هل رأيت نهراً يجري؟!

هل رأيت نهراً يجري؟!

قرأتُ مرةً قصة تحكي عن رسامٍ حالمٍ مرهفِ الحس، رائقِ البنان، لكنه مُني بالإخفاق في بيع أيٍّ من لوحاته البديعة، فالتمس نصيحة صديق له يعمل كاتبًا. ما إن سمع الكاتب شكوى الرسام حتى ابتسم، ونصحه بأن يتوقف عن رسم الأشياء كما يراها بعينه الحالمة، وأن يضرب بفرشاته في جنبات اللوحات، فيلطخ بها الصفحات، جريًا على صيحة الرسومات الرائجة آنذاك. ثم إذا حدث وسأله شخص ما عن معنى هذه اللوحة أو تلك، فلْيَشخَصْ ببصره بعيدًا، ثم ليقل: "هل رأيتَ في حياتك نهرًا يجري؟". لم يقتنع الرسام في البداية بالتخلي عن تصوراته التي يسكبها باستمتاع على تلك الصفحات البيضاء، إلا أنه، تحت وطأة الحاجة والإحباط، قرر أن يُجرّب النصيحة. وما كاد الرسام ينشر بضع لوحات على ذلك المنوال، حتى طارت شهرته في الآفاق، وتلقّفه النقاد والمعجبون، وأقاموا له معرضًا خاصًا. وفيما الرسام يُحيّي رواد المعرض، سألته إحدى الزائرات عن إحدى لوحاته المعلّقة، فما كان منه إلا أن شخَصَ ببصره أمام الحضور المترقّب، وأجاب بعد هنيهة صمت: "هل رأيتِ في حياتك نهرًا يجري؟"، وكان الرد على جوابه (بالأحرى سؤاله) تصفيقًا حارًا دَوَّت به الكفوف والقاعة معًا! هل يستأذن الجمالُ القلوبَ؟ كم نسمع عن الفن التشكيلي والتجريدي ومسميات أخرى عديدة من المستحدثات على الفن والجمال، بينما لا تمتُّ للفن ولا للجمال بأي قرابة، ولو بعيدة! فليس التشكيل ولا التجريد ما يجعل الفن فنًّا، وإنما الجمال الذي يأسر القلوب ويخلب الألباب، هو الذي يمكن تسميته فنًّا، بل إن بينهما من أواصر الاتصال وعُرَى الوصال ما لا يتطلب مزيد بيان.
ليس كل ما يُصفق له يُعد فنًّا، ولا كل ما يُروّج له يستحق الالتفات
ومن تلك اللوحات التي تأملتها، ورأيتها تَمَسُّ شَغاف القلب بما جمعت من رقة ورصانة وحنان، لوحةُ أمٍّ جالسةٍ وفي حجرها طفل رضيع يتطلع إليها. ويبدو أنها كانت جالسةً في حديقةٍ تزدان بالورود البيضاء، إذ طارت بَتَلةُ إحدى تلك الورود لتستقر على رأس الرضيع، فرفعت الأمُّ يدَها لتنفضها عنه. وعند ذلك التقت عيناها بعينيه المتطلعتين إليها، فمالت بطرفها إليه، وثبّت هو بصره على محيّاها. فكأن الزمن في اللوحة توقّف إجلالًا عند تلك اللحظة، ليخلّد لنا دفقًا من معاني الأمومة والرحمة والحنان في تلك النظرة، وذلك الميل، وتلك اليد الممدودة لتدفع عن الصغير أي أذًى، ولو كان بتلة ورد! إنني لا أعرف حتى اللحظة من الرسام، ولا تاريخ رسم اللوحة، ولا حتى "المذهب" أو "المدرسة" المتبعة، كل ما أعرفه أن تلك الصورة قد رسمت بجمالها "المباشر" الجلي، الابتسامةَ على وجوه من تطلعوا إليها، وأثارت في قلوبهم طيفًا من المشاعر الدافئة. إن الميل للجمال الحق فطرة في الإنسان السوي. قد يكبُر بدرجات عند بعض الناس حتى يصل إلى حد الشغف به، وقد ينعدم في الحالات التي شاعت – مع الأسف – في العصر الحالي، حتى يستحيل القبح حُسنًا، والعبثُ فنًّا، والبلاهةُ ذوقًا! وتتعدد التعريفات والشروط والمذاهب، ويظل الجمال الحق يعرفه كلٌّ منا حين يراه، ويحبس أنفاسه للمنظر الخلاب حين يقع بصره عليه. والفن الحقيقي في أي مجال ليس ذاك الذي يتبع قواعد مفروضة لاحقًا، فالفن ليس قاعدةً بحد ذاته، وإنما هو معنى تهفو إليه النفوس، دون حاجة إلى "مذهب" يفرض عليها أن "تُصنّف" هذا على أنه "جميل"، وغير المتبع للمذهب على أنه قبيح. الجمال وُجد بالفطرة في نفوس البشر، ومهما تعددت القواعد والتصنيفات، ومهما قام وقعد "كبار النقاد"، سيظل الجميل جميلًا، ويظل "اللامعنى" بلا معنى. إن الصدق في التعبير، والجدية في المعنى، لا يمكن أن يستبدلهما ضجيج التظاهر أو اصطناع الغموض. فليس كل ما يُصفق له يُعد فنًّا، ولا كل ما يُروّج له يستحق الالتفات.
حب الجمال فطرة في ابن آدم، وكذلك معرفة الجمال حيث أدلى بحُسنه إدلاءً، سواء رأى الرائي من قبل نهرًا يجري... أو لم يرَ
الفن الحقيقي هو الذي يرسم أثره بسمةً على الشفاه، أو دمعةً في العين، أو أثرًا في النفس، ويبسط سلطانه سواء على الجميع، بُسطاء كانوا أم نخبة، باحثين عن الجمال كانوا أم مجرد متأملين. وكم منّا ربما طالع لوحات لمشاهير ولغيرهم، لكبار الفنانين وصغارهم، بغير أن يتوقف ليسأل: "أتخضع تلك اللوحة لمذهب الفن هذا أم ذاك؟"، بل لعله لا يستفسر حتى عن صاحب اللوحة أو تاريخ حياته؛ لأن تلك التفاصيل قد تعني أهل الاختصاص، لكنها لا تعني بالضرورة متأمل الجمال للاستمتاع بجماله. وكذلكم الجمال الحق لا يطرق باب القلب قائلًا: "عفوًا! أتسمح لي أن أتربع على عرش قلبك؟"، بل يدخل عفوًا بلا طرق ولا استئذان. ذلك أن حب الجمال فطرة في ابن آدم، وكذلك معرفة الجمال حيث أدلى بحُسْنه إدلاءً، سواء رأى الرائي من قبل نهرًا يجري... أو لم يَرَ.

تاريخ النشر: ٣ أغسطس ٢٠٢٥ في ٠١:٠٧ م

آخر تحديث: منذ 23 ساعة

مختارات من خواطر تربوية

عن الكاتب

هدى عبد الرحمن النمر

هدى عبد الرحمن النمر

كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة