ماذا حققت المقاومة بعد حرب غزة؟
بصائر الفكر
١٥ أكتوبر ٢٠٢٥
٤٣ مشاهدة

ماذا حققت المقاومة بعد حرب غزة؟

الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر... لا إله إلا الله... الله أكبر... الله أكبر ولله الحمد. قال تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» (النور: 55). وقال تعالى: «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ» (القصص: 5-6). إنه في الوقت الذي تخلّى فيه الجميع عن رفع راية الجهاد، وهرول كثيرون إلى التطبيع مع شذاذ الآفاق، تقدّمت فصائل المقاومة وفي القلب منها حماس لترفع راية الجهاد خفّاقة، ولو لم تفعل غير ذلك لكفاها ما فعلت عزًّا وشرفًا وكرامة. أقدمت فصائل المقاومة، وفي القلب منها حماس، على حرب بدأتها بتكتيك عسكري سيُدرَّس في كل مكان في العالم عبر التاريخ؛ فكان هذا نصرها الأول الذي أرغم أنف الاحتلال، وكسر هيبته، وكشف عواره وسوأته، ولو أن فصائل المقاومة لم تفعل غير ذلك لكفاها ما فعلت عزًّا وشرفًا وكرامة. والحق يُقال: لولا الظهير الشعبي القوي خلف فصائل المقاومة لكان هناك حديث آخر لا تُرفع معه هامة ولا تستقيم معه قامة. إن هذا الظهير الشعبي القوي هو الذي أصاب قوات الاحتلال الصهيوني بالسعار ولوثة الخبال أكثر ممّا تلقّاه من هجمات كبّدته خسائر لم يكن أكثر المتفائلين يتوقعها، وهذا ما جعل قوات الاحتلال تُمعن في التنكيل بشعب غزة بغية تركيعه وإذلاله. ولله الفضل والمنّة أنه سبحانه لم يمكّن قوات الاحتلال ومَن خلفها مما خطّطوا له وأرادوه لهذا الشعب الأبي.
في الوقت الذي تخلّى فيه كثيرون عن رفع راية الكرامة، تقدّمت غزة لتقول إن العزيمة لا تُشترى، وإن الصمود فعل إيمان قبل أن يكون سلاحًا
 أمّا بالنسبة لمكاسب هذه الحرب فهي كثيرة، بل أكثر من أن تُحصى... أليس التفوّق الاستخباراتي والسيبراني مكسبًا؟ أليس قتلى الاحتلال وجرحاه وأسرَاه مكسبًا؟ أليس تدمير مراكز القيادة في اليوم الأول مكسبًا؟ أليس كذب وتدليس الاحتلال الصهيوني وإخفاؤه حجم خسائره، في عصر السماوات المفتوحة التي ترصد وتحلل كل شيء، مكسبًا؟ أليست حالات العجز الكلّي التي مُني بها جيش الاحتلال بمختلف رُتبه مكسبًا؟ أليس تدمير مئات الآليات التي كبّدت الاحتلال خسائر بأكثر من مئة مليار دولار مكسبًا؟ أليست رحلات الهجرة العكسية خارج إسرائيل، واعتبار إسرائيل مكانًا غير آمن، مكسبًا؟ أليس التمزق الاجتماعي ومظاهرات تحرير الأسرى، ومظاهرات المطالبة بإقالة مجلس الحرب وعلى رأسه نتنياهو، مكسبًا؟ أليس دخول طائفة الحريديم في معترك السياسة واعتراضها على إجبار أفرادها على التجنيد الإجباري، لأول مرة في تاريخ إسرائيل، مكسبًا؟ أليست حالة النفير العام وسحب الاحتياطي مكسبًا؟ أليست حالات الهروب من الخدمة، وحالات الانتحار، والإصابة بالأمراض النفسية مكسبًا؟ أليست الاستعانة بالمرتزقة من كل الجنسيات مكسبًا؟ أليست إقالة وزير الدفاع الإسرائيلي (غالنت) أثناء الحرب إقرارًا بالهزيمة ومكسبًا؟ أليس سقوط أسطورة «القبة الحديدية» وقصف عمق الكيان مكسبًا؟ أليس دخول إيران على خط المواجهة ووصول صواريخها إلى تل أبيب مكسبًا؟ أليس ما فعلته اليمن، وجعل ميناء أم الرشراش (إيلات) فارغًا تمامًا بسبب الصواريخ اليمنية، مكسبًا؟ أليس توحّد سوريا والعراق ولبنان واليمن وإيران بجانب فلسطين على هدف واحد، وهو ضرب الجيش الإسرائيلي، مكسبًا؟ أليس حصول فصائل المقاومة على عشرات الآلاف من الصواريخ التي لم تنفجر، وتحويل ما بها من ديناميت خام وأسلحة، مكسبًا؟ أليس إحياء روح الجهاد في الأمة، وبيان عدالة القضية في المحافل الدولية، وكسب تعاطف شرفاء العالم في مظاهرات لو جُمعت على مدار عامين لبلغت مئات الملايين، وفرض القضية على موائد المفاوضات، مكسبًا؟ أليس موقف بعض الدول مثل جنوب أفريقيا وإسبانيا وإيطاليا وغيرِها مكسبًا؟ أليس قيام بعض الأفراد من دول الجوار، مثل مصر والأردن وسوريا ولبنان، بحالات دهس وقنص وقتل مكسبًا؟ أليس الاعتراف الدولي بحق الفلسطينيين، والاعتراف بقادتهم، ومحو صفة «الإرهاب» عن الجميع، وتعامل القادة بندّية أمام أكبر الهيئات والمنظمات والتكتلات الدولية مكسبًا؟ أليس كشف وفضح الخونة ومخططاتهم داخل غزة وخارجها مكسبًا؟ أليس حرص الجميع على كسب ودّ قادة المقاومة والظهور معهم في المشهد وفي كادر المفاوضات مكسبًا؟ إن كل ما سبق جعل ترامب يصرّح قائلًا: «لن تستطيع إسرائيل أن تحارب العالم». إن هذه المقولة اختزلت المشهد وبيّنت السبب الأساسي الذي جعل الكيان يرضخ للهدنة. لقد أدرك ترامب، بما لا يدع مجالًا للشك، أن إسرائيل كانت تراهن على سرديتها القديمة: «الضحية التي تدافع عن نفسها»، لكنها هذه المرة فشلت في شراء ضمير الإعلام، وانهارت سرديتها أمام الصور التي خرجت من بين الركام، أمام وجوه الأطفال والناجين، وأمام مشهد الإصرار في غزة رغم الحصار والنار. وحين صار الرأي العام العالمي يرى أن إسرائيل لا تحارب «الإرهاب» كما تزعم، بل تحارب الإنسانية، بدأ قادتها يدركون أن استمرار الحرب لم يعُد ممكنًا. لذلك لم تكن الهدنة خيارًا استراتيجيًا، بل ضرورة وجودية لتهدئة العالم، لأنه كما قال ترامب: «إسرائيل دمّرت غزة، لكنها خسرت العالم».
إن إضعاف العدو نصر، وكسر هيبته نصر، والثبات في مواجهته نصر، والتمكين لدين الله ولو في شبر واحد من الأرض نصر
بالطبع سيخرج علينا من يقول: إنك تعدّد خسائر إسرائيل وكأن شعب غزة لم يُصب بشيء من ذلك! لهؤلاء أقول: شتّان بين مَن يحرص على الشهادة، ويحتسب تبعات الحرب عند الله تعالى طمعًا فيما عنده، وبين مَن وصفهم الله تعالى بأنهم «أحرص الناس على حياة». لذلك تجدهم يقايضون الفرد الواحد من أسراهم، أو الجثة الواحدة من هلكاهم، بمئات الأسرى الفلسطينيين. وأقول: إن المقاييس في الإسلام مختلفة تمامًا؛ لأنها عقيدة وإيمان قبل أن تكون سلوكًا وفعلًا. إن إضعاف العدو نصر، ومراغمته نصر، وغيظه نصر، وكسر هيبته نصر، والثبات في مواجهته نصر، وإرهابه نصر، والتمكين لدين الله ولو في شبر واحد من الأرض نصر، وجعل كلمة عدو الله السُّفلى وكلمة أولياء الله هي العُليا نصر. إن النصر هو أن تحقّق الهدف الذي أعلنته من بداية الحرب على عدوك. وقد أعلن السنوار (رحمه الله) أن الهدف من الحرب هو: أن يجعل إسرائيل منبوذة دوليًا، وأن يضع أنفها في التراب، وأن يكسر هيبتها، وأن يعيد القضية الفلسطينية إلى بؤرة الاهتمام العالمي، وأن يحرّر الأسرى في سجون الاحتلال... وقد حدث هذا كله بالفعل. وبالطبع هناك ثُلّة من مرضى القلوب، وخُبَلى العقول، وموتى الضمائر، الذين طمس الله على أبصارهم وعلى قلوبهم؛ لذلك فهم لا يرون كل ذلك ولا يعترفون به. وهؤلاء لا وزن لهم ولا اعتبار، وليسوا معنيّين بالخطاب. أخيرًا، أقول لجميع شعب غزة قادةً وأفرادًا، ولجميع الشرفاء والوسطاء: شكر الله سعيكم وتقبّل جهادكم. وإن كان لمثلي أن يقدّم نصيحة لأمثالكم: اعلموا أن الكيان لم ولن ينسى الصفعة التي تلقّاها يوم السابع من أكتوبر عام 2023م؛ لذلك فإنه لن يعترف بأي اتفاق، ولن يحترم أية معاهدات، وأن سمته وديدنه، بل وعقيدته، خرق الاتفاقيات وامتهان المعاهدات... والباقي أنتم تعرفونه.
سلامٌ على من قضى، وسلامٌ على من ما زال يقاوم بالبقاء والكلمة والوعي... فالنصر الحقيقي أن تبقى الفكرة حيّة رغم الحصار
ولا يفوتنا ونحن في هذا المقام أن نقول لكم: سلامُ الله عليكم يا أفذاذ الأرض، يا تيجان الرؤوس، يا أسياد أمة محمد ﷺ، يا أحفاد عمر والقعقاع وسعد وخالد. سلامٌ عليكم بُكرةً وعشيًّا، على مَن قضى، على مَن في سبيل الله مضى، على كل من الدنية في دينه ما أعطى ولا رضِي. ولا يفوتنا ونحن في هذا المقام أن نقول لكل صاحب مقالة، أو كلمة، أو مشاركة في فعالية، أو تبرّع، أو دعاء، أو منشورٍ صادقٍ فضح الإبادة وساهم في عزل الكيان وكشف وجهه القبيح أمام العالم: شكر الله سعيكم. الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر... لا إله إلا الله... الله أكبر... الله أكبر ولله الحمد.

تاريخ النشر: ١٥ أكتوبر ٢٠٢٥ في ١٢:٠٥ م

آخر تحديث: منذ 3 ساعات

مختارات من بصائر الفكر

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة