الدعاء في زمن المحن: بين القوة والسلبية
خواطر تربوية
منذ 18 ساعة
١٧ مشاهدة
8 دقيقة قراءة

الدعاء في زمن المحن: بين القوة والسلبية

في محنة الأمة الإسلامية الراهنة؛ الأمة الإسلامية السُنّية، التي تتبع مذهب أهل السنة والجماعة، المذهب الذي دستوره القرآن والسنة بفهم الصحابة وسلف هذه الأمة في القرون الثلاثة الأولى، والتي أشاد بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشهير الذي رواه البخاري ومسلم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، نجدها دائمًا بلا عمل يُذكر في أحداث العالم، إلا المشاهدة والمتابعة، أو الإدانة والاستنكار على أقصى تقدير.

مع أن الأمة في كثير من هذه الأحداث العالمية، التي تكون فيها مجرد مشاهد متابعة، تكون أكثر البلدان والأمم تأثرًا بها. بل إن بعض هذه الأحداث لا تكون إلا صراعًا بين المتصارعين على الاستئثار باستعباد الأمة الإسلامية السنية، ونهب ثرواتها، والسيطرة على مقدراتها ومقدساتها. وحال الأمة الإسلامية السنية مع مثل هذه الصراعات على استعبادها ونهبها، لا يكون إلا المشاهدة والمتابعة، أو الإدانة والاستنكار على أقصى تقدير.

وبتجاوز الكلام عن وجوب أن تكون الأمة فاعلة لا مفعولًا بها في مثل تلك الأحداث، وعن وجوب أن تكون مبادرة لا مستسلمة للطامعين فيها، نتحدث، آسفين، عن ما يجب عليها في ظل عجزها التاريخي من توجيه إداناتها واستنكاراتها، ومن توجيه دعائها ورجائها.

نسأل: هل يجب علينا نحن أمة الإسلام؛ أمة العجز والاستسلام، أن يكون دعاؤنا في مثل تلك الصراعات: (اللهم أهلك الظالمين بالظالمين) أم (اللهم انصر أحب الفريقين إليك)؟

فأما دعاء (اللهم أهلك الظالمين بالظالمين)، فإنه لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من صحابته، وقد أورده بعضهم منسوبًا إلى بعض السلف، حيث كانوا يقولون: (اللهم اشغل الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين).

هو دعاء طيب المعنى، رغم أن بعض الدعاة يهاجمونه، ويرون أنه دعاء دال على العجز والسلبية التي سيطرت على الأمة. وقد كان يجب عليها أن تقوم لترد بيديها الظالمين من هنا ومن هناك، وألا تنتظر أن يرد هؤلاء أولئك عنها أو يرد أولئك هؤلاء.

هذا الدعاء مقبول طيب المعنى، ويشهد له ولصحة معناه، مع الرواية السابقة عن بعض السلف، ما جاء في كتب بعضهم من غير أن يكون حديثًا مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لينتقم من الظالم بالظالم". وما روي عن الإمام مالك: "ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما". وما روي عن مالك بن دينار: "قرأت في الزبور: إني أنتقم بالمنافق من المنافق، ثم أنتقم من المنافقين جميعًا".

هذا الدعاء مقبول المعنى وطيب، لكنه له وقته وزمانه وحالته التي يصح فيها، من غير أن يكون صالحًا لكل حالة أخرى.

أما الدعاء الثاني، وهو (اللهم انصر أحب الفريقين إليك) أو (اللهم انصر أقرب الفريقين إليك)، فهو دعاء قاله أبو جهل في غزوة بدر، لما هم الفريقان بالحرب، فرفع بصره إلى السماء ودعا بهذا الدعاء.

أبو جهل المشرك، لما احتدم الأمر واحتاج للعون والنصرة، نسي ما أشركه مع الله من الأصنام، ولم يدع إلا الله، طالبًا منه أن ينصر أحب الفريقين إليه وأقربهم له… وأي فريق سيكون أحب إليه وأقرب له؟ الفريق الذي أشرك معه الأصنام أم الفريق الذي أفرده وحده بالإيمان والعبادة؟

استفتح أبو جهل والمشركون بهذا الدعاء قبل بدء المعركة في غزوة بدر، والتي قال الله فيها: "إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح" (سورة الأنفال، آية 19). ففتح الله عز وجل على عباده الصالحين فتح الظفر والانتصار، وفتح على الكافرين المشركين فتح الهزيمة والانكسار.

في كل معركة هناك من هم أقرب إلى الله ومن هم أبعد عنه. حتى في معارك الكفار بينهم وبين بعضهم، هناك من هو الأبعد عن الله والأشد كفرًا وإشراكًا. وعلى المؤمنين دائمًا أن يفرحوا بنصر الله للأقرب إليه، كما حدث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم عندما انتصر الفرس على الروم في معركةٍ، فأخبرهم الله تعالى أن الروم سيعودون للانتصار على الفرس، وأن المؤمنين حينها سيفرحون بنصر الله، الذي يكتبه للروم أهل الكتاب على الفرس المجوس عبّاد النار، وقد سُجل ذلك في الآيات الأولى من سورة الروم: "الم غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم".

يفرح المؤمنون بنصر الله للروم أهل الكتاب مع ما هم فيه من تحريف وتزييف لدينهم وكتابهم، لأنهم أقرب إلى الله وأقرب إليهم ممن يعبدون النار ويتوجهون لها بالعبادة والدعاء.

معركة الحق والباطل التي لا دخان فيها هي معركة المسلمين من غير أهل البدع والأهواء مع الكافرين والمشركين، وهي التي ندعو فيها أن ينصر الله الحق الذي نعرفه معرفة يقينية على الباطل الذي نعرفه أيضًا معرفة يقينية.

ومعركة الكفار والمشركين مع بعضهم، حتى مع تفاوت البعد عن الله بين أطرافها المتحاربة، هي التي يصح أن ندعو فيها ونقول: (اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين).

أما معركة الكفار والمشركين مع فريق من المسلمين، ففيها دخان اعتقاد باطل لأفكار جزئية لا تخرج عن دائرة الإسلام، ومن بدع وأهواء رغم هولها وشناعتها، إلا أنها لا تخرج أيضًا عن دائرة الإسلام. فهذه هي المعركة التي يصح أن ندعو فيها: (اللهم انصر أحب الفريقين إليك، أو اللهم انصر أقرب الفريقين إليك).

إن كان فريق المسلمين الذي في إسلامه دخان، ويحارب الكفار والمشركين، فريقًا ظالمًا لأمة الإسلام السنية، معتديًا عليها ومحاربًا لها هنا وهناك، فإنه يجوز لأمة الإسلام السنية أن تدعو في هذه الحالة: (اللهم أهلك الظالمين بالظالمين)، أو أن ترى أن كسر الله للكفار والمشركين بفريق المسلمين هذا، على ما فيه من دخان، هو أولى الأولويات في هذا الوقت، وحينها تدعو وتقول: (اللهم انصر أقرب الفريقين إليك، ثم اكفنا بما شئت وكيف شئت).

والله غالب على أمره، ينصر من يشاء، ويفعل ما يشاء.

تاريخ النشر: منذ 18 ساعة

آخر تحديث: منذ 30 دقيقة