لماذا نكره وظائفنا وأعمالنا؟!
حصاد الفكر
١٦ مايو ٢٠٢٦
٩١ مشاهدة
25 دقيقة قراءة

لماذا نكره وظائفنا وأعمالنا؟!

بقلم: سلطان بركاني

احتفلت جلّ دول العالم، الجمعةَ الماضية، بيوم العمّال الموافق للفاتح من شهر ماي، وتحدّثت منابر الأمّة عن فضل العمل وعن واجبات العمّال وحقوقهم.. والحقّ أنّ الحديث في هذا الموضوع من الأهمية بمكان، متى ما كان صادقا، منطلقا من الواقع الذي يعيشه العمّال ويكابدونه، مشيرا إلى مواطن العوج والخلل، من دون مجاملة لأيّ جهة أيا كانت مسؤوليتها.

الواقع الذي نعيشه ونراه، يدلّ بكلّ وضوح أنّ مجتمعنا -الذي هو جزء من العالم الثالث- ينقسم إلى فئتين: فئة لا تعمل إمّا لأنّها لم تجد عملا أو لأنّها تشترط عملا بمواصفات أهمّها أن يكون قليلا غرمه كثيرا غنمه.. وفئة أخرى تعمل لكنّها لا تعطي العمل حقّه، فئة عاملة لكنّها ملّت العمل وكرهته وصارت تؤدّيه على غير الوجه المطلوب!

نبدأ بالحديث عن الفئة الثانية التي تعمل لكنّها تكره العمل ولا تؤدّيه كما هو مطلوب، وهي السّمة الغالبة لأكثر العمّال الذين تمثّل ساعات العمل أثقل الساعات على قلوبهم؛ تراهم في وظائفهم -إن كانوا موظّفين- وجوههم عابسة وألسنتهم متأففة شاكية، يتهرّبون من خدمة الناس ويتعاملون معهم بكلّ جفاء واستعلاء.. وتراهم في متاجرهم -إن كانوا تجارا- يتعاملون مع الزبائن كأنّهم متسوّلون يطلبون الصّدقات.. وتراهم في حرفهم -إن كانوا أصحاب حرف- يعاملون النّاس بالمنّ والأذى كأنّما يقطّعون للنّاس من لحومهم وكأنّهم أرباب تلك الحرف التي يعملون فيها؛ لا يطالَبون بإتقان ولا يحاسَبون بضمان!

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بإلحاح في هذا المقام: لماذا نكره أعمالنا ووظائفنا التي نكسب منها أرزاقنا؟ لماذا نتعامل مع ساعات العمل كأنّها ساعات سجن مع الأشغال الشاقّة؟ لماذا لا نسمع من أغلب العمّال إلا هذه العبارة: “كرهت هذا العمل”؟ يقضي الواحد منّا سنواتٍ من عمره بحثا عن العمل، ويجفّ ريقه لهثا خلفه، ويستعين بالوساطات لأجل أن يظفر بأيّ منصب مهما كان نوعه ليخرج من دوامة البطالة، لكنّه ما أن يجد عملا حتى يكرهه ويصبح المصدر الأوّل للإزعاج في حياته! ويتحوّل إلى مدمن على العطل! وربّما يتمادى في أخذ العطل المرضية إلى الحدّ الذي يجعله يأكل الحرام ويطعم أبناءه الحرام!

أسباب هذا الواقع كثيرة، منها ما يرجع إلى نفوسنا، ومنها ما يرجع إلى ظروف العمل التي نعيشها خاصّة في دول العالم الثالث.

نفوس كليلة أدمنت الرّاحة!

السّبب الأوّل الذي جعلنا نكره العمل، هو نفوسنا الكليلة التي تحبّ الرّاحة ومتابعة التفاهات، وتستهويها جلسات القيل والقال ومراقبة الآخرين، وتكره كلّ ما هو جديّ يحتاج إلى جهد وتعب، سواءٌ كان عملا للدّنيا أو عملا للآخرة أو لهما معا. لذلك فالنفس التي تكره العمل هي ذاتها النفس التي تتعامل مع الصلاة بتثاقل وكسل، وهي النفس التي يقودها صاحبها إلى صلاة الجمعة بصعوبة، وهي النفس التي لا تطاوع صاحبها في إخراج صدقة أو إعانة محتاج، وهي النفس التي تقول لصاحبها: “اتركه لوقت آخر” كلّما أراد أن يصلح شيئا في بيته أو ينظّم شيئا في مكان عمله!

