كيف يصنع «تيك توك» وعي الشباب بالأزمات الكبرى؟
حصاد الفكر
٢١ مايو ٢٠٢٦
٦٧ مشاهدة
9 دقيقة قراءة

كيف يصنع «تيك توك» وعي الشباب بالأزمات الكبرى؟

بقلم: محمد العبدالله

أخبار سريعة متلاحقة.. أحداث بوتيرة متسارعة.. تقنيات متطورة.. وجيل حداثي منهمك في العالم الرقمي، فجيل الشباب اليوم، ليس مثل الأجيال السابقة، فهو يعيش الأزمات بطريقة مختلفة مقارنة بسابقيه.

ومن يفهم طبيعة الفضاء الرقمي، يستطيع أن يفهم كيف يتشكل وعي الجيل الجديد بالأزمات التي تمرّ؟

إن تعزيز الوعي النقدي والقدرة على التحقق من المعلومات بات أمراً ضرورياً، حتى لا يتحول التدفق السريع للمحتوى إلى مصدر للارتباك بدلاً من أن يكون أداة للفهم.

«المجتمع» التقت بعدد من الخبراء التقنيين والمختصين في إدارة التكنولوجيا والعالم الرقمي، لمعرفة مدى أهمية مثل هذه المنصات في تشكيل الوعي لدى الشباب والتعامل مع الأحداث الكبرى.

مقاطع «تيك توك» القصيرة

الأكاديمي د. مهند أمين، المتخصص في إدارة التكنولوجيا، المحاضر في جامعة لينكولين بماليزيا، أكد أن معركة الوعي في زمن المنصات الرقمية أصبحت موازية للأحداث السياسية نفسها.

وأوضح أنه في السنوات الأخيرة، أصبح من الواضح أن وعي الشباب تجاه الأزمات السياسية لم يعد يتشكل فقط عبر القنوات التقليدية، أو التحليلات المطولة في الصحف والتلفزيون، مضيفاً أن المنصات الرقمية -خصوصاً «تيك توك»- تؤدي دوراً متزايد التأثير في الطريقة التي يفهم بها الشباب الأحداث الكبرى ويتفاعلون معها.

وتابع، في حديثه لـ«المجتمع»: جيل الشباب يعيش الأزمات بطريقة مختلفة عن الأجيال السابقة، فالأخبار لم تعد مجرد تقارير تُقرأ أو نشرات تُشاهد، بل مقاطع قصيرة وصور وتعليقات تنتشر بسرعة كبيرة، وتصل إلى ملايين المستخدمين خلال ساعات قليلة.

وأضاف أنه خلال التوترات الأخيرة في المنطقة، وما تبع الهجوم الإيراني من نقاش واسع في الخليج، ظهر بوضوح كيف أصبح «تيك توك» مساحة للنقاش وتبادل الآراء.

ونبّه أمين إلى أن الشباب يتابعون التحليلات المختصرة، ويعيدون نشر المقاطع، ويعلّقون عليها بطريقتهم الخاصة، وأحياناً يكون ذلك مدخلاً لفهم أوسع لما يجري، وأحياناً أخرى يؤدي اختصار القضايا المعقدة إلى تبسيطها أكثر مما ينبغي.

تداول المعلومات

بينما أكد د. عبدالعظيم خضر، أستاذ ورئيس قسم الصحافة والنشر السابق بكلية الإعلام بجامعة الأزهر، أنه في سياق التصعيد الدائر في المنطقة، يبرز دور المنصات الرقمية -وفي القلب منها- منصة «تيك توك»، بوصفها منصة ذات تأثير متصاعد في صياغة إدراك الشباب الخليجي للأزمات الكبرى، عبر عدة مسارات واضحة ومؤثرة:

1- مسار السرعة الفائقة في تداول المعلومات: إذ يتيح نمط الفيديو القصير نقل الأحداث والتعليقات والتحليلات في زمنٍ قياسي، وهذا التسارع يجعل الشباب في حالة اتصال دائم بتطورات الأزمة، لكنه في الوقت ذاته يخلق بيئة معرفية تتسم بالكثافة والتدفق المتواصل للمعلومات، وهو ما يفرض تحدياً حقيقياً يتعلق بقدرة المتلقي على التمييز بين الخبر الموثق، والمحتوى الانفعالي.

2- مسار إعادة تأطير الحدث: إذ تتيح المنصة لصناعة المحتوى إعادة صياغة الأحداث الكبرى بلغة بصرية مختصرة وسهلة التداول، وعبر هذا التأطير تتحول القضايا السياسية والعسكرية المعقدة إلى سرديات مبسطة وقابلة للتداول الجماهيري؛ ما يسهم في تشكيل تصور معين للأزمة لدى الشباب.

