الإعلام المقاوم.. معركة العقول قبل ميادين السلاح
بصائر الفكر
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥
٤٠ مشاهدة

الإعلام المقاوم.. معركة العقول قبل ميادين السلاح

لم تعد الحرب في زماننا تُخاض بالرصاص وحده، بل بالعقول والعدسات والكلمات. العدوّ الذي يعجز عن كسر إرادة المقاومة في الميدان، يحاول أن يهزمها في الوعي. ولهذا، فإن امتلاك الرواية الصادقة أصبح اليوم جزءًا من الجهاد، بل صورة من صور فريضة البلاغ في عصر الإعلام.

الوعي.. الميدان الأخطر في معركة الأمة

منذ بدايات الوحي، كان الوعي أول ميادين الصراع بين الحق والباطل. فالقرآن حين نزل على النبي ﷺ، لم يواجه فقط سيوف قريش، بل واجه خطابًا إعلاميًا يصنع الزيف ويزيّن الباطل ويقلب المعاني. ولهذا خاطب الله نبيه بقوله: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} . فالصراع بين الحق والباطل لم يكن ماديًا فقط، بل صراعًا على الوعي والإدراك والتفسير. وفي عصرنا الرقمي، تحوّل الإعلام إلى سلاحٍ إستراتيجيٍّ يتجاوز القنابل في قدرته على تشكيل العقول. فالمحتلّ الذي يُهزم في الميدان يحاول إعادة كتابة الوقائع عبر شاشاته ومنصاته.
الحرب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ، بل بقدرة الأمة على حماية وعيها من الزيف؛ فالأمة التي تمتلك روايتها، تمتلك قرارها ومصيرها
لقد أدركت “إسرائيل” منذ عقود أن الحرب على الوعي لا تقلّ أهمية عن الحرب العسكرية. فأنشأت مئات المراكز الإعلامية والدعائية لتصوير المقاومة كـ“إرهاب”، ولغسل العقول الغربية والعربية من فكرة الحق الفلسطيني. لكنّ المفارقة الكبرى أنّ الوعي الشعبي الإسلامي اليوم لم يعد هشًّا كما كان. فمع ثورة الاتصال الرقمي، خرجت رواية المقاومة من الحصار الإعلامي لتصبح صوتًا عالميًا. حين نقلت كاميرات الشباب في غزة مشاهد القصف والبطولة في “طوفان الأقصى”، تغيّر ميزان الرواية. أصبح العالم يرى ما كان يُخفى لعقود، وبدأت الشعوب تُدرك أن الحرب ليست بين دولتين، بل بين احتلالٍ مدجّجٍ بالكذب، وشعبٍ أعزلٍ يحمل الحقيقة. الوعي إذًا هو الميدان الذي يسبق كل انتصارٍ ميداني. فلا يمكن لأمةٍ مهزومة في وعيها أن تنتصر في أرضها. بل إنّ الأمة التي تُصدّق رواية عدوّها عن نفسها، تفقد ثقتها بقدرتها على الفعل، وتتحوّل إلى متلقٍّ للتاريخ بدل أن تكون صانعةً له. ولهذا، فإن المعركة الأولى في طريق التحرير ليست في الخنادق، بل في العقول.

