك، أو إلى إحدى خدماتك، تفكيرك به في ذات اللحظة يحدد الكثير من طاقة العطاء العائدة إليك والتي تؤثر بشكل مباشر في تصرفاتك، وتفكيرك وعطائك لاحقًا، أجبني بينك وبين نفسك وبصراحة: حينما تعطي شيئًا هل ترى نفسك متفضلًا وتنتظر التبجيل والاعتراف بفضلك، أم مقصّرًا يرجو لو أنه يقدم المزيد، وأنك مسخر لأداء هذا الدور؟ وحين يقابَل عطاؤك بالنكران ولا يُجزل لك الامتنان، هل تشعر بأنك مغبون وأن من أعطيته غير مهذب، أم أنك لا تنتظر ذلك ولا يؤثر فيك سلبًا؟ هذا بالضبط ما نريد أن نتحدث عنه في السطور القادمة، تأمل معي العطاء، ومردوده على نفسك إن أنت فكرت في نفسك "كمعطي" بإيجابية، إذ أن حوائج الناس من العطايا والهبات الربانية وهي نعمة إن مَلّ الإنسان من ممارستها واختصاص الله إياه بها تحوّلت إلى غيره، فتاق بألم لعودتها!
نعيش في زمن تسود علاقاته المصالح وتتوه فيه القيم الإنسانية، زمن انقلاب الموازين وتمييع المصطلحات وتشويه الفضائل

نكران الجميل، والفهم الخاطئ للعطاء

السر في استمرار العطاء هو القلب الصادق والطبع النبيل، الذي لا ينتظر المقابل من ذات الجهة التي قدم إليها المعروف، والسرّ في استمرار الأخذ بدون منّة المعطي هو الامتنان الصادق وتقديم الفضل والخير أنّى استطاع الآخذُ ذلك، بمعنى: أنت تعطي لأنك نبيل وخلوق وحساس، بدون أن تعي ذلك وتقصده فيعود إليك الخير أضعافًا مضاعفة بقدرة الله من جهات أخرى وفي جوانب تحتاج إلى الأخذ فيها، وحين تأخذ شيئًا تحتاج إليه ستزداد الأعطيات وتنهمل عليك الخيرات أكثر حين تنفق من سعتك في جانب آخر يمكنك أن تعطي منه.. وهكذا تستمر قيمة العطاء بدون انتظار المقابل. اقرأ أيضًا/ في معنى الرقي والوصول إليه ليس شرطًا أن يكون العطاء ماديًا محسوسًا وكذلك الرد لا يشترط فيه أن يكون موجهًا لنفس الشخص الذي أعطى، ومن هنا أؤكد أن نكران الجميل في التزام قيمة العطاء لا يتعدى كونه خللًا في الفهم لدى المعطي، وإن فقد المجتمع قيمة الامتنان فإنه لا يزال المعنى السامي للعطاء ليس مرتبطًا باعتراف الآخذين وشكرهم الجزيل! لا تجعل نكران الجميل يثنيك عن فعل الخير؛ فالعطاء لله وليس للناس، وإن من ينكر الجميل قاصدًا ذلك - غالبًا - يعاني من ضعف في تقدير الذات أو من مشاعر غير متزنة، والبأس عليه لا على المعطي، فالمعطي أجره على الله، قالت العرب: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه :: ‏لا ينقض العرف بين الله والناس.
أنت تعطي لأنك نبيل وخلوق وحساس، بدون أن تعي ذلك وتقصده، فيعود إليك الخير أضعافًا مضاعفة بقدرة الله من جهات أخرى

ولا تنسوا الفضل بينكم

تأمل العطاء والإعطاء وذنب المّن الذي ذمّه الله تعالى يجعلك تفكر كثيرا في مسألتي (الفضل) و(الاحتياج)، يقول وينسون تشرشل: "إننا نبني حياتنا بما نأخذه، لكننا نمنحها المعنى بما نعطيه" فإنه دينيًا، فلسفيًا، أخلاقيًا، تربويًا، نفسيًا، علميًا... ومن كل الجوانب التي يمكنك تخيلها.. العطاء حياة تمتد لما بعد الحياة. لا بد أنك سمعت عن اليد العليا واليد السفلى، ذلك المفهوم الديني والمعنى القرآني والنبوي السامي جدًا لليد العليا هي اليد المتفضّلة، أما السفلى فهي المتفضل عليها، كفى بك فهمًا لهذين المعنيين لتقرر أن تعطي بدون من أو فخر وبدون انتظار مقابل، أو اعتراف بالفضل لك. مهما انتشر من تفاسير ومعانٍ لمصطلح "الفضل" يلمع في عقلي فور استماعي للآية فهمي المتواضع عنها: "أن لا ينسيَنَّ واحدكم أن يبادر بأن يكون صاحب الفضل..." برغم ورودها في المقالات والأحاديث في سياقات تشير إلى الدعوة لتجنب إنكار الجميل، لكنني أفضّل تفسيرها باستباق صنائع المعروف، فتذكر: ولا تمنُن تستكثر.. اقرأ أيضًا/ صناعة القلب الرحيم: كيف نصنع طفلاً متعاطفًا ومحبًّا للخير؟ فكر معي: هل تظل اليد العليا "عُليا" حين يتعالى ويستعرض المعطي ويمُنّ بعطائه؟ أو يشترط الامتنان ممن يتفضل عليهم، أو يوقف العطاء حين يقابَل بالجحود والنكران؟ هل يزيد صاحبها مع كل عطاء جديد فخرًا، أم يزداد تواضعًا؟ وصدقني أنك إن تأملت بعمق لن تنتظر المقابل ولو أنفقت كل ما تملك من سعة!
احتياج أحدهم إليك، هو احتياجك لله مباشرة؛ والأمر وإن بدا في عقلك معكوسًا، فالحقيقة أن احتياجك للمحتاج أكثر من احتياجه إليك

حاجة الناس إليك نعمة، فلا تجعلها نقمة!

الضجر والتبرم من تلبية حاجات الناس والتنصل من الواجبات بحجة تجنب الإلحاح والإزعاج، يحوّل النعمة إلى نقمة تجرّ غضب الله – والعياذ بالله - ولعنات خلقه! فما بالك إذا كنا نتقاضى أجرًا دنيويًّا من أموال وترقياتٍ مقابل ما نقدمه، وكل منّا في هذه الحياة يقف على ثغرة إن لم يسدّها كما يجب تسرّب منها بالتقصير ذنب ما، وإليك بعض الأمثلة من مشاهدات وحالات مؤسفة في مجتمعنا:
  • الوظيفة باب رحمة يفتحه الله للموظف بسبب خدمة فرد مثلًا، وأعطى من قلبه ولم يمنن بمزيد وقت وصبر، وأما إن فعل العكس أو أدى وظيفته بنفس غير سوية فقد أغلق في وجه نفسه الباب، فإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وإن جبر الخواطر يجلب عناية الله في جوف المخاطر.
  • الأخ لا يجب أن يعد تعامله الطيّب مع أخواته وأهله "النساء منهم تحديدًا" تفضلًا منه عليهن، منتظرًا أن يقدمن قرابين الولاء والطاعة والشكر والامتنان طوال عمرهن؛ فالحق أنه هو المستفيد من الفضل الذي يدعيه، وأعني (ثواب صلة الرحم، وفضل الإحسان والعطاء"
  • الزوج الذي يتعامل مع زوجته باستعلاء لأنه يصرف عليها ويسكنها بيته ويسمح لها باستخدام ممتلكاته، والزوجة التي تستعلي لأنها تخدم زوجها وتدير شؤون بيته وأبنائه... وكلاهما مخطئ لأنه استدعى المنّ وحرم نفسه من فضل الإحسان!
أخيرًا، أعط بقلبك، واشكُر بعقلك، وكن على يقين بأن: احتياج أحدهم إليك، هو احتياجك لله مباشرة؛ والأمر وإن بدا في عقلك معكوسًا، فالحقيقة أن احتياجك للمحتاج أكثر من احتياجه إليك، ونحن نحتاج إلى الكثير من العطاء "جبر الخواطر - قضاء حاجات الناس – إغاثة الملهوف... إلخ" وإن كان الأمر ليس مقايضة مع الله إطلاقًا، ولكن العطاء لا يقاس بمردوده على النفس بل بأثره على النفوس؛ لأنه يعلي من قيمة الإنسان قبل الأفعال الطيبة. اقرأ/ لماذا يحتاج الناس إلى التعاطف؟ ومن الذكاء ألا يوصد أحدنا باب قلبه ومن ثم باب مكتبه أو مجهوده أو بيته أو جيبه عن العطاء، فيوصد باب رحمة الله ويخسر مع الوقت احترامه لنفسه. يقول الإمام الشافعي:

الناس بالناس مادام الوفاء بهم :: والعسر واليسر ساعات وأوقاتُ

‏وأكرم الناس ما بين الورى رجل :: تُقضى على يده للناس حاجاتُ

لا تقطعن يد المعروف عن أحد :: ‏ما دمت مقتدرًا فالسعد تاراتُ

واشكر صنيعة فضل الله إذ جعلت :: إليك لا لك عند الناس حاجاتُ

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم :: وعاش قوم وهم في الناس أمواتُ

تاريخ النشر: ٧ أغسطس ٢٠٢٥ في ٠٤:٠٩ م

آخر تحديث: منذ 4 ساعات

مختارات من خواطر تربوية

عن الكاتب

سماح ضيف الله المزين

سماح ضيف الله المزين

كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة