
حتى لا نُروّض كالقطيع: خطوات عملية للتحرر من التدجين (1-2)
تحدثنا في ثلاثة موضوعات سابقة عن ظاهرة التدجين، وبعد استعراض الموضوعات الثلاثة السابقة خلصنا إلى:
أن ظاهرة التدجين هي من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تتعرض لها الشعوب والدول على حد سواء؛ فالتدجين هو الاستسلام والخنوع للقوى الظالمة المُستبدة...
وأن التدجين قد ينبع من داخل الإنسان نفسه نتيجة لخوفه من مغبة الاعتراض والتمرد، وما سيقع عليه من ظلم أو بطش وتنكيل، فضلًا عن العوامل الخارجية التي يتعرض لها الإنسان وتؤثر على سلوكه وحياته بشكل عام.
وأن القوى الظالمة المستبدة لا تقبل إلا أن يكون التدجين في شتى نواحي الحياة؛ خاصة الناحية الدينية والسياسية، ولا تقبل إلا أن يكون التدجين لكل طبقات المجتمع بلا استثناء.
وأن لليهود حلمًا كبيرًا وقديمًا لا يدخرون وسعًا من أجل تحقيقه؛ ويبذلون من أجله الغالي والنفيس، هذا الحلم يتلخص في السيطرة على العالم بكل سبل ووسائل السيطرة المباشرة وغير المباشرة، والمشروعة وغير المشروعة.
لليهود حلم كبير وقديم لا يدخرون وسعًا من أجل تحقيقه؛ ويبذلون من أجله الغالي والنفيس، هذا الحلم يتلخص في السيطرة على العالم بكل سبل ووسائل السيطرة المباشرة وغير المباشرة، والمشروعة وغير المشروع
أولًا: أسس مقاومة ظاهرة التدجين
إذا أردنا أن نعالج ظاهرة التدجين التي بسببها يُستنسر البُغاث، ويُستنوق الجمل، ويُستتيس العنزُ، وتذل به أعناق الرجال؛ ينبغي علينا أن ننظر للموضوع من خلال ثلاث زوايا رئيسة يكمل بعضها بعضًا ولا يمكن الاستغناء عن إحداها!! وهذه الزوايا هي: 1- الوعي بمخططات المرحلة الراهنة وما يُحاك بالجيل الحالي والأجيال القادمة. 2- بناء القناعة التامة بأهمية وضرورة مقاومة محاولات التدجين. 3- أن تتبنى قاعدة عريضة من كل طبقات المجتمع فكرة مقاومة محاولات التدجين، وأن يكون هناك زخم مجتمعي (تكنوقراطي) يدفع تجاه التغيير، وهذا يتطلب التعاون الجماعي الجاد والنزيه. بهذه العناصر الثلاثة نستطيع -بإذن الله تعالى- أن نتغلب على التدجين، ويمكننا مقاومة براثن الفساد، كما يمكننا أن ننفض عنا -أفرادًا وجماعات وشعوبًا- غبار الجهل والتجهيل؛ لتنهض الأمة وتستدرك ما فاتها ولتعود إلى سابق عهدها الذي لا يخفى عن كل صاحب عقل يعي، وكل صاحب قلب سليم، وكل صاحب فطرة لم تتلوث بأدران الحداثة ولم تستسلم يومًا للانبطاح.ثانيًا: وسائل ومعينات للتحرر من ربقة التدجين
ولكي نحقق في أنفسنا كل ما سبق، ونتحرر من ربقة التدجين، ونصل للمستوى الذي يليق بنا كأمة صاحبة ريادة؛ علينا أن نحقق ما يلي: ١) بناء النفس وتنمية الذات وتربيتها على التحرر البنَّاء في هذا المقام لا يجب أن نغفل عن أن العقل مناط التكليف، والحرية شرط أساسي من شروط العبادة، وأن الله تعالى قد خلق العباد أحرارًا. إن استحضار هذه الأمور وبيان قيمتها بالنسبة للإنسان، وبيان أن: • الإنسان الحر يقبل أن تُنتزع روحه ولا يقبل أن تُنتزع حريته. • وأن قادة الأمة وعلماءها ما حرصوا على شيء كحرصهم على تأصيل مبدأ الحرية والتحرر في النفوس. • وأن الحروب الضروس كانت تُقام حتى لا تُنتقص قيمة الحرية. إن استحضار كل هذه المعاني يغرس في النفوس العزة والكرامة والإباء، وعدم قبول الضيم. ومن الأقوال التي قيلت في هذا الشأن: قال تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة: من الآية 256). وقال تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس: 99). وقال تعالى: "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف: من الآية 29). وقال النبي ﷺ: "كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا" (صحيح مسلم). وقال الفاروق عمر رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا!". ونحن بصدد كل ذلك علينا أن نعي أن حرية الفرد تنبع من داخله، ولا تكمن في أنه يستطيع أن يفعل ما يريد، بل في أنه لا يجب عليه أن يفعل ما لا يريد. وعلينا أن نعي أن كل تخلف حضاري سببه نقص في الحرية، فبالحرية تتفجر المواهب، وتتفتق القدرات، وتتفتح الأذهان، وتتضح الرؤى، وتتلاقح الأفكار، وتقوى الشعوب، وتنهض الأمم.الإنسان الحر يقبل أن تُنتزع روحه ولا يقبل أن تُنتزع حريته2) تفعيل دور النقابات المهنية والجمعيات الأهلية والمنظمات الحقوقية واللجان الرقابية إن كل هذه الهيئات عندما تتحد فيما بينها، ويكون بينها من القواسم المشتركة التي تهدف إلى التحرر البنَّاء؛ تقوي بعضها بعضًا، وتستعصي على الانقياد لفاسد، والانبطاح لظالم، والرضوخ لمتسلط، وكذلك تستعصي على التدجين، كما تستعصي على التماهي مع الظلم والتعايش مع الاستبداد. إن تفعيل كل هذه الهيئات يبدأ من تنقيتها من الفسدة، وتحصينها من المتسلقين؛ حتى لا تكون هي والعدم سواء. 3) استنهاض وإحياء روح الغيرة والنخوة العربية والإسلامية بإيجاز شديد نؤكد على أن استنهاض وإحياء روح الغيرة والنخوة العربية والإسلامية يجب أن يلازمه:
- إحياء الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية.
- الانتماء للمبادئ العامة وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية والفئوية.
- البعد عن النعرات القومية، والنظر إلى الأمة على أنها جسد واحد، وأن الدول هي أعضاء هذا الجسد، وأنه إذا اشتكى في جسد الأمة عضو هبت كل الأعضاء لنجدته وإغاثته حتى يتعافى ويتغلب على الكبوة التي ألمّت به.
انبذوا الفسدة وتجنبوهم في مناسباتهم وسائر أحوالهم، وقاطعوهم ليكون ذلك رادعًا لكل من تسوِّل له نفسه أن يكون مثلهم، الفظوهم لفظ النواة لتُخلِصوا البلاد والعباد من شرورهم وليفتضح أمرهم6) الاستعانة بالكفاءات وأصحاب الخبرات في كل المجالات والتخصصات والطوائف والأيدلوجيات بلا استثناء إن بذل الجهد المضني والحثيث في هذا الجانب يحافظ على وحدة المجتمع وتماسكه، وقوة لُحمته، ويضمن رأب الصدع، وسد الثغرات والفجوات التي يعمل أصحاب النفوس الدنيئة على استغلالها للنيل من وحدة واستقرار المجتمعات، وبالتالي وحدة الأمة واستقرارها. ورد عن علي زين العابدين أنه قال: "هلك من لم يكن له حكيم يُرشده، وذلّ من لم يكن له سفيه يُعضده". مع الأخذ في الاعتبار أن السفيه لا يُسلَّط إلا على سفيه مثله؛ لأن السفاهة لم تكن يومًا في نظر الشرع مصدر عزّ. للحديث بقية في الجزء الثاني من نفس الموضوع إن شاء الله تعالى.
تاريخ النشر: ١٥ يوليو ٢٠٢٥ في ٠٢:٥٨ م
آخر تحديث: منذ 7 ساعات
مختارات من بصائر الفكر
عن الكاتب
محمد عبدالرحمن صادق
<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>
عرض الملف الشخصي ←