الإعلام المقاوم.. من نقل الحدث إلى صناعة الوعي

الإعلام في المفهوم الإسلامي ليس وظيفة نقلٍ، بل أمانة تبليغٍ وشهادةٍ على الناس. قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} . هذه الشهادة تقتضي وعيًا لا حيادًا؛ فليس المطلوب من الإعلام المسلم أن يصف الحدث، بل أن يقدّم تفسيره من زاوية الحق والعدل. لقد أثبتت المقاومة الفلسطينية، خصوصًا بعد “طوفان الأقصى”، أنّ الإعلام المقاوم لم يعد هامشًا تابعًا، بل صار ركنًا من أركان الصراع. فبينما كان العدوّ يراهن على تشويه الصورة وإسكات الصوت، تحوّل الإعلام المقاوم إلى سلاحٍ يوازي قذائف (ياسين 105) في أثره المعنوي. الصور التي خرجت من تحت الركام، والشهادات التي نُقلت من قلب الحصار، كانت أقوى من ألف بيانٍ سياسي. لقد أثبتت أن الكاميرا حين تُمسكها يدٌ مؤمنة تصبح منبرًا من منابر الجهاد. الإعلام المقاوم لا يهدف فقط إلى كشف جرائم العدوّ، بل إلى بناء وعيٍ جمعيٍّ ناضجٍ داخل الأمة. فالمعركة ليست على الصور فحسب، بل على المعاني التي تُزرع في وعي الناس: من العدو؟ من الشهيد؟ ما معنى الكرامة؟ وحين يصبح الشباب المسلم قادرًا على التمييز بين “الرواية” و“الحقيقة”، يكون قد انتصر في أشدّ ميادين الصراع تعقيدًا.
الإعلام المقاوم ليس صوتًا في خلفية المعركة، بل هو المعركة ذاتها حين تتحوّل الكلمة إلى سلاحٍ أخلاقيٍّ يواجه الكذب بالصدق، والزيف بالبصيرة
من هنا تأتي أهمية التربية الإعلامية الواعية داخل الحركات الإسلامية. فالإعلامي في زمن الحرب لا بد أن يكون داعيةً بلسانٍ رقميٍّ، يجمع بين المعلومة والنية الصادقة، بين الوعي بالواقع والولاء للفكرة. فالكلمة حين تُقال لله تتحوّل إلى سلاحٍ يغيّر الموازين. إنّ الإعلام المقاوم لا يكتفي بالردّ، بل يصنع السرد. يقدّم للرأي العام العالمي روايةً بديلةً تُعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني، وتُعرّي زيف المحتلّ الذي بنى صورته على الخداع والتضليل. فالحرب على الوعي ليست صراعًا على الخبر، بل على الشرعية الأخلاقية في نظر الشعوب. ولعلّ أخطر ما يواجه الأمة اليوم ليس ضعفها في نقل الحقيقة، بل تسرّب رواية العدو إلى وعيها الداخلي عبر خطابٍ ثقافيٍّ أو سياسيٍّ متواطئ. ومن هنا تبرز مسؤولية العلماء والدعاة والمفكرين والإعلاميين في حماية الوعي الجمعي من الاختراق، عبر الخطاب المتوازن الذي يجمع بين العلم الشرعي والفهم السياسي، بين حرارة الإيمان وبرودة التحليل. إن الإعلام المقاوم اليوم يقف على أعتاب مرحلةٍ جديدة؛ مرحلة صناعة الوعي لا مجرد بثّ الأخبار. فالمطلوب ليس أن نُشاهد الحدث، بل أن نفهم دلالاته ونُترجمها إلى مواقف عملية. لقد علّمتنا غزة أن معركة الوعي لا تقلّ قسوة عن معركة الميدان. فكما يُربّى المجاهد على الثبات، يُربّى الإعلامي المقاوم على الصدق، وضبط الانفعال، وحُسن التوقيت، واحترام عقل المتلقي. وحين تتوحّد الكلمة مع البندقية في هدفها ومبدئها، تصبح الأمة في موقع الفعل لا في موقع الدفاع.
من يملك وعي الناس يملك التاريخ؛ ومن يربّي الأجيال على التمييز بين الحقيقة والدعاية، فقد وضع حجر الأساس لتحرير الأرض والعقل معًا
لذلك يقف الجيل المسلم أمام فرصةٍ تاريخية: أن يُعيد صياغة الوعي العالمي حول فلسطين عبر أدوات العصر. فكلّ شابٍّ يكتب تغريدةً صادقة، أو يوثّق جريمةً بعدسته، أو يشرح قضية فلسطين بلغةٍ يفهمها الغرب، إنما يشارك في معركة الأمة الكبرى. هي معركة من يملك الكلمة ومن يملك الصورة ومن يملك الحقيقة. ولذلك، فإن الواجب على المؤسسات الإسلامية والمقاومة أن تستثمر في الإعلام لا كوسيلة ترويج، بل كجبهة رباط. فكما تُبنى الكتائب على التدريب والإعداد، يجب أن تُبنى منصّات الوعي على الفكر والمنهج والانضباط الأخلاقي. بهذا فقط يتحوّل الإعلام إلى جهادٍ ناعمٍ يوازي الجهاد الصلب في أثره وأجره. وكلما حاول العدوّ أن يدفن الحقيقة تحت ركام الدعاية، أعادها الله لتسطع من قلب المأساة. فالحقّ بطبيعته لا يموت، لأن الله تكفّل بنصره: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} . وهكذا تبقى الكلمة الصادقة هي الطلقة التي لا تُخطئ هدفها، لأنها تنطلق من قلبٍ مؤمنٍ بأن الحقيقة وجهٌ آخر للنصر.

تاريخ النشر: ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥ في ٠٦:٤٣ م

آخر تحديث: منذ 4 ساعات