الأمة والمواطنة، التقاء أم افتراق؟
بصائر الفكر
١٦ أغسطس ٢٠١٦
١٧ مشاهدة

الأمة والمواطنة، التقاء أم افتراق؟

شهد الفكر السياسي الإسلامي تباينات في الآراء حول مفهوم الأمة والدولة، وطبيعة العلاقة بينهما، وتعمق الخلاف في ظل الدولة المدنية، التي لم يعد الدين هو الناظم لهويتها، وأصبحت المواطنة قبلة الأنظمة المعاصرة، مما أدى إلى ظهور تساؤلات حول العلاقة بين نظام الأمة ونظام المواطنة، وهل المواطنة بديلة عن الدين أو متداخلة معه؟، فجاءت هذه الأسطر للإجابة عن بعض هذه الأسئلة.

وقفة مع المفاهيم:

أولاً: المواطنة:

إن التعامل مع مفهوم المواطنة على أنه قالب ثابت، يعد اختزالاً وتسطيحاً، فهو مركب له أبعاد متعددة، شرعية وسياسية وقانونية، كما مر بعدة أطوار ومراحل، وجاء في سياقات مختلفة، لذلك عدها بعضهم محاولة لكبح جماح الدولة لصالح حقوق المواطنين، وأنها لا تتعارض مع الانتماء الديني، بينما نظر لها آخرون على أنها رابطة بديلة عن الدين، ولعل معرفة الخلفيات التاريخية والثقافية لنشأة مفهوم المواطنة، بما اكتنفها من تنحية للدين في المجتمع الغربي، ومحاولة تعميم هذا النموذج من خلال الدولة المدنية، يفسر تعدد تعريفاتها، واختلاف زوايا النظر إليها، والتخوفات من نظامها في بعض الأوساط الإسلامية، ولست بصدد استقصاء ذلك، وإنما أقتصر على تعريف يحاول رسم ملامحها التي استقرت عليها: المواطنة هي: "علاقة قانونية بين الفرد وبين الوطن الذي تمثله الدولة، تقوم على أساس الانتماء لوطن واحد خاضع لنظام سياسي يرتبط بالجنسية"(1).

ثانياً: الأمة:

إن المتتبع لاستعمال مصطلح الأمة يجد أنها تستعمل بعدة معاني، فإذا أطلقت في مقابل السلطة، قُصد بها الشعب، أما إذا أطلقت بجانب الوطن فيراد بها الكيان الواسع القائم على أساس عقدي أو عرقي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ولعل المعنى الثاني هو المراد هنا. وإذا أطلقنا الأمة هنا فإنما نعني بها الأمة الإسلامية، التي ينتمي إليها المسلمون في كل مكان، وهي واحدة لا تتعدد، والمؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها أمة واحدة، كما قال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} ، فمعبودهم واحد، ومنهجهم واحد، وكانت دولتهم واحدة، وبقيت مدة من الزمن كذلك قبل أن تنقسم إلى دويلات متعددة، فأمسى المسلمون اليوم أمة واحدة، ودولاً متعددة بحكم الواقع، ومقصد الشريعة من نظام الأمة كما يقول الطاهر ابن عاشور: "أن تكون قوية، مرهوبة الجانب، مطمئنة البال"(2). من خلال العرض الأولي لمفهوم المواطنة والأمة، يُلاحظ أن الحقوق والواجبات في المواطنة قائمة على أساس الجغرافيا، بينما في الأمة فمردها إلى الانتماء الديني(3)، فهل يمكن التوفيق بين هذين النظامين أو يعد أحدهما بديلاً عن الآخر؟.

اتجاهات رسم العلاقة بين الأمة والمواطنة في واقعنا المعاصر:

معظم من تحدث عن التقاطع بين الأمَّة والمواطنة انطلق من آية: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}
ظهرت عدة اجتهادات تحاول بلورة الموقف من العلاقة بين الإسلام والقومية والوطنية، تتلخص في اتجاهين: الاتجاه الأول: إنكار المواطنة وإلغاؤها، فهو يرى أن الأمة هي الأصل، والمواطنة وافد دخيل غير مقبول(4). الاتجاه الثاني: اعتبار المواطنة وإقرارها، وتعددت الآراء داخل هذا الاتجاه، بين من يعد الأمة هي الأصل، والمواطنة مندرجة تحتها، وبين من يراها بديلاً عن الأمة(5). إن معظم من تحدث عن التقاطع بين الأمة والمواطنة انطلق من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} ، حيث يجب مناصرة المؤمنين المنتمين للأمة في حدود الإمكانات وإن لم يكونوا مواطنين للدولة، ما لم يكن بين هذه الدولة وغيرها ميثاق يمنع ذلك، فهي حفظت رابطة الإسلام وميزت بين المسلم داخل إقليم الدولة والمسلم خارجه، وقد وقع اختلاف في تفسير هذه الآية، من حيث كونها تفسيراً تاريخياً أو أساساً ثابتاً، واتكأ عليها كلا الاتجاهين في دعم موقفه(6).

