
دماء الصحفيين… صرخة حق تهزم الرصاصة
انفطرت قلوبنا ألمًا وحزنًا على استشهاد الصحفيين أنس الشريف ومحمد قريقع، ومن معهما من صحفيي الجزيرة، لينضموا إلى قافلة الشهداء من الصحفيين التي تزيد عن 200 قُتلوا على أيدي الاحتلال المجرم.
هؤلاء الشهداء، الذين لم تستطع دولة الاحتلال أن تتحمل نقلهم للخبر الحقيقي من مجازر وحصار ومجاعة تضرب أهلنا في غزة، أرادت أن تستر على جريمتها بقتلهم، لكنها لم تعلم أنها في كل جريمة تحفر قبرها بيدها، وتسرع في زوالها بإذن الله.
يستحضرني وأنا أتابع قصتهم، قصة ذلك الغلام في قصة أصحاب الأخدود، كواحدة من أعظم الشواهد على أن النصر الحقيقي لا يُقاس بعدد الغزوات أو مساحة الأرض، بل بقدرة الحق على اختراق القلوب وكسر هيبة الباطل.
الغلام، الذي واجه طغيان الملك وجبروته بثبات، أدرك أن حياته ليست أغلى من رسالته، وأن الموت في سبيل الله قد يكون بداية الحياة الحقيقية للدعوة. وحين علم أن الملك لا يستطيع قتله إلا إذا أعلن أمام الناس: "بسم الله رب الغلام"، جعل من لحظة موته إعلانًا علنيًا للتوحيد. وما إن سقط مضرجًا بدمه حتى تحولت دماؤه إلى بذور إيمان في قلوب الناس، فآمنوا جميعًا، وتهاوت هيبة الطاغية أمام جموع لا تخشى الموت بعد أن رأت مثالًا حيًّا على التضحية.
وهذه القصة الثابتة في "صحيح مسلم"، ليست عبارة عن حدث نستفيد منه كحكاية قديمة، بل سنة من سنن الله في الكون، أن دماء الأحرار التي يسفكها المحتل والطاغية ستصير وقودًا للتحرر والنهضة وزوال الظلم، وريحًا تعصف بعرش الطغاة حتى تزيلهم بالكلية.
وهذه الأحداث تتكرر ملامحها بثوب جديد وعصر جديد، حين اغتال المحتل المجرم أنس الشريف ومحمد قريقع ومن قبلهما، وربما من بعدهما، ظانًا أنه بإسكات الصوت، وتكسير الكاميرا، قادر على قتل روحنا المعنوية، وإبادة شعبنا، وإنهاء قضيته، غير مدرك أن الصورة والكلمة حين تختلط بالدم، تتحول إلى صرخة لا يقدر على إخمادها أي رصاص.
دماء الأحرار التي يسفكها المحتل والطاغية ستصير وقودًا للتحرر والنهضة وزوال الظلم، وريحًا تعصف بعرش الطغاة حتى تزيلهم بالكلية
الكاميرا التي انتصرت على الرصاصة
الصحفيون الشهداء كانوا شهداء على الجريمة، وحراسًا للذاكرة الفلسطينية، عندما اخترقت عدساتهم أسوار الكذب التي سعى الاحتلال لبنائها للتغطية على ما يقوم به، ففضحوا المستور، وأوصلوا للعالم ما لا يريد الاحتلال أن يراه، وأثبتوا أن الإعلام الصادق المهني لا يقل أثرًا عن البندقية. لكن الاحتلال، الذي ضاق صدره بحقيقة أن الكلمة الحرة أخطر عليه من الرصاص، لجأ إلى الحل الذي يجيده: القتل. لم يدرك أن ما فعله يشبه تمامًا ما فعله الملك الظالم مع الغلام؛ فالقتل هنا لا يميت الفكرة، بل يحييها، ولا يطفئ الرسالة، بل يوقِدها. ولهذا يظل مشهد أنس الشريف ومحمد قريقع مستمرًا في الأذهان رغمًا عن أنف المحتل وسلاحه، لأن القضية ليست بجسد واقف أمام كاميرا، بل بتأثير الكلمة على النفوس، مما يهزم الرصاص وكل سلاح مستخدم. إن الاحتلال يمكنه أن يقتل الجسد، لكنه لا يقدر أن يقتل المعنى. عدسات هؤلاء الصحفيين التقطت مشاهد لن تموت: طفل يبحث عن أمه تحت الأنقاض، شيخ يحمل علم فلسطين بين الركام، أم تودع أبناءها بابتسامة الصابرين، رجل كبير يعاني من شدة الجوع. هذه الصور صارت جزءًا من الذاكرة الجمعية للشعوب، تمامًا كما صار مشهد الغلام جزءًا من الذاكرة الإيمانية للأمة. وكلما أعاد الناس مشاهدة هذه الصور أو تذكروا كلماتهم الأخيرة، تجدد الإحساس بأن الاحتلال زائل، لأن كيانًا يخشى الكلمة والصورة إلى هذا الحد لا يمكنه البقاء طويلًا.من الخسارة إلى البشارة