نفوسنا نفوس أرضية تكره العمل وتحبّ البطالة والكسل، وإذا لم ننتبه لها ونجاهدْها ونخالف هواها، فإنّنا لن نبني دنيانا ولا آخرتنا.. الصّلاة لوقتها تحتاج إلى مجاهدة للنّفس، والسّعي في الأرض لكسب الرزق يحتاج إلى مجاهدة للنفس ومخالفة لهواها، والقيام على العمل الذي يكسب العبد منه راتبه ورزقه يحتاج إلى مجاهدة للنفس، وإلا فإنّ العبد إذا ركن لنفسه وأطاعها سيسقط في منحدر أكل الحرام حتى يبلغ آخره.

كثير من شبابنا هذه هي مشكلتهم الأساسية؛ نفوسهم أصبحت مدمنة على الراحة والبطالة والنوم، لذلك ترى الواحد منهم يختلق أتفه الأسباب وأوهاها ليرفض كلّ عمل يعرض عليه؛ لا تسمعه إلا وهو يقول: “لن أعمل عند فلان.. لن أعمل بأجرة يومية قدرها 1500 دينار.. لن أباشر عملا يبدأ الساعة الخامسة صباحا…”! يرضى الواحد منهم لنفسه أن يتسوّل فنجان قهوة من هذا وسيجارة دخان من ذاك، ولا يرضى أن يعمل بأجرة متواضعة!

ولله در أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حين قال:

لحمل الصخر من قمم الجبال * أحب إلي من مِنن الرجال

يقول الناس لي في الكسب عار * فقلت: العار في ذل السؤال.

لو نظر شبابنا بعقولهم إلى كثير من أترابهم الشباب الناجحين الذين توسّعت تجاراتهم وامتلكوا مساكن وسيارات، لوجدوا أنّ كثيرا من هؤلاء الشباب الناجحين في بداياتهم كانوا يعملون عند النّاس بأجور جدّ متواضعة.. الفرق أنّ أولئك الشباب الناجحين خالفوا أنفسهم، بينما كثير من شبابنا القاعدين أصغوا لأنفسهم وأطاعوها.

حينما ننسى أنّ العمل شرف وعزّ وعبادة

السّبب الثاني الذي جعلنا نكره العمل، هو أنّنا ننسى ونغفل عن حقيقة مهمة في ديننا هي أنّ العمل واجب وعزّ شرف وعبادة وطاعة لله، وأنّ الجلوس عن طلب العمل معصية للخالق ومذلّة بين المخلوقين.. ربّ العزّة -جلّ وعزّ- حينما تحدّث عن فرض صلاة الجمعة قال بعده مباشرة: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)) (الجمعة: 10). هذا في يوم الجمعة الذي هو يوم عيد ويوم طاعة ودعاء؛ كيف بغيره من الأيام؟! بل حتّى في الحجّ الذي هو رحلة روحية يرجو العبد أن يرجع بعدها من ذنوبه كيوم ولدته أمّه؛ قال الله: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين)) (البقرة: 197- 198).. وقبل هذا وذاك، أعطانا النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- مثالا من أظهر الأمثلة على أهمية العمل والسعي في طلب الرزق بسيرته؛ فكان ثالث أهمّ عمل قام به النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- بعد هجرته وبعد بناء المسجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، هو افتتاح سوق المدينة، حيث عمد –عليه الصّلاة والسّلام- إلى مكانٍ فسيحٍ فاشتراه من صاحبه، وضرب فيه برجله، وقال: “هذه سوقكم؛ لا تتحجروا ولا يضرب عليه الخراج”.. أراد -عليه الصلاة والسلام- للمسلمين أن يكونوا أمّةَ سعي وعمل تستغني عن اليهود وعن الأمم الأخرى، وأراد لكلّ مسلم أن يكون ساعيا في كسب رزقه بالعمل كما يسعى في إجابة نداء خالقه بالصلاة.

وظلّ –صلوات ربّي وسلام عليه- يأمر المسلمين بالسعي في الأرض ويدفعهم إلى كسب أرزاقهم دفعا، ويرغّبهم في الأجور العظيمة التي جعلها الله للساعين والعاملين، حتّى قال –صلـى الله عليه وسلم- : «من أمسى كالاً من عمل يديه أمسى مغفورًا له» (رواه الطبراني)، وقال أيضا: “إن من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، ولكن يكفرها الهمم في طلب المعيشة”.. وعندما ظنّ بعض الصحابة أنّ التعب في عمل الدّنيا إهدار للصحة في غير طاعة الله، صحّح لهم النبيّ –عليه السّلام- ظنّهم بحديث خُلّد بأحرف من نور على صفحات كتب السنّة؛ فقد كان -صلى الـله عليه وسلم- جالسا –يوما- بين أصحابه، فنظروا إلى شاب قوي قد بكر يسعى في طلب رزقه، فقالوا: ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله، فقال –عليه الصّلاة والسّلام-: “لا تقولوا هذا، فإنه إن كان خرج يسعى على وُلدِه صغارًا فهو في سبيلِ الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيلِ الله، وإنْ كان خرج يسعى على نفسِه يعفُّها فهو في سبيلِ الله، وإنْ كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ” (رواه الطبراني).

وقد وعى الصحابة هذه الحقيقة جيدا، حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضـي الله عنه- يضرب الرّجال القاعدين والمتكاسلين عن العمل، ويقول: “لا يقعدْ أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم أرزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، واللهُ تعالى إنما يرزق الناس بعضهم من بعض، ويحبُّ الله العبد المؤمن النقيّ التقيّ المحترف”.

ونبيّ الهدى –عليه الصّلاة والسّلام- بحديثه آنف الذّكر قد جعل خطا فاصلا واضحا بين من يسعى في الأرض لا يرجو إلا الدّنيا والمباهاةَ بالمال الذي يجمعه والمتاع الذي يقتنيه، وربّما يلهيه العمل عن الصلاة وعن ذكر الله، وبين العبد الذي يخرج في طلب رزقه ويتعب ويعرق وهو يرجو أجرة الدّنيا وأجر الآخرة ولا يلهيه عمله عن الصلاة وعن ذكر الله.. وهذه الحقيقة هي واحدة من أهمّ الحقائق التي غابت عن أكثر المسلمين في هذا الزّمان، وكان غيابها سببها من أهمّ الأسباب التي جعلتهم يكرهون أعمالهم التي يكسبون منها أرزاقهم؛ لأنّهم لا يخلصون النية لله ولا يحتسبون أعمالهم أنّها طاعة لله.. نعم، العمل الذي لا يلهي العبدَ عن الصلاة وعن ذكر الله هو في حدّ ذاته طاعة لله أجرها عظيم عند الله، بل وأعظمُ أجرا من كثير من نوافل العبادات.

يقول الله –تعالى-: ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ))، ويقول الحبيب الشفيع –عليه الصّلاة والسّلام-: “إنَّكَ لن تُنْفِقَ نفقةً تبتَغي بها وجهَ اللهِ -عزَّ وجلَّ- إلَّا أُجِرْتَ بها حتَّى ما تجعلُ في فَمِ امرأتِك” (البخاري ومسلم)، ويقول أيضا: “دينارٌ أنفَقتَه في سبيل الله، ودينار أنفَقتَه في رقَبة، ودينار تَصدَّقتَ به على مسكين، ودينارٌ أنفَقتَه على أهلِك، أعظَمُها أجرًا الذي أنفَقتَه على أهلِك” (رواه مسلم).. فيا الله! كم من الأجور نضيّع حينما لا نخلص النية في أعمالنا! وكم من الحسنات يفوتنا كلّ يوم حينما نكره أعمالنا ونذهب إليها ونحن لها كارهون!

من الأسباب التي جعلتنا نكره أعمالنا –إضافة إلى ما ذُكر في الحلقة السابقة– أنّنا نخلط الحرام بالحلال؛ فالتاجر يغش في تجارته فيعرض الجيّد ويزن من الرّديء ويصف سلعته بما ليس فيها. والموظّف يسرق من ساعات العمل ويتهرّب من أداء واجبه ويغيب لأتفه الأسباب. وصاحب الحرفة لا يتقن عمله ولا يؤدّيه كاملا في وقته ولا يضمن فيه وفي النهاية يطلب أجرته كاملة مقابل عمل منقوص وغير مضمون… ولقمة الحرام التي يستسيغها هؤلاء لها أثر عظيم وخطير في فقدان الإخلاص وفي كره العمل وفي غياب البركة من المال المكتسب.

زرع وحصاد!