3- مسار التفاعل الجمعي وصناعة الاتجاهات: حيث لا يكتفي المستخدم هنا بدور المتلقي، بل يتحول -في كثير من الأحيان- إلى مشارك في إنتاج الخطاب العام عبر التعليقات وإعادة النشر وصناعة المحتوى، وبهذا المعنى تتحول المنصة إلى فضاء لتشكل الاتجاهات الجماعية، ويتبلور ما يعرف بـالرأي العام الشبكي.

4- مسار التأثير الرمزي العاطفي: حيث تعتمد مقاطع «تيك توك» بدرجة كبيرة على الصورة والموسيقى والمؤثرات البصرية، وهي عناصر تمتلك قدرة عالية على التأثير العاطفي، هذا النمط من التأثير قد يعزز التعاطف مع طرف معين في الأزمة، أو يخلق حالة من التعبئة الرمزية.

5- مسار المنافسة مع الإعلام التقليدي: حيث أصبحت تلك المنصة منافساً حقيقياً لوسائل الإعلام التقليدية في نقل المعلومات، وتفسير الأحداث، فكثير من الشباب يتلقون قراءاتهم الأولى للأزمات عبر المنصات الرقمية قبل العودة -إن عادوا- إلى المصادر الإعلامية التقليدية.

وبين خضر، خلال حديثه لـ«المجتمع»، أن الدور الذي تؤديه منصة «تيك توك» في سياق الأحداث الدائرة إقليمياً ودولياً يتجاوز حدود الترفيه، إلى المشاركة الفعلية في تشكيل الوعي السياسي والإعلامي.

الترند وصناعة الوعي

فيما أكد د. أحمد عبدالحفيظ، مدير برنامج الذكاء الاصطناعي وهندسة الحاسبات بجامعة الابتكار المصرية، أننا نشهد اليوم تحولاً جذرياً في مفهوم الأمن المعلوماتي، وصناعة الوعي لدى الشباب؛ فمنصة «تيك توك» لم تعد مجرد مساحة للترفيه، بل تحولت إلى ساحة حرب رقمية ومصدر رئيس لتلقي المعلومات خلال الأزمات.

وأشار عبدالحفيظ، خلال حديثه لـ«المجتمع»، إلى أن هذا ما تجلى بوضوح في التعاطي الشعبي الرقمي عقب الهجوم الإيراني الأخير، حيث تصدرت المقاطع القصيرة المشهد، متجاوزة في سرعتها وتأثيرها القنوات الإخبارية التقليدية.

وحذر من خطورة هذه المنصات، التي تكمن في قدرتها الفائقة على صياغة السردية الأولية للأحداث، وبالنسبة لشباب الخليج، يقدم «تيك توك» محتوى بصرياً مكثفاً يعتمد على العاطفة والمشاركة اللحظية.

وتابع: في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، تؤدي الخوارزميات دوراً مزدوجاً؛ فهي من جهة تمنح الشباب فرصة للتعبير عن اللحمة الوطنية والوعي بالأخطار المحيطة، ومن جهة أخرى قد تسقطهم في فخ التضليل.

وبين أيضاً أن الأحداث الأخيرة أثبت أن الوعي السياسي للشباب لم يعد يُشكل عبر الصحف الرسمية فحسب، بل عبر «الترند» الذي يصنعه أقرانهم من المؤثرين أو حتى الهواة.

من جانبه، أكد د. محمد البحراوي، أستاذ الصحافة والنشر، بكلية الإعلام جامعة الأزهر، أن أوقات الأزمات الكبرى والحروب وفي ظل ما تشهده منطقة الخليج، تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة موازية للأحداث على الأرض، حيث لا يقتصر تأثيرها على نقل الأخبار وفقط، بل يمتد إلى تشكيل الوعي وتوجيه المشاعر وتكوين المواقف.

ونبه أن تطبيق «تيك توك» يبرز بوصفه إحدى أكثر المنصات تأثيراً بين الشباب، لما يتميز به من سرعة الانتشار وطبيعة المحتوى القصير الذي يصل إلى الجمهور في ثوان معدودة، وهو ما يجعله أداة قوية ومهمة في تشكيل الوعي والإدراك العام خلال الأزمات.

وأضاف، لـ«المجتمع»، أن التدفق السريع للمحتوى قد يترك أثراً نفسياً واضحاً على الشباب، إذ تسهم المتابعة المكثفة لمقاطع الحروب أو التحليلات المثيرة في زيادة مستويات القلق والتوتر، كما قد تؤدي المقاطع المفبركة أو المبالغ فيها إلى تضخيم الإحساس بالخطر أو خلق حالة من الذعر الجماعي.

ووجه نصيحته للشباب قائلاً: في مثل هذه الظروف، لا تجعلوا سرعة الخبر أهم من التحقق منه، وأن تتذكروا دائماً أن الوعي الرقمي مسؤولية فردية وجماعية في آن واحد، فكل مشاركة أو تعليق قد يسهم إما في بناء وعي المجتمع أو في تشويش صورته.

تاريخ النشر: ٢١ مايو ٢٠٢٦ في ٠٣:٣٠ م

آخر تحديث: منذ 3 ساعات