هل يمكن أن ينفصم العقل عن الدين حقًّا؟
بصائر الفكر
٣٠ يوليو ٢٠٢٥
٥٠ مشاهدة

هل يمكن أن ينفصم العقل عن الدين حقًّا؟

يُعدّ العقل من أعظم ما مُنح الإنسان، به يدرك، ويميز، ويختار، ويهتدي، وهو الأداة التي بها يتفاعل مع الواقع ويستوعب معطياته. والدين، من جهة أخرى، ليس مجرد طقوس أو شعائر، بل منظومة متكاملة تشمل التصور عن الوجود، والغاية من الحياة، والميزان الذي يُوزن به الخير والشر، والصواب والخطأ. من هنا تطرح إشكالية العلاقة بين العقل والدين نفسها بإلحاح: هل يمكن للعقل أن ينفصل عن الدين؟ في زمنٍ كثرت فيه الدعوات إلى تحييد الدين عن ميادين الحياة العامة، وإعلاء شأن العقل البشري كمرجعية عليا مستقلة، تبرز الحاجة إلى مناقشة هذه القضية بعمق، وبيان طبيّة العلاقة الحقيقية بين العقل والدين، ودور كل منهما في بناء المعرفة وتوجيه السلوك. فهل الدين مجرد إطار ثقافي يُلجأ إليه عند الحاجة؟ أم هو ضرورة عقلية قبل أن يكون روحية، لا يستغني عنها الإنسان السوي في سعيه لفهم ذاته والكون من حوله؟

معنى العقل لغة:

مما جاء في معاني العقل في "لسان العرب": "سُمِّيَ الْعَقْلُ عَقْلًا لِأَنَّهُ يَعْقِلُ صَاحِبَهُ عَنِ التَّوَرُّطِ فِي الْمَهَالِكِ أَيْ: يَحْبِسُهُ، وَقِيلَ: الْعَقْلُ هُوَ التَّمْيِيزُ الَّذِي بِهِ يَتَمَيَّزُ الْإِنْسَانُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ. ورَجُلٌ عَاقِلٌ: الْجَامِعُ لِأَمْرِهِ وَرَأْيِهِ، مَأْخُوذٌ مِنْ عَقَلْتُ الْبَعِيرَ إِذَا جَمَعْتَ قَوَائِمَهُ، لأنه يَحْبِسُ نَفْسَهُ وَيَرُدُّهَا عَنْ هَوَاهَا، أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ إِذَا حُبِسَ وَمُنِعَ الْكَلَامَ." ا. هـ. العقل – إذن – هو الوسيلة التي يكون بها التفكيرُ والاستدلالُ وتركيبُ التصوُّرات والتصديقات، وعملية العقل هي إدراك وتمييز حقائق الأشياء.
إنّ الدين يلزمه عقل يدركه، والعقل يلزمه دين يتحاكم إليه؛ إذ كما أنّ الدين يتطلّب عقلًا يعقله أي يستوعب

طبيعة الصلة بين العقل والدين

إذا جئنا نلخّص العلاقة بين العقل والدين، لا نقول إنّ الدين "يحترم" العقل، لأنّ في هذه العبارة من الدلالات والتباس الفهم ما فيها. وإنما نقول إنّ الدين يلزمه عقل يدركه، والعقل يلزمه دين يتحاكم إليه؛ إذ كما أنّ الدين يتطلّب عقلًا يعقله أي يستوعبه، فالعقل مضطر لمرجعية تُرشده وتوجّه حركته؛ لأنّ العقل ليس له من الاستقلال الذاتي ما يمكّنه من تأسيس الكليات وخَلق الأحكام والموازين ابتداءً، بل خلقه الله ليعمل ضمن أُطُر عامة ومعطيات كُلّية، يتحاكم إليها في توجيه كيان صاحبه بالتفاعل المستمر مع ما تمدّه به الحواس من مدخلات: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} . والوحي الإلهي بما يوفّره من قطعيّات ويقينيات وثوابت يُؤمِّن الأُطُر التي تساعد العقل على العمل في مختلف شؤون الحياة. فهو يضبط حركة الفكر ويوجهها توجيهًا سديدًا منسجمًا مع مقاصد خلقه. وبهذا تنضبط حركته سويًّا مستقرًّا في مساره كالكواكب السيارة: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} . وكما أنّه لا بدّ للنبات من بذرة وجذور يبدأ منها، ثم يتخذ أشكالًا وألوانًا وأطوالًا، كذلك لا بدّ للعقل من كليات ثابتة وأصول أساسية، ينبثق منها نسق مفاهيم وتصورات تصوغ إطار رؤيته للحياة وموازين موازناته. وكلّ إنسان مضطر للوحي محتاج له؛ لأنّ طريق المعرفة التي يحتاج إليها أيّ إنسان عامة سيبتغي بها اكتشاف نجدين: نَجْد الضرر ونَجْد المنفعة، أي أن يعرف ما ينفعه وما يضره. ومنفعة الإنسان ومضارّه نوعان: نوع دنيوي ونوع أخروي. فالنوع الدنيوي يتوصّل له الإنسان بالبديهة والغريزة، وبالتعلّم التلقيني والاكتساب الخبراتي: كمعرفة أنّ لحم الخنزير ضارّ صحيًّا أو أنّ أكل لحم الضبع غير معتاد عُرفًا. أما النوع الأخروي فمحجوب عن وسائل الدرك نهائيًّا، ولا يمكن التوصل إليه إلا عن طريق الشرع المُوحَى من الخالق: كالعلم بأنّ أكل لحم الخنزير حرام وأنّ الخنزير نفسه نجس. ومن لا يؤمن بالله وشرعه لن يخرج عن طبيعة هذه الخِلقة وحاجاتها. وإنما كلّ الحاصل أنه سيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيشتغل بابتداع ما نسمع عنه اليوم من نظريات وجوديّة تخمينية، والمهاترة في فلسفات عَدَميّة هشّة، ورؤى مادّية محبطة، وموازين نسبية متبلبلة. لهذا يخدع نفسه من ينتسب لِملّة الإسلام، ثم حين يناقش شأنًا في الحياة لا يروقه حكم الدين فيه أو تصوّر الشرع له، فيقول: فلنتكلم بعيدًا عن الدين! إنّ الدين ليس قطعة تُباع بالتجزئة يمكن أن تزيحها جانبًا لتستقيم لك معادلة ما، بل هو كُلٌّ متكامل ونَسَق عَقَديّ ونهج حياتيّ. وإذا طرحتَ دينك جانبًا فأنت بالضرورة تتبنى دينًا ما وفلسفة عقديّة أخرى لا مِراء. فالشأن هنا ليس هل تتكلم من منطلق الدين أم لا، بل من منطلق أيّ دين تتكلم!
الدين ليس قطعة تُباع بالتجزئة يمكن أن تزيحها جانبًا لتستقيم لك معادلة ما، بل هو كُلٌّ متكامل ونهج عقديّ وحياتيّ

والخلاصة

أنّ الوحي والعقل ليسا نِدَّين متعادلَين، ولا يمكن أن يكونا. والوحي هو الأصل الذي يرجع إليه العقل، والمرجعيّة التي يتحاكم إليها، والميزان الذي يختبر عنده مقرَّراته ومفاهيمه وتصوراته، ويصحح به اختلالاته وانحرافاته. فبينهما توافق وانسجام على أساس تفاعـل العقل مع الوحي بالتلقي منه والانضباط على هُداه، لا أن يكون حاكمًا عليه أو موجّهًا له: "العقل شرط في كمال العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاً بذلك، بل هو غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين. فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار. وإن انفرد بنفسه لم يُبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها. وإن عُزل بالكليّة كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية، قد يكون فيها محبة ووجد وذوق، لكن كما قد يحصل للبهيمة" . وأما توهّم التعارض بين العقل والوحي، أو العلم والشرع، فله أسباب كثيرة لا يتسع المقام لبسطها، لكن تفصيلها في الكتب الشارحة لمناهج الاستدلال والاعتقاد.

ختامًا

الحاصل إذن أن الإنسان بطبيعة تكوينه لا يعيش فراغًا فكريًا أو قيميًا؛ فكل عقل بشري، وإن زعم التحرر أو الحياد، لا بد أن يصدر عن منظومة مرجعية يُبني عليها تصوراته عن الوجود، ويُحدد من خلالها معاني الخير والشر، والصواب والخطأ. هذه المرجعية قد تكون دينًا سماويًا، أو فلسفة وضعيّة، أو أيديولوجيا بشرية، لكنها في النهاية تُشكّل ما يمكن تسميته بـ"دين العقل" أو "فلسفة الوجود" التي يُنظِّم بها الإنسان رؤيته للعالم وحركته فيه. فالعقل لا يكتفي بمجرد التحليل والتفكير المجرد، بل يطلب أساسًا يُفسر به المعنى، ويقيم عليه الحكم، ويوجه به القرار. ومن هنا فإن دعوى الاستغناء عن الدين مطلقًا هي دعوى زائفة؛ لأن العقل البشري إن لم يتبع وحيًا منزَّلًا، اتبع هوىً متخيلًا، وإن لم يُسلِّم لحقٍ ثابت، خضع لنسبيات متغيرة. فالإنسان، بحكم تكوينه المعرفي والأخلاقي، مضطر إلى الإيمان بشيء، سواء أقرّ بذلك أم أنكره. ومن بين جميع الديانات والمذاهب، يتميّز الإسلام بأنه لم يُقصِ العقل، ولم يُذِبه في الغيب، ولم يتركه نهبًا للشك والتقلّب، بل أقام بنيانه على دعائم عقلية محكمة، تُقدّر الفكر، وتوجّه النظر، وتحثّ على التعقل والتدبر. فالعقل في الإسلام ليس خصمًا للوحي، بل هو أداته في الفهم، ووسيلته في الإدراك، وضابطه في التطبيق. كما أن الوحي في الإسلام لا يلغي دور العقل، بل يُكمله ويهديه، ويُعطيه الأسس التي يحتاجها ليميز بين الهدى والضلال، في شؤون الدنيا والدين. من هنا، فإن الحديث عن "انفصام العقل عن الدين" ليس مجرد نقاش فكري نظري، بل هو قضية تمس جوهر الإنسان ووجهته، وتحدد ما إذا كان سيحيا وفق رؤية متماسكة ذات بوصلة، أم سينقاد وراء فلسفات متضاربة ورؤى مبتورة تُفرّغه من المعنى وتحرمه من الغاية.
بوصفك مسلمًا، يجب ألا تتقبّل لُحمة الدين بالحياة، بل أن تعتقد كينونته فيها وقيامها عليه
بوصفك إنسانًا عاقلًا لا يمكن أن ينفصم عقلك عن دينك. وبوصفك مسلمًا يجب عليك ألا "تتقبّل" لُحْمة الدين بالحياة، بل أن "تعتقد" كينونته فيها وقيامها عليه. لذلك لا يمكن بحال، ولا يستقيم بوجه عند المسلم في أي مجال أن "ينتزع" الإسلام من المعادلة أو "يُبعد" الدين من التصور أو "يُنحّي" الشريعة جانبًا، وغير ذلك من العبارات الحداثية المبتذلة؛ لأنه لو انتزع دينه لم يَعُد مسلمًا في التصور الذي يبني عليه. وإذا لم ينطلق من مُنطلق المسلم، فلن ينتهي إلى المُنتهى المسلم، الذي هو غاية كونه مسلمًا!

تاريخ النشر: ٣٠ يوليو ٢٠٢٥ في ١٢:٥٧ م

آخر تحديث: منذ 10 ساعات

مختارات من بصائر الفكر

عن الكاتب

هدى عبد الرحمن النمر

هدى عبد الرحمن النمر

كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة