
مِنَح للأتقياء في مِحَن الأنبياء
الأنبياء عليهم السلام أكرم الخلق على الله تعالى، لا مِراء في ذلك، بل ومع ذلك كانوا أشد الناس بلاءً!
فمنهم مَن أُخرِج ابنه من ذريّته ودينه ولم يؤمن: سيدنا نوح عليه السلام.
ومنهم مَن لم يُرزق الذرّية: سيدنا إدريس ويحيى ويوسف عليهم السلام.
ومنهم مَن مات ولده بين يديه وهو يبكيه: سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
ومنهم مَن كُتب له غلام حليم وخَلَفه في النبوّة: سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل عليهما السلام، ومن بعدهما سيدنا إسحاق عليه السلام.
ومنهم مَن غُيّب عنه ابنه سنوات لا يعلم من حاله شيئًا: سيدنا يعقوب عليه السلام.
فهل حصل أن قارن نبي حاله بحال نبيّ آخر، أو قال: "يا ربّ لِمَ"؟! حاشا وكلّا! بل إنّ خليل الله تعالى إبراهيم، آتاه الله تعالى الولد على كِبَر، وبشرته به الملائكة، وبلغ معه السعي أي كَبِر أمام ناظريه، وكان غلامًا حليمًا رشيدًا، وإذ بعد كل تلك الصحبة تأتيه الرؤيا بالذبح! كيف كان الوقع على الأب الرحيم؟ هل انتظر رؤيا ثانية؟ هل دعا الله تعالى أن يكشف البلاء أو يغيّر الفداء؟ بل كان تصرّفه تصديقًا لكونه خليلًا لله تعالى حقًّا: الله تعالى أَمَر، فسَمعًا وطاعة، لم يطلب تبريرًا ولا توكيدًا.
وتأمل في قصة السيدة مريم عليها السلام لما جاءها سيدنا جبريل عليه السلام يُبشّرها بهبة سيدنا عيسى عليه السلام: {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} . لقد جاء سؤالها على وجه العجب من جهتها، لا على وجه الاستبعاد عن قدرة الله تعالى أو الاعتراض عليه؛ لأنّ تصورها لحضور غلام بُنِي تلقائيًا على ما هو معتاد من اجتماع ذكر بأنثى أوّلًا، وذلك لم يقع معها، فلا هي بذات زوج، ولا يُتَصوَّر منها الفجور. فانظر ماذا كان جواب الله تعالى لها: {قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} .
وفي موضع آخر: {قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} . لقد بدأ الجواب بالمشيئة الإلهية وانتهى بها في الآيتين، أي أنّ أمر الله تعالى مقضيّ واقع لا محالة، لا يَنتظِر إذنًا من أحد، رَضِي مَن رَضِي وله مِن الله تعالى الرضا، وسَخِط مَن سَخِط وله مِن الله تعالى السُّخط. وفي إحدى الآيتين فقط ذُكر لها وجه الحكمة صريحًا، وبُيِّن لها المراد من نفخ تلك الروح فيها: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا}، وذلك لطف من الله تعالى وإيناس لقلبها، لكن تَعُود الخاتمة فتؤكّد {وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا}. فكان استفهامها عليها السلام استعلامًا بأدب،
ولذلك كان فعلها بعد ذلك تسليمًا بإذعان، رغم وطأة الأمر عليها حتى تمنّت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا} ، وذلك لأنها "عرفت أنها ستُبتلى وتُمتحن بهذا المولود الذي لا يَحمِل الناس أمرها فيه على السَّداد، ولا يُصدِّقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنّون عاهرة زانية" . إلا أنّ الله تعالى صبَّرها وواساها، وهي عليها السلام استجابت بالامتثال والصبر لأمر الله تعالى.
وإذن، فالتسليم لله تعالى لا يدعو أبدًا للتخاذل والإخلاد للأرض، بل هو الباعث على القوة والثبات وحسن العمل. ذلك أنَّ تسليم الرضا لله تعالى يعني سلامة قلب المسلم وصدره تجاه ربه، وفهمه لطبائع هذا الوجود وسننه وغايته كما أراده الله تعالى وإذعانه لذلك. فلا يسخط على كون هذه الدار دار اختبار، ولا على أنّ الله تعالى خلقه، أو اختار له زمانًا وسياقًا غير الذي كان يتمنّى.
التسليم لله تعالى لا يدعو أبدًا للتخاذل، بل هو الباعث على القوة والثبات وحسن العملكذلك لا يعني الرضا عن الله تعالى وتقديره اتخاذ ذلك حجّة للتقاعس وترك العمل وفتور الهِمّة، بل وإقرار كلّ ما يجري حول العبد، معروفًا كان أم مُنكرًا، بحُجّة أنه قَدَر مكتوب! ولا هو ينافي إصلاح المعوّج من السعي أو مراجعة النفس في تقصيرها، بحجّة أنّ خاتمته مقرّرة عند الله تعالى! فتلك كلها مساحات حركة العبد في عبوديته، والتصرّف مع مختلف الأقدار والأحوال - التي تقع بأمر الله تعالى - على الوجه الذي أمَرَ به الله تعالى. وفي تفسير قوله تعالى على لسان سيدنا يعقوب لمّا بلَغَه نبأ فقد يوسف فقال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} ، جاء في تعريف الصبر الجميل أنه: "صبر لا شكوى فيه " ؛ "هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى؛ وقيل: المعنى لا أعاشركم على كآبة الوجه وعُبوس الجبين، بل أعاشركم على ما كنت عليه معكم" . والصَّبر في اللغة: "حَبْسُ النَّفْسِ عِنْدَ الْجَزَعِ" ؛ وفي الشرع: إمساك النفس عند مواطن الشدّة والجَزَع عن أن يَصدُر منها ما يصدُر من جَزوع هَلوع، كالصراخ والنياحة واللطم والنّدْب... . ومما ورد في أقوال السلف في تعريف الصبر: "ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله تعالى" ؛ "حبس النفس عن محارم الله تعالى، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره" ؛ "ثبات القلب على ما تقتضيه الأحكام القَدَريّة والشرعيّة" ؛ "عن بعض أصحاب سُفيان الثَّوْري أنه قال: ثلاث من الصبر: ألا تحدّث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك" .
لا يتعارض الابتلاء مع كرامة العبد، بل يقيم فيه كرامة العبودية إذا قام فيه بأمر الله تعالىومما يعين على الصبر الجميل، الحرص على تذكير النفس بنعم الله تعالى الحاضرة التي لا يخلو منها أحد مهما اشتدّ ابتلاؤه، وتقليب الخاطر فيما يستثير في النفس حمد الله تعالى وشكره بصدق. ولو لم يجد المؤمن إلا نعمة الإسلام لكفى بها نعمة، ولَقَصُر دونها شُكرُه! فأي بلاء أعظم من أن يُختم لامرئ على كفر ويُخلَّد بسببه في عذاب مقيم؟! وأي بلاء لا يعوِّضه عظيم ما أعدَّ الله تعالى في الآخرة من ثواب دائم ونعيم دائب، يَصُبّه صبًّا على المؤمن الصابر المحتسب في الدنيا؟! وإذن، لا يتعارض الابتلاء مع كرامة العبد، بل يقيم فيه كرامة العبودية إذا قام فيه بأمر الله تعالى. وإنه ليس في الدنيا جزاء أَوْفَى حقيقة على كل حال، فكلّ جزاء ليس سوى امتحان جديد، سواء كان نعمة أم ابتلاء، حتى تُوضَع الموازين القِسطُ ليوم القيامة، فلا تُظلَم نفسٌ شيئًا ولو مثقال ذرَّة. فالحمد لله تعالى الذي لا تضيع عنده مَظْلَمَة، ولا تُظلم مَكْرَمة.
الوسوم:
تاريخ النشر: ٧ سبتمبر ٢٠٢٥ في ٠٦:٣١ ص
آخر تحديث: منذ 4 ساعات
مختارات من خواطر تربوية
عن الكاتب
هدى عبد الرحمن النمر
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.
عرض الملف الشخصي ←


