الوعي المركّب وصناعة القرار في زمن الاضطراب
بصائر الفكر
منذ يومين
٣٣ مشاهدة
11 دقيقة قراءة

الوعي المركّب وصناعة القرار في زمن الاضطراب

اكتسب فقه الواقع أهمية لا تقدّر بثمن في زمن الاضطراب. اكتشف كيف يوجه الوعي المركّب صناعة القرار ويمكّن من فهم الأحداث بعُمق وتحليل دقيق

في الأزمنة المستقرة يمكن للأفكار أن تُدار بهدوء، وأن تُختبر بعيدًا عن ضغط اللحظة، لكن في لحظات التحول التاريخي، حيث تتغير التوازنات، وتتداخل المصالح، وتضطرب المعايير، يصبح الوعي بالواقع شرطًا وجوديًا لا مجرد أداة معرفية. وهنا يبرز فقه الواقع بوصفه ذلك الجسر الدقيق الذي يصل بين ثبات المبادئ وسيولة الأحداث، بين النص بوصفه مرجعية، والواقع بوصفه مجال تنزيل.

غير أن الإشكال لا يكمن في غياب الواقع، بل في طريقة قراءته؛ إذ إن كثيرًا من الأزمات الفكرية والعملية لا تنشأ من نقص المعلومات، بل من سوء تأويلها، أو من إخضاعها لاعتبارات نفسية وعاطفية تُلبس الشعور ثوب الحقيقة. ومن هنا فإن الحديث عن فقه الواقع لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة للتكيّف السلبي، بل بوصفه دعوة لإعادة بناء العلاقة بين المعرفة والفعل، بين الفهم والقرار.

 فقه الواقع كوعي مركّب في زمن التحولات

إن فقه الواقع في جوهره ليس مجرد معرفة وصفية بالأحداث، بل هو وعي تحليلي مركّب يتجاوز السطح إلى العمق، ويبحث في البنى التي تحكم الظواهر لا في مظاهرها فحسب. فالواقع ليس صورة ثابتة تُلتقط من زاوية واحدة، بل هو شبكة معقدة من العلاقات والقوى والتفاعلات التي تتطلب قراءة متعددة الأبعاد. وفي ظل التحولات السياسية المتسارعة، وإعادة تشكيل موازين القوى، لم يعد من الممكن الاكتفاء بالنظر إلى الأحداث بوصفها وقائع منفصلة، بل ينبغي فهمها ضمن سياقاتها الأوسع، وربطها بمقدماتها ونتائجها المحتملة.

الواقع ليس صورة ثابتة تُلتقط من زاوية واحدة، بل هو شبكة معقدة من العلاقات والقوى والتفاعلات التي تتطلب قراءة متعددة الأبعاد

إن اتخاذ القرار في مثل هذه البيئات لا يمكن أن يقوم على الانطباع أو الاندفاع، بل يحتاج إلى عقل يزن الأمور بميزان دقيق، ويقرأ الواقع من جميع زواياه، لا من الزاوية التي توافق ميوله أو تؤكد قناعاته المسبقة. فالمشكلة التي يعاني منها كثير من الفاعلين في المجال العام في الحركات الإسلامية خصوصاً أنهم لا يقرأون الواقع كما هو، بل كما يشعرون به؛ فيسقطون رغباتهم أو مخاوفهم عليه، ثم يبنون مواقفهم على هذا الإسقاط. وهنا يتحول الشعور إلى معيار، وتُستبدل الموضوعية بالانتقائية، فيغيب الفهم الحقيقي، ويُبنى القرار على أساس هش.

ومن هنا فإن فقه الواقع يقتضي تحرير النظر من الانحيازات النفسية، والقدرة على رؤية الصورة الكلية، حتى لو خالفت التوقعات أو الآمال. فالواقع لا يُلزم بأن يكون مطابقًا لما نريده، بل يفرض علينا أن نفهمه كما هو، ثم نتعامل معه وفق ما يقتضيه هذا الفهم. وفي هذا السياق، لا يكون الحذر ضعفًا، ولا التريث ترددًا، بل يكونان تعبيرًا عن وعي عميق بتعقيد اللحظة، وإدراكًا بأن القرارات المصيرية لا تُقاس بمدى انسجامها مع العاطفة، بل بقدرتها على تحقيق المصلحة وتقليل الضرر.

إن فقه الواقع يقتضي تحرير النظر من الانحيازات النفسية، والقدرة على رؤية الصورة الكلية، حتى لو خالفت التوقعات أو الآمال

بين فهم الواقع والتماهي معه: التمييز الضروري

من أبرز الإشكالات التي تبرز عند الحديث عن فقه الواقع ذلك الخلط بين فهم الواقع والتماهي معه، حيث يُنظر إلى أي محاولة لمراعاة الظروف أو تقدير المآلات على أنها نوع من النفاق أو التنازل. وهذه قراءة قاصرة؛ لأنها تختزل التعقيد في ثنائية حادة: إما ثبات مطلق، أو تسيّب كامل. والحقيقة أن التعامل مع الواقع لا يعني الخضوع له، كما أن الالتزام بالمبدأ لا يعني تجاهل شروط تنزيله.

إن الفرق بين الفهم والتماهي فرق دقيق لكنه حاسم. فالفهم هو أن تدرك طبيعة الواقع، وتحدد موقعك فيه، وتختار الوسائل التي تحقق مقاصدك ضمن حدوده الممكنة. أما التماهي فهو أن تفقد معيارك، وتذوب في الواقع حتى تصبح جزءًا من منطقه لا ناقدًا له. الأول فعل واعٍ، والثاني انزلاق غير محسوس. الأول يقتضي يقظة فكرية، والثاني ينتج عن غفلة أو تبرير.