مستند المنكرين للمواطنة:

تمسك الرافضون للمواطنة بأنه يلزم منها المساواة بين المسلم وغيره في كل شيء ما دام من سكان تلك البلاد، فتصبح المواطنة بديلاً عن الدين، ووسيلة ناعمة لتنحية الشريعة وإبطالها، مع أن الدين مقدم على الوطن، وإنما شرعت الهجرة من الأوطان حفاظاً على الدين، كما أن المواطنة محدودة الأبعاد، وتمثل دعوة لتفريق الأمة، وانشغال الناس بقضاياهم الوطنية عن قضايا الدين، يضاف إلى ذلك أن نظام المواطنة بشري قابل للتبديل ويتعارض مع الولاء والبراء، بخلاف نظام الأمة، فهو رباني ثابت، كما أن جعل رابطة الخيرية الإيمانية الإسلامية أساساً معنوياً لاجتماعها، أعلى من الانتساب القومي العربي والكردي والتركي والفارسي وغيره(7).

مستند القائلين بمشروعية المواطنة:

يرى القائلون بمشروعية المواطنة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقر نظامها من خلال وثيقة المدينة، كما أن نظام المواطنة فيه إيجابيات يمكن الاستفادة من خيرها وتلافي شرها، إذ لا تلازم بين المواطنة وعلمنة الدولة والتخلي عن المرجعية الإسلامية، فدوائر الانتماء متعددة، كالأسرة والعشيرة والقبيلة والشعب، وقد أقرها الإسلام، ولما سئل صلى الله عليه وسلم: (يَا رَسُولَ اللهِ أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ)(8)، فدعوة الأنبياء قامت على أساسٍ قومي ووطني، حيث جاء في القرآن: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، وقوله تعالى: {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} ، على أن هذه الوظيفية القومية ذات منطق فطري لا عنصري(9).

خيار المرحلة:

