
لماذا اغتالت إسرائيل أنس الشريف؟
واصل الجيش الإسرائيلي جرائمه ضد الإعلام، فقتل مراسلي الجزيرة أنس الشريف ومحمد قريقع، عامدا متعمدا، وهو ما اعترف به هذا الجيش في بيان له، وكأنه لم يعد معنيا بالإبقاء على صورة مصطنعة صاغها على مدار سنوات طويلة وسوقها للعالم زاعما أنه أكثر الجيوش أخلاقية، مع أنه لم يكفّ يوما عن تنفيذ ما يسميه “سلاح الاغتيالات” للسياسيين والإعلاميين، وقتل مدنيين عزّل حتى في غير أيام الحرب.
لم يكن استهداف الشريف وقريقع مستبعدا، لأنهما كان يمثلان في الشهور الأخيرة أكثر من عين وأذن للعالم أجمع على ما يعانيه أهل غزة من مجاعة، وما يرتكبه الجيش الإسرائيلي من فظائع، ومارسا دورهما بشجاعة نادرة، غير آبهين بشيء سوى فضح جرائم الاحتلال، وإيصال صوت أهل غزة المحاصرين المكلومين.
ولعل الرسالة التي تركها الشريف، وحملت وصيته تبين أنه كان يتوقع استشهاده وينتظره، كما تبين كم كان هو ورفيقه، يدركان جيدا أنهما يشكلان قلقا شديدا للحكومة الإسرائيلية وجيشها، لمهنيتهما الظاهرة، ومخاطرتهما في سبيل نقل الصورة الحقيقية، في وقت كانت فيه إسرائيل تبذل كل ما في وسعها من أجل التعتيم على ما يجري.
ولعل الدليل على ذلك أن الصحفيين الشهيدين تلقيا تهديدات متواصلة من الجيش الإسرائيلي، وطالما ذكرهما إعلام في تل أبيب على أنهما يشكلان منبرا حيا ونشطا وفائقا، لفضح ما يفعله هذا الجيش.
في العموم، ومنذ انطلاق طوفان الأقصى، وإسرائيل تحرص على إسكات أي صوت يفضح حقيقة “الإبادة الجماعية” التي ترتكبها، ولذا قتلت نحو مائتي صحفي فلسطيني، حتى الآن، واعتقلت آخرين، وأغلقت مكاتب عدد من وسائل الإعلام العربية، ومنعت طواقمها من العمل في غزة، ومنها قناة “الميادين” اللبنانية وقناة “الجزيرة”، ثم أغلقت مكتب الأخيرة في رام الله، ومارست تضييقا على من تركتهم يعملون كمراسلين حربيين ميدانيين، وفعلت الأمر نفسه حتى مع المحليين الإسرائيليين أنفسهم، سواء الذين يظهرون في قنواتها الفضائية، أو يكتبون مقالات وأعمدة وتقارير وتحليلات في الصحف، ما داموا يبثون ما لا ترضى عنه الحكومة.
لم يقتصر الأمر على ذلك، إنما وجدنا يد الرقابة العسكرية تمتد إلى الإسرائيليين أنفسهم، ممن كانوا يرفعون بهواتفهم الذكية مقاطع على شبكة الإنترنت، يصحبها أحيانا تعليق أو تعبير صوتي عن أي خسائر تقع داخل إسرائيل خلال الشهور الأولى للحرب، وأثناء قصف إيران مدنا إسرائيلية، واليوم ينتقد بعضها تضحية نتنياهو بالأسرى، أو إصراره على العودة إلى اجتياح غزة.
يقود التحليل الأوّلي لحادث استشهاد الشريف وقريقع، أنه مؤشر على أن الجيش الإسرائيلي بصدد اجتياح غزة لاحتلالها كما قررت حكومة بنيامين نتنياهو قبل أيام، وأنه هذه المرة سيضرب المدنيين بكل قسوة، وسيرتكب جرائم أكثر من السابق، في وقت تعالت فيه أصوات داخل تل أبيب تتحدث عن أن الجيش الإسرائيلي في حالة “فشل ذريع” في غزة، وهناك من يصف ما جرى بالهزيمة، بينما يصر متطرفون داخل الحكومة على تهجير قسري لأهل غزة.
فضلا عن هذا، وفي العموم، فإن إسرائيل مارست طوال الحرب الحالية تعتيما إعلاميا أكثر مما فعلت في حروبها السابقة، للأسباب الآتية:
- إخفاء الخسائر العسكرية التي تصيب الجيش الإسرائيلي لخفض مستوى الانتقادات الداخلية له، وكذلك للحكومة التي تدير الحرب.
- الاستمرار في ممارسة الدعاية الكاذبة عن “الجيش الأخلاقي”، وهي مسألة استفادت منها إسرائيل كثيرا على مدار العقود الفائتة، ووظفتها في التغظية والتعمية على جرائم ارتكبتها ضد المدنيين سواء خلال الحروب، أو في غير أوقاتها.
- إنقاذ ما تبقى من صورة الجيش الإسرائيلي على أنه “الجيش الذي لا يقهر”، وذلك في عيون الذين استثمروا فيه، ويراهنون عليه في الإدارات الغربية، لا سيما لدى أولئك الذين يدركون أن الجيش يمثل نقطة الارتكاز الأساسية لـ “دولة وظيفية”، تعد رأس حربة عسكرية وأمنية للمشروع الغربي في منطقة الشرق الأوسط، والذي يحاول أن يقنع بعض دول المنطقة بأن إسرائيل يمكن أن تكون مصدر حماية لها، وليس أمامها سوى الرضوخ، أو التوافق والتعاون معها.
- حرمان المقاومة الفلسطينية من إيصال صوتها وفعلها للعالم، مع توقع دخولها في حرب عصابات أكثر ضراوة ضد الجيش الغازي، بما يبين للرأي العام الإسرائيلي أن جيشهم يواصل تخبطه وتوعكه أو نزيفه المستمر.
الوسوم:
تاريخ النشر: ١١ أغسطس ٢٠٢٥ في ٠٨:٠١ ص



