
فرغل مصر.. الشيخ الذي أرعب اليهود وأذل الاستعمار وأدب العسكر
إن الشيخ "محمد فرغلي" قد أذل الإنجليز، وفرض اسمه على تدريبات الجيش البريطاني، حيث كان ينادي جاويش التدريب على الجنود: من عدوك؟ فيردون بصوت واحد: (فرغل مصر)!
لقد أثبتت أحداث الزمان أن قيمة الفرد لا تُقَدَّر بالعمر الذي عاشه في الدنيا، ولكن بما سطره طوال حياته من إنجازات وبطولات، وما تركه من إرث ثقافي وأدبي، ومواقف تقتدي بها الرجال وتتربى عليها الأجيال.
ومن القلائل الذين عاشوا حياة قصيرة، إلا أنها كانت ملأى بالإنجازات والبطولات، "الشيخ الشهيد محمد فرغلي"، الذي لُقِّب بـ (الفقيه الجنرال، والعالم المجاهد، والشيخ الشهيد) رحمه الله... ولا نزكي على الله أحدًا.
أولًا: نبذة تعريف بـ "فرغل مصر"
ولد الشيخ محمد فرغلي -رحمه الله- في "قرية ريفا" بمركز أسيوط بمصر عام 1907م. وهو خال فضيلة الشيخ محمد الراوي، رحمه الله. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ومن اللطائف أن والدته كانت تجلس قريبة من المكان الذي يجلس فيه ابنها مع شيخه، وتنصت للشيخ، حتى حفظت القرآن الكريم عن بُعد. كان متفوقًا منذ صغره، فاجتاز امتحان السنة الرابعة وهو في السنة الثانية الابتدائية. حصل على الثانوية الأزهرية، وتخرج في كلية أصول الدين. تنقل بدعوته حتى استقر بالإسماعيلية، وتعرف على الإمام الشهيد حسن البنا، وانضم للإخوان، وعمل على نشر فكرته ودعوته، إلى أن توفاه الله شهيدًا في 7 ديسمبر 1954م، ضمن مجموعة من قادة الإخوان في محكمة عسكرية صورية، بعد الحادثة الهزلية التي عُرفت باسم حادث المنشية. مما عُرف عن الشيخ محمد فرغلي أنه كان شديد التواضع، وكان يترفع عن سفاسف الأمور وعن الخصومات، مما جعل كل من يتعامل معه يحترمه أيما احترام، ويوقره أيما توقير. ومما عُرف عنه أيضًا أنه كان شديد الحرص على الدعوة وسمعتها ونظامها، غيورًا إلى أبعد الحدود على هيبتها وكرامتها، مما جعل له هيبة في قلوب كل الإخوان، قادتهم قبل أفرادهم. ومما عُرف عنه كذلك أنه لم يُداهن ظالمًا، ولم تلن له قناة في دفع الظلم، ولم تنحنِ رأسه مهما كانت الأحداث. وبهذه الصفات التي قلما تتوفر في غيره، عاش مُحترمًا، مُوقرًا، مُبجلًا داخل الإخوان وخارجهم، وعاش مرفوع الرأس بين خصومه.ثانيًا: فرغل مصر الذي أرعب اليهود
