
الاقتصاد السياسي للاستنزاف المنظم: من تشريح الظاهرة إلى تفكيك الآلية
بقلم: الدكتور عبد الله شنفار
ليس كل فقرٍ نتاجَ عوزٍ مادي، كما ليست كل أزمةٍ ثمرةَ عجزٍ بنيوي أو قدرٍ جغرافي. في كثير من السياقات المعاصرة، يصبح الفقر نتاجًا سياسيًا بامتياز، وتغدو الهشاشة الاجتماعية موردًا استراتيجيًا تُعاد هندسته وتدويره ضمن منطق حكم يرى في الانقسام ضمانًا للاستمرار، وفي التوتر مادةً للشرعية.
ضمن هذا الأفق، لا تعود الدولة إطارًا جامعًا لإدارة الاختلاف وتحقيق الصالح العام، بل تتحول إلى فاعل اقتصادي وسياسي يستثمر في سيادة الندرة، ويحوِّل الخوف إلى سياسة عامة، ويعيد تعريف “الأمن” بوصفه أمن النظام لا أمن المجتمع.
هنا تحديدًا يتشكّل ما يمكن تسميته بـ”الاقتصاد السياسي للاستنزاف المنظم”: منظومة لا تُنتج القيمة بقدر ما تُدير الخراب، ولا تسعى إلى التنمية والعمران بقدر ما تُحسن التحكم في مفاعيل التخلف.
ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن ما يُقدَّم غالبًا بوصفه أزمات عرضية أو صراعات ظرفية، هو في الواقع بنية حكم كاملة، لها منطقها وأدواتها وحساباتها الربحية الخاصة.
ومن خلال تفكيك مفهوم “اقتصاد الفتنة”، يسعى المقال إلى الانتقال من توصيف الظاهرة إلى تشريح آلياتها، ومن إدانتها أخلاقيًا إلى فهمها بوصفها خيارًا سياسيًا واعيًا، لا خللًا عابرًا في مسار الدولة.
أولًا: التأسيس التاريخي والمفاهيمي: من “الفتنة” كحدث إلى “الاقتصاد” كبنية
ليس “افتراس الدولة لشعبها” مجرد استعارة أدبية، بل هو نموذج تحليلي يجسد لحظة الانقلاب الكبرى في العقد الاجتماعي، حين تتحول الدولة من كيان حامٍ ومؤسس للرفاه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي إلى جهاز استخراجي يستثمر في صناعة الفقر والهشاشة الداخلية، ويحوّلهما إلى رأس مال سياسي.
“اقتصاد الفتنة” هنا لا يشير إلى صراع عابر، بل إلى نظام إنتاج متكامل تُصنَّع فيه العداوات، وتُسوَّق الأزمات، وتُدار النزاعات كسوق لتحقيق أرباح السلطة واستمراريتها. إنه تحويل للطاقة المجتمعية من دائرة العمران إلى دائرة التدمير الذاتي، حيث تُقاس “ربحية” النظام السياسي ليس بما يخلقه من سعادة جماعية، بل بقدرته على إدارة وتدبير وتجديد مصادر التهديد الداخلي والخارجي.
ثانيًا: التشريح البنيوي: آليات تحويل الثروة إلى فقر، والاستقرار إلى تهديد
تتكشف المأساة على مستوى التناقض البنيوي الذي تؤسسه هذه الأنظمة، وذلك من خلال:
1. آلية الاستبدال الجيوسياسي
حيث يُستبدل الصراع الطبقي أو المطلب الاجتماعي بالصراع الهوياتي (الطائفي، والقبلي، والعرقي، والجهوي، والحزبي). هنا تصبح الهوية أداة لإخفاء فشل التوزيع، وتتحول المطالبة بالخبز والدواء والكرامة الوجودية للإنسان إلى خيانة للجماعة.
هذه السياسة المؤمَّمة للفقر والهشاشة تحول الفقراء من فاعلين اجتماعيين يطالبون بحقوقهم إلى مجرد وقود في حروب النخب.
2. المفارقة الإنتاجية للفقر المصنَّع
كيف يمكن لبلد غني بالطاقة والغاز والبترول أن يُنتج الفقر والهشاشة والجوع والمرض؟
الإجابة تكمن في فجوة التحويل. فالعائد من الثروة لا يمر عبر قنوات التنمية والحماية الاجتماعية، بل يُحوَّل مباشرة إلى ثلاث دوائر:
اقتصاد الريع والامتياز المغلق، الذي يغذي النخبة الحاكمة وحلفاءها.
مؤسسات الأمن والقمع الداخلي المكلفة.
مشاريع الهيبة والصراعات بالوكالة الخارجية.
الفقر هنا ليس نقصًا في المادة، بل نتيجة حتمية لمسارات تحويل متعمَّدة، تصبح فيها الثروة العامة رهينة للبقاء السياسي للنظام.
