
الأخذ بمشورة المرأة ورأيها
كثرت ظاهرة امتناع الرجال – خاصة الأزواج – عن طلب مشورة نساء أهل البيت أو حتى الاستماع لفكرهن ورأيهن، متأثرين بما انتشر في العرف من مقولات تحطّ من شأن مشورة المرأة ورجاحة رأيها بإطلاق باعتبار جنسها – أي من حيث هي أنثى – مثل: "شاوروهنّ وخالفوهنّ"، أو "طاعة المرأة ندامة".
والحق أنها مقولات لا أصل لها شرعًا، بل جاءت النصوص الشرعية والمواقف التاريخية بعكس ذلك. فسِيَر نبينا صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من بعده عامرات بمواقف الاستماع للمرأة والأخذ عنها والإفادة منها، دون اتخاذ التعصب الجنسي ذريعة لتحقيرها أو تحريج اتباع الحق من طريقها.
من ذلك مثلًا:
مشورة السيدة أم سلمة عليها الرضوان في صُلح الحديبية، كما يرويها البخاري في صحيحه: "... فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا".
ورد في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر، و"تاريخ المدينة" لابن شبّة: "عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ الْجَارُودُ الْعَبْدِيُّ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ بَرْزَةٍ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، أَوْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: هِيهْ يَا عُمَرُ، عَهِدْتُكَ وَأَنْتَ تُسَمَّى عُمَيْرًا فِي سُوقِ عُكَاظٍ تُصَارِعُ الصِّبْيَانَ، فَلَمْ تَذْهَبِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى سُمِّيتَ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ تَذْهَبِ الْأَيَّامُ حَتَّى سُمِّيتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ خَافَ الْوَعِيدَ قَرُبَ مِنْهُ الْبَعِيدُ، وَمَنْ خَافَ الْمَوْتَ خَشِيَ الْفَوْتَ، فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ الْجَارُودُ: هِيهْ، فَقَدْ أَكْثَرْتِ وَأَبْكَيْتِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْهَا: أَوَمَا تَعْرِفُ هَذِهِ؟ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الَّتِي سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَهَا مِنْ سَمَائِهِ، فَعُمَرُ وَاللَّهِ أَجْدَرُ أَنْ يَسْمَعَ لَهَا".
ذكر القرطبي في بيان حكمة بِلْقِيس ملكة سبأ وحسن سياستها، في تفسير قوله تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} : "أي إني أجرّب هذا الرجل بهديّة، وأعطيه فيها نفائس من الأموال، فإن كان ملكًا دنياويًّا أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبيًّا لم يُرضِه المال ولازَمَنا في أمر الدين، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة أكثر الناس في تفصيلها... قَالَ قَتَادَةُ: يَرْحَمُهَا اللَّهُ إِنْ كَانَتْ لَعَاقِلَةً فِي إِسْلَامِهَا وَشِرْكِهَا، قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ الْهَدِيَّةَ تَقَعُ مَوْقِعًا مِنَ النَّاسِ". فهذا العقل الراجح والحكمة الكبيرة التي أجمع المفسرون والمؤرخون على أن بلقيس حازتهما، قاداها في نهاية المطاف إلى الإذعان للحق والإيمان بالله جل وعلا، والاعتراف بقبح ما كانت عليه من الشرك: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، بل وكانت سببًا في هداية قومها أجمعين. وهذا مصداق ما سبق شرحه في قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: "خِيارُكم في الجاهلية خِيارُكم في الإسلام إذا فقهوا".
وجاء في "بلاغات النساء" لابن طيفور خطبة بديعة لأم البنين زوجة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وأخت عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهي ترد على الحجاج بن يوسف الثقفي. إذ وفد الحجاج يومًا على الخليفة الوليد، فكان مما قاله له: "يا أمير المؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة. فلا تطلعهنّ على سرك ولا مكايدة عدوك، ولا تطمعهنّ في غير أنفسهن، ولا تشغلهن بأكثر من زينتهن، وإياك مشاورتهن في الأمور...". فوصل كلامه إلى أم البنين، فاستدعته بعد أن خرج من عند أمير المؤمنين، فلما حضرها أسمعته كلامًا لاذعًا، جاء فيه:
"إيهٍ يا حجاج! أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير وابن الأشعث! أما والله لولا أن الله جعلك أهون خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة، ولا بقتل ابن ذات النطاقين وأول مولود ولد في الإسلام. وأما ابن الأشعث فقد والله والى عليك الهزائم حتى لذتَ بأمير المؤمنين عبد الملك، فأغاثك بأهل الشام وأنت في أضيق من القرن، فأظلتك رماحهم وأنجاك كفاحهم، ولولا ذلك لكنت أذل من النقد . وأما ما أشرت به على أمير المؤمنين من ترك لذاته والامتناع من بلوغ أوطاره من نسائه، فإن كن ينفرجن عن مثل ما انفرجت به عنك أمك فما أحقه بالأخذ عنك والقبول منك! وإن كن ينفرجن عن مثل أمير المؤمنين فإنه غير قابل منك ولا مصغٍ إلى نصيحتك. قاتل الله الشاعر وقد نظر إليك وسنان غزالة الحرورية بين كتفك حيث يقول: أسد عليَّ وفي الحروب نعامة ** ربداء تجفل من صفير الصافر!".
فلما خرج الحجاج من عندها، لقيه الوليد بن عبد الملك، فقال: "يا أبا محمد، ما كنتَ فيه؟". فقال الحجاج: "والله يا أمير المؤمنين ما سكتتْ حتى كان بطن الأرض أحب إلي من ظاهرها!" فضحك الوليد حتى فحص برجله ، ثم قال: "يا أبا محمد، إنها بنت عبد العزيز!".
وكذلك وردت في القرآن الكريم نماذج من مشورات النساء الراجحة والفيصلية تاريخيًّا، كمشورة امرأة فرعون: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} ، ومشورة أخت سيدنا موسى عليه السلام: {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} ، ومشورة ابنة سيدنا شعيب عليه السلام: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} . وقرر الشرع التشاور في فطام الرضيع: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} .
وجاء في "كتاب العلم" في "صحيح البخاري" في باب "من سمع شيئًا فلم يفهمه فراجع حتى يعرفه": "حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ". قَالَتْ عَائِشَةُ: "أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}؟". فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ". وجاء في شرح الحديث في "عمدة القاري" للعيني: "فِيهِ بَيَان فَضِيلَة عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، وحرصها على التعلّم والتحقيق، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتضجر من المراجعة إليه".
والخلاصة أنه لا حرج على المرأة أن تبدي رأيها وأن تناقش وتناظر وتستدلّ وتخطّئ من تعلم خطأه، ما دام ذلك في حدود الآداب الشرعية والمشروعة، ولا حرج أن يؤخذ بكلامها ورأيها وعلمها ما وافق الحق، مصداق قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: "الحِكْمةُ ضالَّةُ المؤمنِ، من حيثما وجدها أخذ بها" .
___________________
مراجع
تفسير القرطبي.
"فتح الباري شرح صحيح البخاري"، لابن حجر.
"الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، لابن عبد البر.
"تاريخ المدينة"، لابن شبّة.
"بلاغات النساء"، لابن طيفور.
الوسوم:
تاريخ النشر: ١٦ سبتمبر ٢٠٢٥ في ٠٣:٠٤ م
آخر تحديث: منذ 4 ساعات
مختارات من خواطر تربوية
عن الكاتب
هدى عبد الرحمن النمر
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.
عرض الملف الشخصي ←