رغم كل العراقيل والصعوبات والتحديات التي وضعها الاحتلال البريطاني وحكومة النقراشي، لمنع مجاهدي الإخوان من دخول فلسطين عام 1948م، إلا أن الشيخ محمد فرغلي تمكن من دخول فلسطين على رأس قوة من مجاهدي الإخوان المسلمين عبر "صحراء النقب"، لمؤازرة مجاهدي فلسطين في حربهم ضد الاحتلال الصهيوني. وكان الشيخ محمد فرغلي من أبرز قادة الإخوان المسلمين الذين شرعوا في تدريب إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين، وشاركوهم في اقتحام مواقع وتحصينات اليهود، وأذاقوا اليهود الويلات، وقذف الله بهم الرعب في قلوب بني صهيون. ومن المواقف البطولية التي قام بها الشيخ محمد فرغلي في حرب 1948م، أنه تمكن هو ومجموعة من إخوانه المجاهدين من الوصول خلف خطوط اليهود، وتسللوا إلى إحدى المستعمرات ليلًا، وحين دخل وقت الفجر، صعد إلى أعلى مكان في المستعمرة، وأذَّن للفجر، فظن اليهود أن الإخوان المسلمين قد هاجموهم، ففروا هاربين، وفي الصباح قام مجاهدوا الإخوان بتسليم المستعمرة إلى الجيش المصري. يقول الأستاذ كامل الشريف: "لم يكن الشيخ فرغلي من ذلك النوع من شيوخ الدين الذين يتعلقون بالقشور، ويبحثون عن المناصب والمراكز، ولو كان كذلك لأعفى نفسه من المتاعب، ولأصاب من المراكز أقصى ما يريد، ولكنه كان مجاهدًا بحق، وحسبه أنه ترك وظيفته وأهله، وذهب إلى فلسطين مع أول جماعة من المجاهدين".لم يكن الشيخ فرغلي من ذلك النوع من شيوخ الدين الذين يتعلقون بالقشور، ويبحثون عن المناصب والمراكز، ولو كان كذلك لأعفى نفسه من المتاعب، ولأصاب من المراكز أقصى ما يريد، ولكنه كان مجاهدًا بحق
ثالثًا: فرغل مصر الذي أذل الاستعمار البريطاني
حين نشبت حرب القنال ضد الإنجليز عام 1951م، كان الشيخ محمد فرغلي من أوائل المشاركين فيها، بل شارك فيها بعقلية تمزج بين الجهاد من منظور عقائدي، والجهاد من منظور سياسي، وهذا ما لم تعهده القوات البريطانية، لذلك أعلن تشرشل من موقعه في لندن أن عنصرًا جديدًا قد شارك في ميدان المعركة. ويذكر أنه عندما قامت قوات الاحتلال الإنجليزي بمحاصرة مبنى المحافظة في الإسماعيلية، قام الشيخ محمد فرغلي بتحذير قادة الاحتلال البريطاني، أنه إذا لم يقوموا برفع الحصار عن مبنى المحافظة، وفك الحصار عن رجال الشرطة المصرية فورًا، سيستدعي مجاهدي الإخوان لفك الحصار، مما جعل الإنجليز يرضخون للإنذار ويرفعون الحصار. ونتيجة للممارسات التي قام بها الشيخ محمد فرغلي ضد الاحتلال البريطاني، والتي كبدتهم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات والمنشآت، قام الإنجليز برصد مكافأة قدرها خمسة آلاف جنيه لمن يأتي بالشيخ محمد فرغلي حيًّا أو ميتًا. إن الشيخ "محمد فرغلي" قد أذل الإنجليز، وفرض اسمه على تدريبات الجيش البريطاني، حيث كان ينادي جاويش التدريب على الجنود: من عدوك؟ فيردون بصوت واحد: (فرغل مصر)!إن الشيخ "محمد فرغلي" قد أذل الإنجليز، وفرض اسمه على تدريبات الجيش البريطاني، حيث كان ينادي جاويش التدريب على الجنود: من عدوك؟ فيردون بصوت واحد: (فرغل مصر)!