الجنسية اليوم انتماء مدني اجتماعي، وليس عقدي مذهبي، فلا تصح المقارنة بينهما على أساس المقابلة، إذ إنهما مختلفان، لكنهما يتكاملان
إن الدول المسلمة المعاصرة ليست إسلامية بالمعنى التاريخي لمدلول الكلمة، إنما هي دول قامت حسب دستور المواطنة، وإن مثلت الشريعة المصدر الرئيس في تشريعها، ووجد أغلب سكانها من المسلمين، فالجنسية اليوم انتماء مدني اجتماعي، وليس عقدي مذهبي، فلا تصح المقارنة بينهما على أساس المقابلة، إذ إنهما مختلفان، لكنهما يتكاملان، وإن اختلفت قيمة كل منهما ومرتبته والتزاماته، فقد ينتمي المسلم لدوائر عديدة من غير تعارض بينها ، وعليه فإن المواطنة ينبغي أن تكون جزءاً من مكونات الأمة لا بديلاً عنها، وإصلاح الجزء سبيل لإصلاح الكل، وقد تحدث الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله- عن القومية والوطنية، وجعل قومية المجد وقومية الأمة والقومية الإسلامية بمعناها الإصلاحي المبني على الدين مأمور بها، وكذلك الوطنية بمعنى حب الوطن والدفاع عنه، وفداؤه بالنفس والمال أصل شرعي، أما قومية الجاهلية والعدوان، ووطنية الحزبية، فهي مناقضة للإسلام(10)، فالمسلم ينتمي للأمة الإسلامية، وهو مواطن في الدولة التي يحمل جنسيتها من غير إشكال، ويتصور وجود إشكال في عدة حالات، منها(11): الأولى: وجود بعض الأنظمة المخالفة للشريعة في الدول التي يطلق عليها إسلامية، وهي متبعة لأنظمة الدولة المدنية، فهل ينبغي على المسلم الالتزام بهذه الأنظمة أو يتبع الموقف الشرعي المعارض للقانون؟ الثانية: غير المسلمين في الدول المسلمة التي تحمل طابعاً مدنياً، هل لهم جميع الحقوق المدنية التي للمسلمين باعتبارهم مواطنين في هذه الدولة أو لا؟ الثالثة: المسلمون الذين يعيشون كأقليات مسلمة في بلاد غير إسلامية، ومدى جواز التزامهم بأنظمة دولهم التي تتضمن أحياناً مخالفات شرعية. الرابعة: حدود العلاقة بين المسلمين الحاملين لجنسية دولة مسلمة، مع المسلمين الحاملين لجنسية دولة أخرى سواء كانت الدولة الأخرى مسلمة أم كافرة؟ هل يجب عليهم أفراداً ودولاً مساندة إخوانهم المسلمين في الدول الأخرى، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، أو يعد ذلك انتهاكاً لسيادة الدول، وعبثاً في شأنها الداخلي؟ وُجدت محاولات عديدة لمعالجة هذه الإشكاليات، وتركزت كثير من الجهود الإسلامية المعاصرة حول منهج تطبيق الشريعة في الواقع المعاصر، وأولوياته، وحدود المرونة المقبولة للمحافظة على الروح الإسلامية أثناء التدرج في التشريع والتطبيق، وأسلمة الأنظمة الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما تحدث الفقهاء قديماً وحديثاً عن حقوق الذميين في الدولة الإسلامية، ونشأ فقه الأقليات للتفاعل مع قضايا المسلمين في البلاد غير الإسلامية، ونشأت مجامع فقهية، ومراكز خاصة؛ لدراسة المستجدات المتعلقة بهم، وتحدث المفكرون عن حدود العلاقة بين المسلمين في البلدان المختلفة، ضمن إطارات العلاقات الدولية.
رغم كثرة ما كُتب حول المواطنة والأمة، بقيت جوانب بحاجة إلى البحث الموضوعي الجماعي، المراعي لمتغيرات الواقع، ومقاصد الحكم
لعل التحدي الأكبر يرتبط بخضوع دولة المواطنة في واقعنا المعاصر لنظام دولي تُمثل مواثيق الأمم المتحدة المؤثر الفاعل فيه، مما جعل الحكم النظري التجريدي على نظام المواطنة يأخذ طابع البراءة، بينما الحكم عليه في ميدان تطبيقه على الأرض، يجعله ملتبساً بعوامل أخرى متعلقة بممارسته بطريقة مجافية لما يرفع من شعارات، فهل نعطي الحكم الشرعي للصورة المجردة أم للتطبيق الممارس؟ ختاماً فإن هذا الموضوع أكبر من أن يحيط به مقال من جميع جوانبه، ورغم كثرة ما كُتب حول الأمة والمواطنة، بقيت جوانب بحاجة إلى البحث الموضوعي الجماعي، المراعي لمتغيرات الواقع، ومقاصد الحكم في الشريعة الإسلامية. ____________________________ الهوامش (1) انظر: المواطنة أم الأمة، وهو مقال للدكتور محمد موسى الشريف، منشور على موقع صيد الفوائد على الرابط: http://www.saaid.net/Doat/alsharef/56.htm (2) مقاصد الشريعة الإسلامية للطاهر ابن عاشور (ص: 155)، طبعة دار السلام، ط: السادسة، عام 1435هـ- 2014م. (3) انظر: الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة للدكتور إسماعيل الشطي (ص: 61)، من منشورات ضفاف، ط: الأولى، عام 2013م. (4) انظر: الوطن والانتماء الوطني والمواطنة في الفكر الاجتماعي الإسلامي للدكتور صبري محمد خليل، مقال منشور في صحيفة الراكوبة، بتاريخ 13/3/2013م، متوفر على الشبكة العنكبوتية على الرابط: http://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-31338.htm (5) الفكر الإسلامي وقضايا السياسية المعاصرة للدكتور أحمد الريسوني (ص: 141)، طبعة دار الكلمة، ط: الأولى، عام 2013م. (6) انظر: الحرية العامة في الدولة الإسلامية للغنوشي (ص: 290)، طبعة مركز دراسات الوحدة العربية، ط: الأولى، عام 1993م. (7) أصول الإفتاء للراشد (4/ 43)، المواطنة أم الأمة، للدكتور محمد موسى الشريف. (8) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (28/196)، طبعة دار الرسالة، تحقيق الأرناؤوط وآخرين، وقال عنه "حديث حسن". (9) الفكر الإسلامي للريسوني (ص: 145). (10) انظر: الفقه السياسي عند الإمام الشهيد حسن البنا، للدكتور محمد أبو فارس (ص: 85 وما بعدها)، دار البشير- طنطا، ط: الأولى، عام 1999م. (11) انظر: الحريات العامة للغنوشي (ص: 291)، الفكر الإسلامي للريسوني (ص: 147)، بين الشرعية والسياسة للدكتور جاسم عودة (ص: 21)، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط: الأولى، سنة 2012م.

تاريخ النشر: ١٦ أغسطس ٢٠١٦ في ١٠:٠٨ ص

آخر تحديث: منذ 22 ساعة