
الصفقات "الدعوية".. والتنازل عن الثوابت
إن التأصيل والتنظير للمؤسسات الدعوية والتربوية أمرٌ ليس بالسهل، بل هو بمثابة حقل يعج بالعوائق ومحفوف بالمخاطر، وبالرغم من ذلك كله نخوض غماره ونعبر منعطفاته الحادة لأجل محاولة جادة في دفع المؤسسة الدعوية والعمل على تطويرها وتحسين مخرجاتها ونتائجها.
وحديثنا اليوم عن واحدة من المظاهر السلبية المتعددة التي تنتشر في جنبات تلك المؤسسات بل هي من أشد الأمور فتكاً بها، وأخطرها على تماسك بنيتها ووحدة الصف فيها، ألا وهي البراغماتية أو الإعلاء من مبدأ جلب المصالح "الشخصية الفئوية" التي تقرّر بنحن أعلم منكم بـ"مصلحة" الدعوة، والتي تسير بقطار المنفعة العامة على سكة "تبادل المصالح"، وكأننا في سوق للمقايضة، ادعمني هنا وأدعمك هناك، دون النظر إلى انعكاس ذلك الأمر على العمل عاجلاً أم آجلاً، وفي ظل الحديث المتكرر عن المصالح الدعوية، وظهور جيل أوصياء الدعوة، طغى على السطح نوع من بزنس المؤسسات، والذي بات بدوره أسلوباً في إدارتها وتوجيه دفتها.
الصفقة: تبادل بين طرفين يقدم كل واحد منهم خدمة مقابل خدمة، أو هي أن تقدم أشياء وتأخذ أخرى، أو أن تبادل شيئاً مقابل شيء، أي أنك تدفع الثمن وتتحمل نصيباً من التكاليف!!، فهي إذن: استعداد للتنازل، وجاهزية عالية للمساومة والتفاوض، واللجوء إلى استخدام الخطط التكتيكية والمرحلية وفق آليات “الكولسة" لإتمامها وإنجاحها.
الصفقات تتمثل بالاستعداد للتنازل والمساومة والتفاوض، واللجوء إلى استخدام الخطط التكتيكية والمرحلية وفق آليات “الكولسة" لإتمامها وإنجاحهافي عالم التجارة والمال يظل هذا المصطلح محورياً ومهماً ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالربح والخسارة، ولكن الغريب أن تتسلل الحياة المادية لمؤسسات قامت على المعاني الروحية والإيمانية، وتصبح أمور إدارتها ووضع الخطط والبرامج فيها، وتوزيع الأدوار بين أعضائها سواء كانوا قادة أم أفراداً، قائم وفق "الصفقات" والعروض المقدمة. فليس من المعقول أن تعلق طموحات الأفراد وآمال الأمم على مصالح مجموعة ما، ولا يستقيم أن نعبر طريقاً لا فائدة منه سوى أنه خاضع لتمرير صفقة أو تحقيق منفعة فئوية وحسب، ومن غير المقبول أبداً أن تصبح المؤسسات الدعوية سوقاً مفتوحة للتجارة وعقد الصفقات، ولا يسمح أيضاً أن يكون فيها سوقٌ سوداءٌ لتمرير القرارات والأفكار والخطط.
من غير المقبول أبداً أن تصبح المؤسسات الدعوية سوقاً مفتوحة للتجارة وعقد الصفقات، ولا يسمح أيضاً أن يكون فيها سوقٌ سوداءٌ لتمرير القرارات والأفكار والخططإنّ اللجوء إلى عقد الصفقات لهو أمرٌ خطير وواضح الدلالة على تباين الأفكار والمفاهيم في الرؤى وطرح المشاريع، ووجودها في محيطنا يعطيك إشارة قوية على تنازع واختلاف لا تنوع وائتلاف، وهي علامة حيوية على أن الفرد الذي يسعى لعقد الصفقات لا يريد سوى تحقيق مطالبه أو فرض خياراته وأهدافه على الآخرين. ولكن من المهم أن يدرك صاحب الصفقة وهو يسعى لإتمامها، أن الذي يـعرض سلعته أو بضاعته للبيع وهو مضطر سوف يبيعها بسعر أقل، أي أنه لا يستطيع بيع سلعته بنفس ثمنها الحقيقي، ففي حالة عرض عليك البائع سلعة وهو شديد الرغبة في بيعها، فإنك على الأغلب سوف تشتريها بسعر أقل مما لو كنت أنت ترغب بشرائها، فلا تنظر لربح سريع ولا تبخس من قيمة أفكارك ومشاريعك، لأن تسويق الأفكار والمشاريع من خلال عقد الصفقات يعنـي موسماً آخر من التنـزيلات والتنازلات التـي ستنقص من مقدارها وتؤدي إلى هبوط أسعارها في بورصة الأفكار ومشاريع التغيير. فليتوقف عقد الصفقات؛ ولنذهب لتوقيع اتفاقيات الفهم المتقارب والهدف الواحد والمشروع المشترك، وبعدها فليتولاها من هو قادر عليها، وإلا فلننطلق بأفكارنا ومشاريعنا لمعرض المزادات، وهناك لن يأخذها إلا من يقدّرها، ويدفع أعلى الأسعار للحصول عليها، ويأخذها بحقها، ولنكن مطمئنين أنّ في المزاد تنافس وبذل ودفع للأثمان، حتى وإن كان الشاري في-نظرك- ليس أهلاً لها، ولكن تأكد أنه لن يبيعها أو يفرط بها بأقل مما دفع لأجلها وفيها. اعرض أفكارك فالسوق قائمة، ولا تلجأ للصفقات فالدفع هناك مضاعف. والسوق مائجة. واعلم أن تسويق الأفكار وتمرير الخطط لا يحتاج لعقد الصفقات، وإنما يحتاح لجسد واحد.. وهمٍّ واحد، والحق أحق أن يتبع.
تاريخ النشر: ٨ نوفمبر ٢٠١٦ في ٠٥:٣٨ م
آخر تحديث: أمس