من الأسباب –غير المباشرة والمهملة- التي جعلتنا نكره أعمالنا؛ المعاصي التي نقترفها بالليل والنهار؛ فالمعاصي تُوهن البدن وتبغّض الحلال إلى قلب العبد وتبعده عنه، وتحبّب إليه الحرام وتقرّبه منه: يقول النبي –صلـى الله عليه وسلم–: “إياكم والمعاصي، واعلموا أن العبد يُحرم الرزق بالذنب يصيبه وقد كان هُيئ له”… فالعبد الذي يبيت ليلته ينظر إلى الحرام في الهاتف، مثلا، يصبح كئيب النفس مُثقل البدن كارها لمن وما حوله، يجد لنفسه المبررات حتى لا يُتمّ عمله ويعبس في وجوه النّاس ويتبرّم من خدمتهم وأداء حقوقهم.

بريق الثراء السريع!

من الأسباب التي جعلتنا نكره أعمالنا؛ الأعمال المحرّمة السريعة التي ظهرت في زماننا، التي يكسب أصحابها أموالا كثيرة في أوقات قصيرة؛ مثلُ المتاجرة بالمخدّرات، أو السطو على المال العام وأملاك الدولة، أو أخذ الربا والرشوة…. فمن يحترفون هذه الأعمال المحرّمة يكسبون أموالا كثيرة في أوقات قصيرة، وكثير من شبابنا يغبطونهم على ما هم فيه، وما دروا أنّهم حرموا البركة وسلّطت عليهم الهموم والغموم وابتلوا في أنفسهم وأهليهم بابتلاءات لا تنفعهم معها الأموال، فما يأتي في النهار يأكله الليل. وحتى من استفادوا من الحرام فيما يظهر للنّاس فهم في خاصّة أنفسهم ودواخلهم يعانون ما الله به عليم.

المقارنات غير الموفّقة!

من الأسباب التي جعلتنا نكره أعمالنا؛ النظر إلى ما في أيدي الآخرين، ومقارنة الأرزاق بعضِها ببعض؛ فكلٌّ منّا يقارن رزقه برزق من هم فوقه، ولا يقارنه بمن هم دونه، لذلك يكره عمله ويلعنه، بل ربّما تجد شابا لم يتمّ دراسته يرجو أن يكون رزقه مثل رزق الطبيب الذي درس 15 سنة في الجامعة… ولو أنّنا فهمنا سنّة الله في تقسيم الأرزاق، وفهمنا أنّ الرزق الواسع ابتلاء وامتحان، مثله مثل الرزق القليل، لطابت نفوسنا. يقول الله تعالى: ((أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون))، ويقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “انظروا إلى من هو أسفلَ منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم، فإنه أجدَرُ أن لا تزدَروا نعمةَ اللهِ عليكم”.

على شبابنا خاصّة أن يفهموا أنّ الرزق الواسع له طريقان؛ الطريق الأوّل: العمل الدؤوب والتعب والصبر، والطريق الثاني: أكل الحرام والغشّ والسرقة… الأوّل عاقبته الخير والبركة مهما كان طويلا ومهما كان فيه من الصعوبات، والثاني عاقبته البلاء والسقوط… أمّا القعود والجلوس على قارعات الطّرق وفي المقاهي وأمام الهواتف فلا يأتي إلا بالهموم والغموم ولا يقود إلا إلى المهلكات، ولا يغرس في القلوب إلا الحسد.

عندما يصبح الإتقان عملة نادرة!

من الأسباب التي جعلتنا نكره أعمالنا، أنّنا لا نتقنها ولا نؤدّيها كما يجب، فنحن نعمل باعتقاد-يشبه اليقين- أنّ ما ننتجه لن تكون له قيمة كبيرة، وبالتالي نرى أنّه لا فائدة من هذا العمل… الموظّف لا يتقن عمله، وكلّما غاب المسؤول زاد تهاونه وتكاسله، وصاحب الحرفة لا يتقن عمله ولا ينصح للزبون ولا يكون أمينا على حاجته، والتاجر لا يصدق في تجارته….

ربّنا –جلّ وعلا- حذنا من أنّه يرى أعمالنا ويحصيها فقال -جلّ من قائل-: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون))، ونبيّه –عليه الصّلاة والسّلام- أخبرنا أنّ الله يحبّ إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه، ومع ذلك ننسى نظر الله إلينا ولا نهتمّ إلا بنظر المسؤولين، فنجوّد أعمالنا ونزيّنها عندما نسمع بزيارة لمسؤول من المسؤولين، ونهملها إذا غاب المسؤولون.

الحقوق الضائعة!

من الأسباب التي جعلتنا نكره أعمالنا؛ أنّنا ابتلينا بمن يأكل حقوقنا، من بعض المسؤولين الذين لا يتقون الله، وبعض أصحاب الأموال الذين لا يرجون لله وقارا… هناك أعمال مرهقة ومتعبة لا يُعطى أصحابها إلا الفتات ولو كانوا من أصحاب الشهادات، وهناك أعمال مريحة يُعطى أصحابها الأجور العالية ولو كانوا من المتسرّبين مدرسيا… هناك مقاولون وأصحاب حرف لا يعطون العمّال الذين يحملون لهم الأثقال وينجزون لهم أصعب وأشقّ الأعمال، لا يعطونهم حقوقهم في الأجرة المحترمة، ولا في التأمين ، ولا في الراحة… الواحد من أصحاب الأموال هؤلاء ربّما يسخّر عاملا مسكينا يحمل عليه الأثقال ويكلّفه بأصعب الأعمال، وكلّما سأل العامل عن أجرته كم هي؟ قال له “السيّد”: اعمل ولا تخف على أجرتك! ثمّ إذا حان وقت سداد الأجرة بدأ صاحب العمل يتعلّل ويتهرّب… أمّا إذا تحدّث العامل المسكين عن ضعف أجرته أو تحدّث عن عدد ساعات العمل أو عن حقه في العطلة الأسبوعية، وفي التأمين، ربّما يستشيط “السيّد” في وجهه وينهره ويهدّده بالطّرد! وربّما يعِده ويمنّيه ثمّ يخلف!

وما درى هؤلاء أنّهم مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم النّاس لربّ العالمين، وأنّ أيدي الضعفاء هؤلاء ستتعلّق برقابهم يوم القيامة حتى يأخذوا حقوقهم حسنات مستوفيات وليس دنانير معدودات.

العالم الغربيّ يحتفل كلّ عام بيوم العمّال في الفاتح من شهر ماي، إحياءً لتكلّل مساعي العمّال في المطالبة بحقوقهم أوائل القرن التاسع العشر الميلاديّ، بحقوق ما كانوا يرونها قبل ذلك؛ فالعامل في الغرب قبل القرن التاسع عشر كان يعمل بين 10 و16 ساعة يوميا، ولا يحصل إلا على أجر زهيد، وكانت المرأة تعمل مع الرجل في الأشغال الشاقة وربما تأخذ نصف أجرة الرجل في نفس العمل، ولم يحصل هؤلاء العمال على حقوقهم إلا في القرن التاسع عشر الميلاديّ… ونحن المسلمين، أمرنا ديننا قبل ذلك بـ12 قرنا أن نعطي الأجير حقّه قبل أن يجفّ عرقه، فقال –صلّى الله عليه وسلّم- في القرن السابع الميلاديّ: “أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه”، وأمرنا قبل ذلك ألا نستخدم أجيرا ولا نطلب منه أن يبدأ عمله حتى نحدد له أجرته، قال –صـلى الله عليه وسلم-: “من استأجر أجيرا فليسم له إجارته”، وحذّرنا أشدّ التحذير من إرهاق العمّال فوق طاقتهم، فقال –عليه السّلام-: “إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم”… وحذّر أشدّ التحذير من أكل حقّ العامل والمماطلة في أدائه، قال –صلّى الله عليه وسلّم-: “ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره”.

مسؤولون يبخسون العمّال حقوقهم!

يدخل في السّبب الأخير؛ كلّ مسؤول يرصد للعمال الذين يعملون أعمالا شاقة مرهقة أجورا قليلة مجحفة لا تفي بالحدّ الأدنى من العيش، مثل عمّال النّظافة والحراس والموظّفين متعدّدي المهام… ويل لمن لم يعطهم حقوقهم، وويل لمن يكلّفهم بما هو زائد على أعمالهم، وويل لمن يحرمهم حقّهم في الرّاحة والعطل.

ويدخل في هذا الباب -كذلك- أولئك المسؤولون -صغارا وكبارا- الذين يخصّون بالمناصب والوظائف أقاربهم ومعارفهم ومن يعطونهم الرشاوى ولو كانوا لا يملكون أيّ مؤهلات وأيّ كفاءات، ويحرمون -في المقابل- أصحاب الشهادات والكفاءات. يمنحون المناصب لمن تبحث عن المال لتشتري لباس الموضة وتنفق على الماكياج، ويحرمون من يطرق الأبواب ليبني أسرة أو يعيل زوجة وأطفالا صغارا؛ من يفعلون هذا يحشرون يوم القيامة مع من يسعون في الأرض فسادا.

تاريخ النشر: ١٦ مايو ٢٠٢٦ في ٠٣:٢١ م

آخر تحديث: منذ 3 ساعات