
خدعوك فقالوا: الحل هو الحل (1-2)
إن ديننا الحنيف قد علمنا أن لكل خطب أهله، ولكل حدث رجاله، وعلمنا ديننا كذلك أن "الدين النصيحة"، وأن القادة المخلصين ليس من صفاتهم أن يُسفّهوا رأيًا ولا يردوا نصيحة؛ طالما كان للنصيحة وجاهتها، وطالما كانت ابتغاء مرضاة الله، وقدّمها صاحبها بآدابها!!
إن كل ما سبق هو ما شجع العبد الفقير إلى الله تعالى أن يُدلي بدلوه في موضوع شائك مثل موضوع "المطالبة بحل جماعة الإخوان المسلمين وابتعادها عن العمل السياسي والتفرغ للعمل الدعوي"!!
إن موضوعًا شائكًا كهذا لا بد من عرضه في نقاط واضحة ومحددة تجلي الأمر، وتزيل اللبس، وتوضح الغموض، وتخاطب كل الجهات المعنية بالأمر، وهذه النقاط هي:-
أولاً: متى تكون الأمة الإسلامية في حاجة لتكوين جماعة تحمل لواء الإسلام وتتحدث باسمه؟
إن الدارس للتاريخ يعرف أن الفارق الزمني بين سقوط الخلافة الإسلامية (عام 1924م) وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين (عام 1928م) لم يشهد أي جهود من العلماء الرسميين لاسترداد الخلافة ولرأب الصدع الذي حدث في بنيان الأمة الإسلامية نتيجة لسقوط الخلافة؛ ومن هنا كانت الحاجة ضرورية وملحة لمن يبادر بملء الفراغ الذي نتج عن سقوط الخلافة الإسلامية، ورأب الصدع الذي حدث في بنيان الأمة، فجزى الله خيرًا الإمام حسن البنا الذي قام بهذا الواجب نيابة عن الأمة. جاء في كتاب (فقه السياسة الشرعية "الجويني أنموذجًا") للدكتور عمر أنور الزبداني أن الإمام الجويني رحمه الله قال: "فإذا شغر الزمان عن الإمام، وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء "الثقات". وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم، أن يرجعوا إلى علمائهم "الثقات"، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك فقد هدوا إلى سواء السبيل" اهـ. إن الجهل بالأصل الذي ذكره الإمام الجويني رحمه الله هو الذي دفع بعض العلماء الرسميين وغير الرسميين للقول بعدم مشروعية تأسيس الجماعة؛ ودفع البعض من العوام للقول بأنه لولا تأسيس الجماعة ما حدث للأمة ما هي فيه الآن وما حدث للإخوان ما هم فيه الآن، وكأن كل هؤلاء يفهمون أن الإسلام ما جاء إلا ليأمر الناس بأن يدوروا في فلك الحكام مهما كان بُعدهم عن الإسلام، ويعيشون كالأنعام التي لا تُسمن إلا لتذبح!!إن الدارس للتاريخ يعرف أن الفارق الزمني بين سقوط الخلافة الإسلامية (عام 1924م) وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين (عام 1928م) لم يشهد أي جهود من العلماء الرسميين لاسترداد الخلافة ولرأب الصدع الذي حدث في بنيان الأمة الإسلامية نتيجة لسقوط الخلافة؛ ومن هنا كانت الحاجة ضرورية وملحة لمن يبادر بملء الفراغ الذي نتج عن سقوط الخلافة الإسلامية
ثانيًا: الهدف من تأسيس جماعة الإخوان المسلمين
الإخوان المسلمون هي حركة إسلامية سُنية إصلاحية شاملة أسسها الإمام حسن البنا في مصر في 22 مارس 1928م. أما بالنسبة لهدف تأسيس جماعة الإخوان المسلمين فقد أعلنه وأكد عليه الإمام المؤسس بقوله: (تسعى الجماعة إلى تكوين "الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، ثم الحكومة الإسلامية، فالدولة الإسلامية، فأستاذية العالم"). وعند تأسيس جماعة الإخوان المسلمين ركّز الإمام حسن البنا على هدفين أساسيين، وهما: أولاً: أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، وذلك حق طبيعي لكل إنسان لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد. ثانياً: أن يقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القديمة، وتبلغ دعوته الحكيمة إلى الناس، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها. ولكي يكون هدف تأسيس الجماعة واضحًا للجميع من أول يوم قال الإمام حسن البنا رحمه الله: أيها الناس: "إننا فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم" اهـ. وتحت عنوان "مصارحة" قال الإمام حسن البنا في "رسالة المؤتمر الخامس": "أيها الإخوان المسلمون، وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم: إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده. ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول. أجل قد تكون طريقًا طويلة ولكن ليس هناك غيرها، وإنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب. فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات. ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة" اهـ. إن هذا الهدف الثابت والمعلن من أول يوم لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين يعلمه القاصي والداني، والعدو هو أكثر من يعرف مراميه، ولكن للأسف هناك ممن ينتمون للجماعة ويدرسون أدبياتها من لا يفهمون ذلك، فتراهم قصيري النظر، ضيقي الأفق، سطحيي الرؤية، محدودي الهدف، قصيري النفس!! تفصيل الأهداف التي من أجلها تم تأسيس جماعة الإخوان المسلمين ذكرنا بإيجاز هدفين أساسيين لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، أما عن تفصيل الهدفين فهو كالتالي:- 1- بعد إلغاء الخلافة الإسلامية (عام 1924م) لم يكن يصح أن يكون المسلمون بلا هيئة تمثل الإسلام والمسلمين أمام العالم، فإذا كانت الخلافة الإسلامية قد ألغيت فلا بد من تأسيس جماعة تحمل على عاتقها رسالة الإسلام وتبلغها للناس واضحة وضوح الشمس في كبد السماء في يوم صائف، وتكون هذه الجماعة نبتة جديدة ونواة لاسترداد الخلافة الإسلامية، مهما طال الزمان ومهما بلغت التضحيات. 2- في وقت تأسيس جماعة الإخوان المسلمين كانت معظم الدول الإسلامية تقع تحت قبضة الاستعمار، لذا كان من الضروري وجود كيان يوحّد الجهود ويسوّي الصفوف ويرفع اللواء للتحرر من قبضة الاستعمار (وإن شئتم فاسألوا التاريخ عن مقاومة الإخوان للاحتلال وعن دورهم في حرب 1948م وما بعدهما). 3- لقد صاحب الاستعمار غزو فكري للوطن العربي والعالم الإسلامي من أجل القضاء على القومية العربية وطمس الهوية الإسلامية، وهذا يلزمه وجود جماعة تنشر الوعي وتحذر الأمة من مغبة ما يُحاك بها.لقد صاحب الاستعمار غزو فكري للوطن العربي والعالم الإسلامي من أجل القضاء على القومية العربية وطمس الهوية الإسلامية، وهذا يلزمه وجود جماعة تنشر الوعي وتحذر الأمة من مغبة ما يُحاك بها4- انتشار الدعوات إلى التحرر والإباحية واختفاء مظاهر التدين في المجتمع المسلم، وهذا يحتم وجود قدوات يلتف حولها الناس وتحفظ هوية المجتمع المسلم. 5- المحاولات المستمرة لتدجين الأزهر الشريف وعرقلته عن القيام بدوره، وهذا يحتم أن يكون للأزهر الشريف ظهيرًا يعينه على مواجهة المخطط الذي يعمل على تدجينه وتهميش دوره. مما سبق نفهم أن جماعة الإخوان المسلمين إنما أسست على (مرجعية فقهية وأساس شرعي وضرورة بشرية) وليست ابتداعًا من مؤسسها عليه رحمة الله. ونفهم كذلك أن جماعة الإخوان المسلمين هي العقبة الوحيدة أمام الغزو الفكري والمد العلماني واللوبي الصهيوني، وأمام تفكيك الأوطان وإعادة هيكلة الدول وتقسيمها بما يضمن إضعافها وتحقيق المخطط الغربي في بلاد الإسلام.
ثالثًا: دور الغرب وأذنابه في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين
لقد فهم المجتمع الغربي أهداف جماعة الإخوان المسلمين منذ أول يوم للإعلان عنها فلم تسلم يومًا من الإيذاء والتنكيل، وخير شاهد على ذلك هو اغتيال مؤسسها ومرشدها الأول الإمام حسن البنا رحمه الله!! إن الغرب وأذنابه عملوا من أول يوم على تشويه الجماعة وشيطنتها، ليقينهم أنهم لو تركوا الجماعة تحقق الأهداف التي أنشئت من أجلها فستدور على الغرب الدائرة وسيعود تحت هيمنة الإسلام والمسلمين مثلما كان، وتمثل دور الغرب وأذنابه في:- 1- استقطاب حكام الدول العربية والإسلامية والحرص على أن يكونوا من ربائبهم الذين تربوا على مائدة الغرب وتشبعوا بأفكاره ولا يترددوا في تلبية أوامره وتنفيذ مخططاته. 2- استقطاب العلماء الرسميين وأبواق الأنظمة لمهاجمة الإخوان المسلمين وإقناع العلماء الرسميين أن الإخوان ما وُجدوا إلا ليزيحوهم عن المشهد ويسلبوهم مكانتهم وامتيازاتهم. 3- تبني علماء غير رسميين يفتون للعوام بعدم شرعية وجود جماعة الإخوان المسلمين، والتشكيك في تاريخها ومنهجها وأهدافها. 4- الوقيعة بين الأزهر والإخوان عن طريق إقناع علماء الأزهر أن الإخوان يريدون أن يكونوا بديلاً عن الأزهر في ريادة الأمة الإسلامية. 5- غض الطرف عن الانتهاكات والخروقات التي تقوم بها الأنظمة ضد الإخوان المسلمين.رابعًا: متى تظهر المطالب بحل جماعة الإخوان المسلمين؟