لا شك أن فقدان هؤلاء الصحفيين خسارة كبيرة لأهلهم وشعبهم وقضيتهم، فهم العيون التي كانت تنقل للعالم مآسي غزة وملاحمها. ولا شك أن استهدافهم يمهد لحدث أكبر قد تزهق فيه الكثير من الأرواح، لكن هذه الخسارة تحمل في طياتها بشارة كبرى، لأن الاحتلال إذ يقتل الصحفي، فهو يعلن ضمنيًا أن هذا الصحفي انتصر عليه بالكلمة والصورة، وأنه عاجز عن مواجهة الحقيقة إلا بإسكات صاحبها. وهنا تتجلى سنّة الله: كلما زاد الطغاة في ظلمهم، اقترب سقوطهم. فالدماء الزكية التي تُسفك ظلمًا تصبح لافتة تذكّر الشعوب بجرائم الاحتلال، وتزيد من عزلة الظالم، وتسرّع من نهايته. كما أن العالم اليوم يعيش في زمن تتسرب فيه الصورة والمعلومة رغم كل الحصار، بل وتزداد قوتها حين ترتبط بذكرى الشهيد.هذه الخسارة تحمل في طياتها بشارة كبرى، لأن الاحتلال إذ يقتل الصحفي، فهو يعلن ضمنيًا أن هذا الصحفي انتصر عليه بالكلمة والصورة، وأنه عاجز عن مواجهة الحقيقة إلا بإسكات صاحبها
بين الأمس واليوم
في قصة الغلام، كان مشهد موته أمام الملأ كافيًا ليهزّ القلوب ويدفع الناس إلى الإيمان، حتى لو ترتب على ذلك أن يُقتلوا بعدها في الأخدود. أما اليوم، فمشهد الصحفيين وهما يعملان وسط الركام والنار، ثم يسقطان شهداء، ونرى جثثهما على الهواء، أصبح شرارة تلهب مشاعر الملايين، وتزيد الالتفاف حول قضية فلسطين، ليس من المسلمين فحسب، بل من كل من له ذرة إنسانية على وجه الأرض. لكن الفرق أن الغلام واجه ملكًا واحدًا وجمهورًا حاضرًا، أما أنس الشريف ومحمد قريقع فقد واجها منظومة احتلال مدججة بالسلاح، و"جمهورًا عالميًا" يشاهد عبر الشاشات ومواقع التواصل، ودولاً تدعي الديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان لا تنبس ببنت شفه، ومع ذلك كانت النتيجة متشابهة: تضاعف التعاطف، وازدياد الغضب، وانتقال الرسالة إلى أوسع مدى.نحو فجر قريب
الربط بين قصة الغلام واستشهاد الصحفيين ليس مجرد تشابه في الأحداث، بل هو إشارة ربانية إلى أن الظلم مهما طال، نهايته واحدة. فالملك الذي قتل الغلام لم يهنأ بعرشه، والاحتلال الذي يقتل الصحفيين لن يهنأ بأرض اغتصبها. بل إن هذه الجرائم هي في حقيقتها معاول هدم لعرش الظالم، حتى وإن بدا للحظة أنه أقوى من أي وقت مضى. إن دماء أنس الشريف ومحمد قريقع لن تجف قبل أن تُثمر وعيًا، وتوقد إرادة، وتبشّر بفجر لا مكان فيه للاحتلال. وكما خرج الناس في قصة الغلام من مجلس الملك وهم مؤمنون غير هيّابين، سيخرج جيلنا من تحت الركام وهو أشد عزيمة وأقوى يقينًا بأن النصر آتٍ، مهما طال الليل.لقد علّمتنا قصة الغلام أن الشهادة ليست خسارة، بل هي أعظم صور الانتصار المعنوي، وأن الدماء إذا امتزجت بالحق صارت أبلغ من الخطب والبيانات. واليوم، يعيد الصحفيون الشهداء صياغة هذه الحقيقة بدمائهم، ليقولوا للعالم: يمكنكم قتلنا، لكنكم لن تقتلوا الحقيقةإن إيماننا حتمي لا شك فيه بأن فلسطين ستتحرر، وأن الاحتلال المجرم زائل لا محالة، وواهم من ظن أن ارتقاء الشهداء هو عامل يفتّ بعزيمتنا، فشعبنا يقدم الشهداء منذ عقود ولم يتوان للحظة، ولم ولن يستسلم. ختامًا… لقد علّمتنا قصة الغلام أن الشهادة ليست خسارة، بل هي أعظم صور الانتصار المعنوي، وأن الدماء إذا امتزجت بالحق صارت أبلغ من الخطب والبيانات. واليوم، يعيد الصحفيون الشهداء صياغة هذه الحقيقة بدمائهم، ليقولوا للعالم: يمكنكم قتلنا، لكنكم لن تقتلوا الحقيقة. وهكذا، فإن استشهادهم، وإن كان وجعًا في القلب، هو في الوقت نفسه بشارة بزوال الاحتلال، لأن الكلمة التي تُروى بالدم لا تموت، بل تنبت فجرًا جديدًا على هذه الأرض.
الوسوم:
تاريخ النشر: ١٢ أغسطس ٢٠٢٥ في ٠١:٤٦ م
آخر تحديث: منذ 43 دقيقة
مختارات من خواطر تربوية
عن الكاتب
أويس عثمان
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.
عرض الملف الشخصي ←