رابعًا: فرغل مصر وتأديب عسكر يوليو
لم يكتفِ الشيخ محمد فرغلي ببث الذعر في قلب قوات الاحتلال الصهيوني في فلسطين، ولا بإذلال قوات الاحتلال البريطاني في مصر، بل كان له دور كبير في تأديب عسكر مصر، عندما حدث صدام بينهم وبين الإخوان المسلمين، حيث أرادوا أن يستأثروا بمكتسبات ما بعد جلاء الاحتلال البريطاني عن مصر لمصلحتهم الخاصة. استخدم العسكر مع الشيخ محمد فرغلي أسلوب الترغيب والترهيب، ليثنوه عن مبدئه في قول الحق وعدم الرضوخ للظلم، وتقديم مصلحة الوطن قبل أي مصالح أخرى، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يثنوه عن مبدئه، ولا أن ينالوا من عزيمته. لوَّح عبد الناصر بإسناد مشيخة الأزهر للشيخ فرغلي من أجل استقطابه لصالح العسكر، إلا أن ذلك الإغراء لم يُغيِّر موقفه. وتحدث عبد الناصر عن إرسال بعثات من الإخوان المسلمين إلى جنوب إفريقيا لتقوم بدورها الدعوي، ولكن ذلك لم ينطلِ على الشيخ محمد فرغلي ولا على قيادات الإخوان. وعندما فشلت محاولات الترغيب، ولم تفلح المساومات، بدت بوادر المواجهة الصريحة بين جمال عبد الناصر والإخوان المسلمين عام 1954م، وترتب على هذه المواجهة القبض على قيادات ورموز الإخوان، والحكم عليهم بأحكام قاسية، منها الحكم بالإعدام، وذلك بعد حادث المنشية الذي وقع في أكتوبر 1954م. كان من بين المتهمين في الواقعة "يوسف طلعت"، و"هنداوي دوير"، و"إبراهيم الطيب"، و"عبد القادر عودة"، و"محمد فرغلي"، ومرشد الإخوان المسلمين آنذاك "حسن الهضيبي". حُكم على هؤلاء المتهمين بالإعدام شنقًا، وخُفف الحكم على الهضيبي وخرج بعد ذلك بالعفو الصحي، بينما حُكم على متهمين آخرين بالأشغال الشاقة المؤبدة، أو بالسجن 15 عامًا. كان من بين الذين تم الحكم عليهم بالإعدام الشيخ محمد فرغلي، وفي 7 ديسمبر سنة 1954م، وقف الشيخ الشهيد محمد فرغلي أمام حبل المشنقة باسماً، في ثبات وإقدام، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة الفارقة. ويعلق الأستاذ كامل الشريف: "ولقد قُتل الشيخ فرغلي بعد ذلك بأيدٍ مصرية، ولعل الذين استباحوا دمه أرادوا أن يبعدوه عن طريق مجدهم، ولو أدركوا أنهم صنعوا منه شهيدًا خالدًا، وأقاموا منه مثالًا حيًّا سيظل يهيب بالجموع الكثيرة من الإخوان، ومن طلاب الحق، ليكافحوا الباطل حيثما وجدوه، ولو أدركوا أنهم وضعوا بفعلتهم هذه اسمًا جديدًا في قائمة الأسماء اللامعة من شيوخ الإسلام المجاهدين، من أمثال: ابن تيمية، وسعيد بن جبير، وعمر المختار، وحسن البنا، ولو أنهم أدركوا ذلك كله، لربما ترددوا كثيرًا في قتله، رحمه الله". ختامًا أقول: إن الشهيد محمد فرغلي، رحمه الله، واحد من بين كوكبة من المجاهدين، الذين آثروا ما عند الله، ليقينهم أن ما عند الله خير وأبقى. والذين ألقوا بأرواحهم في ساحات الوغى، وضحوا بأرواحهم رخيصة، لتظل سلسلة المجاهدين موصولة متينة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. والذين رووا بدمائهم الزكية أرض الوطن، حتى لا تكن يومًا عقيماً، فلا تنجب أمثالهم.تاريخ النشر: ١٢ أغسطس ٢٠٢٥ في ١١:٥٢ ص
آخر تحديث: منذ 4 ساعات
مختارات من بصائر من واقعنا
عن الكاتب
محمد عبدالرحمن صادق
<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>
عرض الملف الشخصي ←