ولذلك فإن فقه الواقع لا يعلّم الإنسان كيف يتلوّن، بل كيف يميّز. يميّز بين ما يجب إعلانه وما ينبغي تأجيله، بين ما يُقال لأنه حق، وما يُقال لأنه نافع في سياقه، بين الثابت الذي لا يُمس، والمتغيّر الذي تحكمه القدرة والظروف. وهذا التمييز لا يمكن أن يتحقق دون إدراك عميق للمآلات؛ لأن كثيرًا من القرارات التي تبدو صحيحة في ظاهرها قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم تُقدّر آثارها بعناية.

وفي السياق السياسي، حيث تتشكل التحالفات وفق منطق المصالح لا القيم المجردة، يصبح هذا التمييز أكثر إلحاحًا. فالتحالف ليس بالضرورة تعبيرًا عن انسجام فكري، بل قد يكون خيارًا مرحليًا تفرضه موازين القوى. وهنا يظهر دور فقه الواقع في قراءة هذه التحالفات، وفهم دوافعها، وتقدير آثارها، دون الوقوع في وهم الطهارة المطلقة أو في فخ التبرير الكامل. إن الوعي الحقيقي لا يرفض الواقع لأنه لا يوافقه، ولا يقبله لأنه مفروض، بل يتعامل معه بوصفه معطًى يجب فهمه قبل الحكم عليه.

إنّ فقه الواقع لا يعلّم الإنسان كيف يتلوّن، بل كيف يميّز. يميّز بين ما يجب إعلانه وما ينبغي تأجيله، بين ما يُقال لأنه حق، وما يُقال لأنه نافع في سياقه، بين الثابت الذي لا يُمس، والمتغيّر الذي تحكمه القدرة والظروف

 بين المسؤولية والترف الفكري: إشكالية الفعل والتوصيف

في البيئات الحركية والفكرية، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في التمييز بين التعامل مع الواقع بوصفه مسؤولية، والتعامل معه بوصفه موضوعًا للتوصيف النظري. فليس كل من تحدث عن الواقع قد فقهه، وليس كل من وصف الظواهر قد امتلك القدرة على التعامل معها. إن ثمة فرقًا بين من يعيش الواقع بوعي المسؤولية، ومن يراقبه من موقع التحليل المجرد.

إن من يتحمل مسؤولية الفعل يدرك أن كل كلمة قد تكون لها تبعات، وأن كل موقف قد يُفسر بطرق متعددة، وأن المجال العام ليس فضاءً محايدًا، بل ميدانًا تتقاطع فيه المصالح والتأويلات. ولذلك فإنه يتعامل مع الواقع بحذر، لا بدافع الخوف، بل بدافع الإدراك. أما من يعيش في دائرة الترف الفكري، فإنه يتعامل مع الواقع بوصفه مادة للتحليل، فيكثر من التوصيف، ويُغرق في إطلاق الأحكام، دون أن يتحمل كلفة ذلك.

وهنا تكمن إشكالية عميقة: إذ قد يتحول الخطاب الفكري إلى بديل عن الفعل، فتُستهلك الطاقة في إنتاج اللغة بدل توجيهها نحو التغيير. ويظن بعضهم أن تسمية الأشياء بأسمائها كافٍ لتغييرها، أو أن حدة التعبير دليل على صدق الموقف. غير أن الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فالفعل في الواقع لا يُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرته على التأثير ضمن الشروط القائمة.

إن فقه الواقع في هذا السياق يفرض على الفاعل أن يوازن بين وضوح الموقف وتقدير تبعاته، بين الرغبة في التعبير والقدرة على التحمل، بين الصدق في القول والحكمة في التوقيت. فليست كل حقيقة تُقال في كل ظرف، وليست كل مواجهة ممكنة واجبة، بل إن الحكمة تقتضي أحيانًا تأجيل ما لا يمكن تحقيقه، أو اختيار أسلوب أقل صدامًا لتحقيق غاية أبقى.

ليست كل حقيقة تُقال في كل ظرف، وليست كل مواجهة ممكنة واجبة، بل إن الحكمة تقتضي أحيانًا تأجيل ما لا يمكن تحقيقه، أو اختيار أسلوب أقل صدامًا لتحقيق غاية أبقى

ختاماً.. إن فقه الواقع، في أعمق معانيه، ليس مجرد معرفة بما يجري، بل هو معرفة بما ينبغي فعله إزاء ما يجري، وكيف، ومتى، وبأي كلفة. وهو بذلك يتجاوز حدود الفهم إلى مجال الفعل، ويحوّل الإدراك إلى قرار. وفي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتعقد فيه العلاقات، يصبح هذا الفقه ضرورة لا غنى عنها لكل من يسعى إلى التأثير، لا الاكتفاء بالمشاهدة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك المعلومة، بل في القدرة على قراءتها قراءة صحيحة، ولا في إعلان الموقف، بل في اختيار اللحظة المناسبة له. ومن هنا فإن فقه الواقع ليس دعوة إلى التنازل، بل دعوة إلى الوعي، وليس تبريرًا للجمود، بل أساسًا للحركة الرشيدة. وبين الشعور والواقع، وبين المبدأ والتطبيق، وبين الفهم والفعل، تتحدد قيمة القرار… ويتحدد مصير الفاعلين.

 

تاريخ النشر: منذ يومين

آخر تحديث: منذ ساعة