3. الأخلاقيات المقلوبة للحكامة
تنقلب معادلة المسؤولية الأخلاقية؛ فالخبز والدواء والكرامة تتحول من حقوق أساسية للمواطن إلى أعباء على خزينة الدولة وأخطار على أمن النظام.
بينما يصبح “التخريب”، و”ركوب الدناءة”، و”صناعة العدو” استثمارات سياسية ذات مردودية عالية.
يُحتفل بتدمير جار، ويُحتفى بذلك على أنه “إنجاز”، ويُقدَّم الفشل الذريع في إدارة وتدبير شؤون البلاد والعباد في الداخل على أنه “صمود” في وجه مؤامرات الخارج. إنها أنثروبولوجيا سياسية جديدة، حيث تنتعش السلطة كلما تقلصت مساحة العيش الكريم لشعبها.
ثالثًا: استشراف التداعيات وإمكانات الخروج: نحو أنثروبولوجيا جديدة للمقاومة
إن استمرارية نموذج “اقتصاد الفتنة” لا تؤدي فقط إلى إفقار مادي، بل إلى استنزاف رأس المال الرمزي للأمة: الثقة، والتضامن الاجتماعي، والأمل في المستقبل. يخلق النظام كائنات اجتماعية مشرذمة، منهوكة في صراع البقاء اليومي، ومشحونة بخطاب حقد وكراهية مصطنع تجاه “الآخر” الداخلي القريب أو الخارجي البعيد.
ومع ذلك، فإن فهم هذه الآلية بوصفها بناءً سياسيًا متعمدًا يفتح باب المقاومة. والمقاومة هنا ليست بالضرورة مواجهة عنيفة، بل هي في الأساس استعادة العقل النقدي، وفك الالتباس بين مصلحة النظام ومصلحة الوطن.
تكمن المقاومة في قدرة المجتمع على إعادة تعريف الذات خارج إطار الهويات المعلبة التي يصنعها النظام، وفي بناء الروابط الأفقية بين الفقراء والمهمشين من جميع الجماعات، وكشف أن العدو الحقيقي ليس الجار المختلف، بل الآلة السياسية التي تستثمر في تجويع الجميع.
الخروج من هذه الحلقة المفرغة يبدأ بالاعتراف بأن “افتراس الشعب” ليس قدرًا، بل هو خيار نظام سياسي، وأن بناء عقلية الدولة القائمة على التضامن، والعدالة الاجتماعية والمجالية، والتنمية والعمران، هو المشروع التحرري الأصعب والأجدى.
خلاصة
يُفضي تفكيك “اقتصاد الفتنة” إلى نتيجة جوهرية: ما نشهده ليس انهيارًا عرضيًا للدولة، بل إعادة تعريف لوظيفتها. فالدولة التي تستمد بقاءها من إدارة الخوف لا يمكن أن تكون وسيطًا للتنمية، والسلطة التي تعيش على تفكيك المجتمع لا تستطيع أن تقود مشروعًا وطنيًا جامعًا.
إن أخطر ما في هذا النموذج أنه لا يكتفي بإنتاج الفقر، بل يعمل على تطبيعه، وعلى تحويله إلى أفق ذهني مقبول، بل ومبرَّر باسم الاستقرار أو السيادة أو “الخصوصية”.
غير أن إدراك هذه الآلية يسحب منها جزءًا كبيرًا من قوتها. فحين يُفهم الافتراس بوصفه سياسة لا قدرًا، ويُكشف الفقر بوصفه نتيجة لا مصيرًا، تُفتح إمكانية الخروج من الحلقة المغلقة.
هذا الخروج لا يبدأ من تغيير الوجوه، بل من تفكيك المعادلة التي تساوي بين بقاء النظام وتآكل المجتمع، ومن إعادة بناء معنى الدولة كفضاء للتكافل والعدالة، لا كآلة لاستخراج الطاعة.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في استبدال “اقتصاد الفتنة” بـ”اقتصاد الرفاه” فحسب، بل في استعادة المعنى الأخلاقي والسياسي لفكرة الحكم ذاتها؛ أي أن تكون السلطة أداة لتنظيم الحياة المشتركة، لا سوقًا لإدارة وتدبير الانقسامات السياسية والاجتماعية والثقافية.
وعند هذه النقطة فقط، يمكن للثروة أن تتوقف عن كونها نقمة، وللاستقرار أن يكفّ عن كونه تهديدًا، وللدولة أن تتصالح مع شعبها لا أن تفترسه.
نبذة موجزة حول الدكتور عبد الله شنفار
مفكر وباحث مغربي متخصص في العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكرية ومقالات تحليلية ترصد التحولات المجتمعية، وتقدّم قراءات نقدية للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي. ومن أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000)، والفاعلون المحليون والسياسات العمومية المحلية (2015)، والفاعلون في السياسات العمومية الترابية (2020).
المصادر:
تاريخ النشر: ٢٥ مايو ٢٠٢٦ في ٠٤:١١ م
آخر تحديث: منذ 57 دقيقة



