عندما تتحول الضمادة إلى راية! قصة الناشطة الأسترالية

عندما تتحول الضمادة إلى راية! قصة الناشطة الأسترالية

هل أتاك نبأ الناشطة الأمريكية اليهودية "راشيل كوري" التي ضحّت بجسدها الهزيل تحت جرافة إسرائيلية؛ لتوثق شهادتها أمام العالم أجمع ضد العربدة الصهيونية في فلسطين؟! وهل أتاك نبأ الطيار الأمريكي "آرون بوشنل" الذي أضرم النار في نفسه، وزهقت روحه نصرة للمحاصرين في غزة، ليظل ما فعله نبراساً أمام أحرار العالم، بأن الأفعال حين تنضبط بوصلة الفطرة الإنسانية تكون عابرة للحدود والقارات، وعابرة للقلوب والمشاعر والضمائر أيضاً. وهل أتاك نبأ المواطنة الأمريكية التي توشّحت بالعلم الفلسطيني في ديسمبر 2023م، ثم قامت بإشعال النار في جسدها أمام القنصلية الإسرائيلية في "مدينة أتلانتا" احتجاجاً على ما يقوم به الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة، إلا أن السلطات الأمريكية قد تكتمت على اسم هذه السيدة وهويتها؟ وهل أتاك نبأ المحامية الإيطالية "فرانشيسكا ألبانيز" التي كرّست حياتها للدفاع عن حقوق الفلسطينيين، وحين ذاع صيتها ونشاطها بعد "طوفان الأقصى" أعلنت إسرائيل عن عدم ترحيبها بها إلى أجل غير مسمى، مما جعل وزير الخارجية الأمريكي "ماركو روبيو" يعلن عن فرض عقوبات أمريكية رادعة ضدها؟ كل هؤلاء جمعتهم غاية واحدة، هي مواصلة النضال من أجل التضامن مع القضية الفلسطينية؛ رغم أنهم ليسوا عرباً ولا مسلمين، ورغم ما تعرضوا له جميعاً من اضطهاد وملاحقة أدت ببعضهم إلى الموت!

توطئة

إن ما فعلته "راشيل كوري"، وما فعله "آرون بوشنل" وغيرهم، ليس فلتة من فلتات الزمان، ولكن الشواهد تقول إن هذه السلسلة من تضحيات غير العرب والمسلمين ستظل ممتدة بامتداد الزمان. فهناك من فقدوا وظائفهم الحكومية نتيجة إعلان مناصرتهم لغزة، مثل رسام الكاريكاتير البريطاني "ستيف بيل"، والكاتب الأمريكي "جاكسون فرانك"... وغيرهم كثير. وهناك من فقدوا وظائفهم المرموقة في شركات عالمية كبرى فقط لأنهم عبروا عن معارضتهم لحرب الإبادة في القطاع، مثل المذيع الألماني مالكوم أوهانوي. وهناك من فقدوا مقاعدهم الدراسية في الجامعات لنفس السبب، كما حدث في "جامعة روتشستر الأمريكية" حيث فُصل أربعة طلاب لقيامهم بتوزيع ملصقات كتب عليها كلمة "مطلوب"، استهدفت بعض أعضاء الجامعة بسبب مواقفهم المؤيدة للحرب على غزة. وهناك من تعرضوا للاعتقال بسبب مواقفهم المتعاطفة مع الغزيين، كما فعلت الشرطة الهولندية حين فرّقت مظاهرة داعمة لفلسطين في "أمستردام"، واعتقلت عدداً من المتظاهرين، وكذلك الحال في مصر والعديد من الدول. وهناك من تعرضوا للمحاكمة بسبب كلمات كتبها على مواقع التواصل تعاطفاً مع غزة، مثل اللاعب الجزائري "يوسف عطال" حيث قررت محكمة استئناف فرنسية سجنه ثمانية أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة 45 ألف يورو، بتهمة "التحريض على الكراهية" بسبب منشور تضامني مع غزة. وهناك المؤرخة الروسية-الأمريكية "ماشا جيسين" التي تراجعت مؤسسة "هاينريش بول" الألمانية عن منحها جائزة "هانا أرندت" للفكر السياسي، بعد نشرها مقالاً بعنوان "في ظل الهولوكوست" في مجلة "نيويوركر"، انتقدت فيه موقف ألمانيا من الحرب على غزة. وهناك من فقد بصره كلياً أو جزئياً نتيجة الضرب المبرح من شرطة بلاده أثناء مشاركته في احتجاج ضد الإبادة في غزة، مثل الناشطة الأسترالية المحامية "هانا توماس"، وهي بيت القصيد في موضوعنا.