نعرف جميعًا أنه كلما عثرت دابة في أقصى المعمورة أو حدثت مشكلة في أي مكان على سطح هذه المجرة المنكوبة صاح من يدّعون الحكمة البالغة والبصيرة الثاقبة والفهم الدقيق وقالوا: إن السبب في المشكلة هي جماعة الإخوان المسلمين، وأن الحل هو حل جماعة الإخوان المسلمين. والمضحك في الأمر هو أن كل هؤلاء كانوا قد أذاعوا من قبل خبر وفاة الجماعة، فكيف ينادون من حكموا عليه بالموت أن يقوم من قبره ليحل نفسه ثم يعود إلى قبره! ونعلم جميعًا أنه كلما ظهر في مكان ما من جسد الأمة الإسلامية جرح غائر ينزف، أو مرت الجماعة بمنعطف ينال من قادتها وقواعدها، تجد من لا يريدون أن يُجهدوا أنفسهم في البحث عن الأمر الواجب فعله لوقف هذا النزيف، والعلاج الذي يجب البحث عنه لعلاج هذا الجرح، وتراهم أول ما يطالبون به هو وجوب حل الجماعة! إن من يروجون لحل جماعة الإخوان المسلمين وتفرغها للعمل الدعوي - سواء من داخل الجماعة أو من خارجها - يظنون أن عدوهم أبله ساذج، وأنه سيكتفي بدرجة واحدة من سلم التنازلات، ولا يعلم هؤلاء أن هذا العدو سيهوي بهم إلى قاع التنازلات ولن يسمح للجماعة بمجرد لقاء داخل دار الأرقم بن أبي الأرقم، وبعد ذلك تكون الجماعة وعموم الشعب عبيد إحسان النظام الذي يعاملهم كالأيتام على موائد اللئام، والوضع الراهن يشهد بكل ذلك!!إن من يروجون لحل جماعة الإخوان المسلمين وتفرغها للعمل الدعوي - سواء من داخل الجماعة أو من خارجها - يظنون أن عدوهم أبله ساذج، وأنه سيكتفي بدرجة واحدة من سلم التنازلاتإن من يروجون لحل جماعة الإخوان المسلمين لا يعرفون من هو عدوهم الحقيقي... فالعدو الحقيقي هو اللوبي الصهيوني الذي حذرنا منه الله تعالى بقوله: ".. وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" (البقرة: من الآية: 120)، وأذناب هذا اللوبي هم الحكام الذين لا يملكون من أمر أنفسهم شيئًا، والذين يعتبرون من تحت أيديهم من المعتقلين والأسرى دروعًا بشرية وحوائط صد، وأن بقاءهم مرهون ببقاء الأسرى والمعتقلين تحت أيديهم!! إن من يروجون للمطالبة بحل جماعة الإخوان المسلمين لا يدركون حجم المؤامرة ولا ينظرون للميدان من كل زواياه، ولا يعلمون يقينًا لماذا تم تأسيس جماعة الإخوان المسلمين!! من أين جاء من يروجون للمطالبة بحل جماعة الإخوان المسلمين وابتعادها عن السياسة وتفرغها للعمل التربوي أو الدعوي بهذا الفهم، والنبي ﷺ لم يترك العمل السياسي يومًا واحدًا (تحالفات، ومعاهدات، وغزوات، واستقبال للوفود، ومراسلات للملوك والأمراء... إلخ). إنني لن أكون مبالغًا لو قلت: إن من يظنون أن الصهاينة وأذنابهم من الحكام سيقبلون يومًا أن يكونوا على وفاق مع الإسلام أو مع أي جماعة تبني مرجعيتها على الإسلام فهو واهم!! إن هؤلاء يحاربون الأفراد ويمنعونهم من الوصول إلى أي مناصب لها صلة بمفاصل الدولة، فهل يُعقل أنهم سيتعايشون مع الجماعة حتى لو أعلنت الجماعة حل نفسها ألف مرة!! يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتابه "الحق المر": "وقد سمعنا صيحة غريبة تقول: لا نريد الإسلام السياسي! فماذا تريدون؟ نريد الإسلام الروحي وحسب! والحقيقة أنهم يرفضون الإسلام كله بدءًا من كلمة التوحيد إلى إماطة الأذى عن الطريق!". وللحديث بقية في الجزء الثاني من نفس الموضوع إن شاء الله تعالى.
الوسوم:
تاريخ النشر: ١٦ سبتمبر ٢٠٢٥ في ٠٣:٢٣ م
آخر تحديث: منذ 4 ساعات
مختارات من بصائر الفكر
عن الكاتب
محمد عبدالرحمن صادق
<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>
عرض الملف الشخصي ←


