
الأمة بين رابطة الدين وقيود الجغرافيا المصطنعة
الأحداث التي تعيشها المنطقة اليوم متسارعة تسارع النار في الهشيم، والصراعات فيها محتدمة، وأطراف النزاع لكل منها دوافعه وأهدافه في خوض غمار هذا الصراع، وإن كانت بعض الجهات، كالغرب، تحركها المصالح وحب السيطرة على خيرات البلاد والعباد، ومص ثرواتها تجبرًا وتعنتًا وظلمًا، إذ تنظر إلى الصراع على أن البقاء للأقوى، حيث لا معايير ولا أخلاقيات في صراعهم، وإنما الذي يحكمهم هو شريعة الغاب ولا غير.
غير أنّ بعض الجهات والأطراف خلفيتها العقدية وأهدافها الدينية وراء كل صراعاتها، بل وحركاتها وسكناتها، كالصهيونية التي ترى أن لها الحق، كل الحق، في السيطرة على بلاد شاسعة تفوق الحدود الجغرافية لفلسطين، إذ لم تتزعزع أبصارهم يومًا عن أرض الميعاد قيد أنملة، ولا يحول بينهم وبين ذلك أي حائل، فقد تجاوزوا حقوق الإنسان والحيوان بسفكهم الدماء، وتدمير البلاد بشجرها وحجرها، وإفسادهم في برّها وجوّها وبحرها. وأمام كل هذا يأتي السؤال الذي يطرح نفسه: ما الدافع والمحرك للعرب عامة، والمسلمين خاصة، في حلبة الصراع هذه؟!
وما الذي يقف وراء حركاتهم وسكناتهم؟ أو بالأصح: ما الذي يجب أن يحركهم، وما زالت القبلة الأولى في براثن القيد وتحت نير الاستعمار، وقد سُفكت دماء الألوف المؤلفة، وشُردت عوائلهم، وهُدمت بيوتهم؟!
وبين كل آونة وأخرى يتجدد طرح هذا السؤال وقد اشتدت ذروة الصراع، لا سيما عندما يحاول المسلمون ترتيب شأنهم الداخلي، ويبرز ذلك في كل عملية انتخابية، سواء كانت في الجامعات أو المجالس البلدية والقروية والمحافظات، وصولًا إلى الوزارات وسدّة الحكم.
في الوقت الذي تجد فيه عدوك يلتف حول عقيدته، محاولًا تجاوز خلافاته الداخلية ليظهر أمام العالم باجتماعهم وسيرهم المنظم نحو تحقيق مخططاتهم، وقد وصفهم القرآن الكريم: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14]، تجد، على النقيض، أصحاب القبلة الواحدة، الأمة التي اصطفاها الله تعالى فجعلها خير أمة أُخرجت للناس، وقد بعثها الله من تحت ركام الجاهلية الأولى، وحررها منذ ولادتها من عبودية الحزبية والقبلية، فرفع من شأن من دان لها واعتقد بمعتقداتها، ليكون معيار التفاضل والتناصر والتآخي على أساس الدين، نابذًا ما سوى ذلك. وقد ظهر ذلك جليًا بقوله صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت". وتأمل قوله عليه السلام: "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية".
وفي خضم المعركة، وفي اللحظات الحرجة، تجد سيد البشرية يصحح المسار إذا ما رأى تعثره أو اعوجاجه، فلم يغفل عليه السلام عن تصحيح الوجهة في ساحات الوغى، ليظل المسلم محركه عقيدته، فيلتف المسلمون حولها وقد تحرروا من أي تبعية وولاء لا يكونان لله. فعن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن أبي عقبة، وكان مولى من أهل فارس، قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا، فضربت رجلًا من المشركين، فقلت: خذها مني وأنا الغلام الفارسي. فالتفت إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "فهلا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء؛ مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب. لينتهين أقوام فخرهم برجال، أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن".
إذن، ثمة رابط ينبغي على الأمة الالتفاف والتجمع حوله، فيبعثها على التناصر والتآخي، لتكون كما وصفها عليه الصلاة والسلام: "المسلمون كرجل واحد؛ إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله".
هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يكون عليها المسلمون في أصقاع الأرض؛ لا يهدأ بال مسلم في أقصى شرق الأرض ما دام في أقصى غربها مظلوم، ولا ينام من في أقصى جنوبها ما دام في أقصى شمالها جائع، حتى يُرفع الظلم عن مظلومهم، ويشبع جائعهم، ويُؤمّن خائفهم، ويُفك قيد أسيرهم.
الحقيقة التي ينبغي أن يكون عليها المسلمون في أصقاع الأرض؛ أن لا يهدأ بال مسلم في أقصى شرق الأرض ما دام في أقصى غربها مظلوم، ولا ينام من في أقصى جنوبها ما دام في أقصى شمالها جائع، حتى يُرفع الظلم عن مظلومهم، ويشبع جائعهم، ويُؤمّن خائفهم، ويُفك قيد أسيرهم
لكن أن تجد المسلمين اليوم وقد تمسك كل منهم بحدوده الجغرافية المزعومة، والتي ما كانت إلا نتاج استعمار ظالم رسم لنا الحدود على الورق، ففرق بذلك بين القلوب قبل تفريقه بين الحدود الجغرافية، لا يأبه لصرخات المشردين والمأسورين، ولا تحرك صرخات الحرائر فيه نخوة المعتصم، ولا توقظ آهات المعذبين وعويل الثكالى واليتامى إنسانيته الغافلة، فستدرك عندئذ أنّ إنسان هذا القرن، رغم كل ألوان التقدم والحضارة التي شهدها، ما زال يتخبط في أزمة عقائدية يعيشها رغم عدد المآذن في أنحاء الأرض، وبالرغم من تزايد أعداد المسلمين على الورق وفي الشهادات الرسمية. بل قبل كل ذلك، قل إننا أمام أزمة إنسانية تتبرأ منها الجاهلية الأولى.
كلما تأملت تحرك الناس ودورانهم في فلك غير الفلك العقائدي، تيقنت أنّ الأوضاع في انحطاط وتقهقر أمام التفاف العدو حول عقيدته وإيمانه بهدفه الذي يحشد له الحشود، وأنّ التغيير الذي ننشده لمستقبل الشرق الأوسط، بل للأمة كلها، لن يكون إلا إذا تغير الإنسان من داخله وفي نفسه، وفي صناديق الاقتراع، سواء كان ذلك على مستوى المجالس القروية أو البلدية، مرورًا بالمحافظات، ووصولًا إلى سدّة الحكم. فيكون الباعث وراء جرة قلمك في هذه المواقف هو انتماؤك لدينك وعقيدتك. وقتها يحق لك أن تنتظر نتائج ترتقي بالأمة، فينتصف المظلوم، ويشبع الجائع، ويتحقق معنى الجسد الواحد في قوله عليه السلام: "المؤمنون كرجل واحد؛ إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
ولن نتحرر من الجاهلية التي تأتي على أوّلنا وآخرنا ما دامت الحزبية والعائلية والحدود الجغرافية تبني بيننا السدود التي تحجب الهواء والنور عن بعضنا بعضًا، وتجعلنا لقمة سائغة تمضغها أفواه تنفث من أعماقها نيران الحقد والكراهية لكل من يدين لهذا الدين، من عرب أو عجم. وسنظل أيتامًا على موائد اللئام ما لم نحطم صنم الجاهلية فينا.
تاريخ النشر: منذ 11 يومًا
آخر تحديث: منذ ساعتين