الناشطة الأسترالية "هانا توماس" وإصرار لا يوقفه الاضطهاد

المحامية "هانا توماس" (35 عاماً) ناشطة سياسية وعضو في حزب "الخضر" الأسترالي. نافست مؤخراً رئيس الوزراء "أنتوني ألبانيز" في الانتخابات الفدرالية. وهي ابنة المدعي العام الماليزي السابق "تان سري تومي توماس". عرف عنها أنها لا تتوقف عن التضامن مع غزة، من خلال المشاركة في الفعاليات المناهضة للغطرسة الصهيونية ومحاولات الإبادة المستمرة. بدأت نشاطها عام 2018م ضمن حملة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية (BDS)، وشاركت في ندوات جامعية عن الفصل العنصري الإسرائيلي، وكتبت مقالات عن حق العودة والمقاومة المدنية. عام 2021م، شاركت في أول مظاهرة حاشدة عقب العدوان على غزة في مايو، وكانت تبكي وهي تهتف لدماء الأطفال، قائلة: "شعرت أن دم الأطفال في رفح يسيل من بين يدي". ومنذ ذلك اليوم تغيّرت حياتها. في يونيو الماضي، وخلال مظاهرة أمام شركة متهمة بتوريد قطع لطائرات "F-35" الإسرائيلية، تدخلت شرطة "سيدني" بعنف، مما أدى لإصابتها إصابة خطيرة في عينها، قد تؤدي إلى فقدان بصرها. تهم جزافية وُجّهت لها عدة اتهامات، منها: مقاومة الشرطة، وإعاقة عملها، وعدم الامتثال للأوامر.

إصرار رغم الاضطهاد

كتبت بعد خروجها من المستشفى: "لم أفقد بصري… بل رأيت الحقيقة بكل وضوح. ما حدث لي ليس سوى نقطة في محيط من الألم الفلسطيني. فقدت عيناً، لكنني كسبت قلبي وضوء ضميري". ثم ظهرت بعين مغطاة برقعة سوداء زُيّنت بعلم فلسطين، في مشهد هزّ قلوب الشرفاء حول العالم. وقالت: "القضية الفلسطينية ليست صراع أديان، بل صراع بين الظلم والعدل، بين الاحتلال والحرية، بين الإنسانية والوحشية". وأطلقت مبادرة "عين على فلسطين"، تنظم ورش عمل بالجامعات الأسترالية وتنسق مع نشطاء عالميين لنشر الوعي، إيماناً منها بأن الوعي أقوى من السلاح. كما أعلنت أنها سترفع دعوى مدنية ضد ولاية "نيو ساوث ويلز" لما تعرضت له من إصابة وملاحقة.

أسئلة مشروعة

حتى متى تنفق نساء المسلمين المليارات على الزينة، بينما نساء الغرب يقدمن أرواحهن دفاعاً عن فلسطين؟ حتى متى يظل علماء السلاطين يبررون تخلّي الأنظمة بفتاواهم؟ حتى متى نرضخ لمحاولات الاحتلال لإعادة برمجة وعي الشرفاء حول العالم، ليصير أقصى أملهم كسرة خبز للمحاصرين؟ خاتمة إن مثل هذه الحوادث تسجلها ذاكرة التاريخ ولا تنساها الأجيال، وسيأتي اليوم الذي تكون فيه الشرارة التي توقظ ضمير العالم، وتقتلع الطغاة ومجرمي الحرب، وتعيد الأرض إلى أصحابها.

تاريخ النشر: ٢٣ أغسطس ٢٠٢٥ في ١٠:٤٩ ص

آخر تحديث: منذ 4 ساعات

مختارات من بصائر من واقعنا

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة