
متى تنتصر حلب؟
منذ أن أقام النبي صلى الله عليه وسلم الدولة في المدينة المنورة ورفع قواعدها وأسس بنيانها والسياسة العالمية تستهدفها، وتنظر إليها على أنها مهددة لبقائها وأنها ستكون سبب انتفائها، وذلك لعدة أسباب قد يكون من أهمها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى العدالة المطلقة، وكذلك عالمية هذه الرسالة؛ فأصبح جليا لجميع الدول وخاصة دول الجوار أن هذه الدولة ما إن تستقر حتى تبدأ بالتوسع، من أجل نشر رسالة الحرية والسلام في جميع العالم ورفع الظلم عن الناس.
ومنذ ذلك الحين والجميع يخطط لإنهاء هذه الدولة للمحافظة على بقائهم ووجودهم، فكما أن أبا جهل راعه بعثة النبي وأنها ستحطم سيادته وعائلته، وأبو سفيان خاف على تجارته ومصالحه الجهوية، فإن الدول كذلك هي الأنموذج المكبر لهذه الرؤى الضيقة، فإنما هي مصالح وكراسي ومناصب يجب المحافظة عليها، والخوف لم يكن من محمد كشخص وإنما هي الفكرة، لأن بلالاً سيصبح ينظر إلى أمية بأنه بشري مثله، وأن له حقاً على سيده يجب أن يؤديه له كما على العبد خدمة سيده، والتي بادت فيما بعد، أعني السيادة والعبودية.
مما فطن له العالم اليوم أنه لابد من التجمع ضد العالم المسلم، وأنه يجب توحيد الجهود للقضاء على هذه الفكرة مهما بدأت أو بدت صغيرة محدودةومما فطن له العالم اليوم أنه لابد من التجمع ضد العالم المسلم، وأنه يجب توحيد الجهود للقضاء على هذه الفكرة مهما بدأت أو بدت صغيرة محدودة، فالأفكار سريعة الانتشار، وقد لا يظهر لها مظهراً واضح المعالم، خاصة بعد الذي جرى في الربيع العربي، وأنه إذا سقط النظام الموالي لهذه الملل الكافرة فإنهم لا يأمنون من سيحمل الراية من بعده وما هي أفكاره وما الذي سيسعى إليه! فالتجربة التونسية والتجربة المصرية جعلت من الغرب الغافل عنا قليلاً يتيقظ ويتنبه جيداً؛ لأن كل الأسلحة والدعم الذي كان موجهاً لأذنابهم يوماً ضد شعوبهم صار اليوم بيد شعوبهم موجهاً ضدهم، وأُجهض حلم الربيع في مهده، ولسنا هنا بصدد مناقشة أسباب تراجع الربيع العربي، إلا أن من الواجب معرفته أنها مثل الهجمة المرتدة والتي ستتلوها هجمات أخرى وربما في بلدان أخرى، لذا لا يحلم الغرب بأن الواقع اليوم عاد كما كان عليه من ذي قبل مهما تشابهت الظروف أو أشكال الأنظمة العميلة التي باعت شعوبها لأجل كراسيها. واليوم لا تزال آخر معاقل الربيع العربي في حالة من الحرب الطاحنة، والتي تجلت بشكل واضح في حمص ومن ثم درعا ومن ثم حماة واليوم حلب وما بينهما من أرياف وقرى وضيعات، والتي تدخلت فيها قوى الشر ممن يدّعون الإسلام، والنظام السوري القاتل، وكذلك القوات العالمية التي يرأسها النظام الروسي اللئيم، كلها قد تجمعت لتصب جام غضبها على هذه البقعة والتي تجمع فيها المناوئون للنظام السوري وفتحوا خطوط الإمداد العسكري والبشري من دول الجوار، لتنبه جيدا أعداء الإسلام إلى أن حلب قد تكون بداية النواة التي من الممكن أن تجهض حلمهم وأن تدمر ما كانوا يعرشون. وهنا يكمن السؤال: أين المسلمون مما يجري في حلب؟ ولماذا لا ننتصر على الكفار ونحن موحدون وهم كفار؟ ألا توجد لنا وسيلة سوى الدعاء لهم كما يخبرنا المشايخ والعلماء؟ قبل أن تبحث عن هذه الإجابات، ارجع واقرأ في التاريخ، واقرأ جيداً كيف كانت تقوم الدولة وتنتصر؟، ومتى تهزم وتندحر؟. لعلنا نشير في هذا المقال إلى شذرات ودلالات ولابد من الرجوع إلى أمهات كتب التاريخ لقراءة الواقع جيداً ودراسة الظروف التي ما تتشابه دائما حتى قال من قال بأن التاريخ يعيد نفسه وما أشبه الليلة بالبارحة. أول ما يجب معرفته لمن أراد النهوض بمشروع الأمة ومن حمل على عاتقه بناء دولة قوية تقف في وجه المد الصليبي واليهودي والتي من شأنها تحرير كل وطن مسلم من سطوة المحتل والمستعمر، معرفته هو وجوب تنظيف مؤسسات الدولة جميعا من أذناب الغرب، فالخيانة تاريخياً أصابت من الأمة ما لم تصبه أسلحة أعدائها، كابن العلقمي، في الدولة العباسية وكيهود الدونمة في الدولة العثمانية ومن ادّعوا الإسلام من الروس كذلك في الدولة العثمانية وكثير ممن راسل الصليبيين لتسليمهم البلدان مثل شاور أيام وزارة صلاح الدين الأيوبي في مصر وغيرهم الكثير والكثير، واليوم بدا شكل الخيانة مختلفاً قليلاً، فالغرب أصبح يولي على المسلمين أذنابه وينشرهم في مؤسسات الدولة وإن أكبر برهان على ذلك هو ما رأيناه من أثر للدولة العميقة في مصر، وما نراه في فلسطين.
مما يجب على أصحاب مشروع النهضة إدراكه كذلك أن الفرقة كانت ولا زالت سبب الضعف الأكبر لهذه الأمةومما يجب على أصحاب مشروع النهضة إدراكه كذلك أن الفرقة كانت ولا زالت سبب الضعف الأكبر لهذه الأمة، وما تحررت القدس إلا بوحدة المسلمين، وما ضاعت إلا بتفرقهم وتشتتهم، حتى إن اليهود لم يستطيعوا أن يأخذوا فلسطين من السلطان عبد الحميد على ضعف دولته؛ لأن المسلمين يومها كانت تجمعهم راية واحدة، ولما قضوا على ولايته ضاعت البلدان كلها وليست فلسطين فقط. وقبل أن تبدأ مشروع النهضة عليك أن تقوي الإيمان في صفوف الأتباع والجنود، فساح الوغى لا يقوى على الوقوف فيها من لا يقوى على الوقوف في صف الصلاة، ومن لم تتورم قدماه في قيام الليل لن تحمله أقدامه أمام العدو إذا ما حمي الوطيس وهذه قاعدة ربانية {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}. ومع زيادة الإيمان لابد من رفع الحماسة، فلطالما خاف الناس من قتال العدو وأحبوا أن يركنوا إلى الدعة والراحة والسلم ولو كان مصحوباً بالذل {يا أيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا}، بل إننا رأينا من يقاوم المجاهدين ويدعو لحربهم خشية أن تقوم الحرب بينهم وبين عدوهم وبحجج واهية. ولعل من غريب ما يجعلنا نضعف أمام فكرة إقامة الدولة المسلمة التي أمرنا الله بإقامتها ونخشى مواجهة عدونا هو الحياة الوظيفية الرتيبة التي بدأنا نعيشها، فبين خائف على وظيفته وخائف على تجارته وبين حالم بمستقبله تذهب البلدان ويركبنا العدو ونحن لا يزال أحدنا همه تجارته وهمه وظيفته ومستقبل أبنائه، كم من رجل حلم بأن يعلم أبناءه وبذل في ذلك وسعه وحياته واجتهد في وظيفته أو تجارته وجمع الأموال لذلك وبنى ورسم وخطط، حتى جاءته قذيفة ألقت أبناءه صرعى أمام عينيه، فصار الكثير من شاكلته اليوم يبحثون عن وطن يؤويهم فقط من تلك البراميل المتفجرة أو الصواريخ الذكية، لا ينشد سوى حياة أبنائه، فقط حياتهم ولو كانت غير كريمة.
لن تتقدم هذه الأمة خطوة واحدة حتى تقتلع بأسنانها مخلفات الاستعمار والتراجع الفكري للأمةوأخيراً لن تتقدم هذه الأمة خطوة واحدة حتى تقتلع بأسنانها مخلفات الاستعمار والتراجع الفكري للأمة، ورمز ذلك هو هؤلاء الحكام القابعون على كراسيهم، المستعدون لإبادة شعوبهم فقط لأجل خدمة عدوهم الذي وظفهم هنا، فللغرب مصلحة في بقائهم ولو أريقت كل دماء الشعوب، وإن كانت إراقة دم الشعوب المسلمة في الأصل هدفاً للغرب المعادي للإسلام والمسلمين. حلب اليوم تمثل أيقونة العالم المسلم، وهي المثال المصغر لكل المدن المسلمة، وما يحدث فيها ليس ببعيد عن أي دولة مسلمة أخرى، وصدقوني لن تعود للأمة أمجادها دون أن تكسر حاجز خوفها وتحطم صنم حكامها ومن ثم تشهر السيف في وجه عدوها بعد أن تعد في سبيل الله عدتها.
تاريخ النشر: ٢٥ ديسمبر ٢٠١٦ في ٠٤:٢٥ م
آخر تحديث: منذ 3 أيام



