كيف نستحضر آيات القرآن في حياتنا اليومية؟
خواطر تربوية
منذ 4 أيام
٦٧ مشاهدة
7 دقيقة قراءة

كيف نستحضر آيات القرآن في حياتنا اليومية؟

ليس القرآن كتابًا يُقرأ في المناسبات، ولا نصًّا يُتلى طلبًا للأجر فحسب، بل هو منهج حياة، ونور يُبصر به القلب قبل العين، وميزان نزن به تفاصيل يومنا الصغيرة قبل القضايا الكبرى. وحين نتساءل: كيف نستحضر القرآن في حياتنا اليومية؟ فإننا في الحقيقة نسأل: كيف نجعل كلام الله حاضرًا في وعينا، موجِّهًا لفكرنا، ومفسِّرًا لما نراه، ومقوِّمًا لما نفعله؟

إن أول مفاتيح استحضار القرآن هو التدبر. والتدبر لا يعني مجرد الفهم السطحي لمعاني الكلمات، بل يعني الفقه؛ أي عمق الفهم ودقته، وربط الآيات بالواقع، وبالنفس، وبالكون. فالإنسان قد يقرأ الآية عشرات المرات، لكن حين تتنزل على واقعه، ويشعر أنها تخاطبه هو تحديدًا، عندها يبدأ القرآن في الحياة داخله.

ليس القرآن كتابًا يُقرأ في المناسبات، ولا نصًّا يُتلى طلبًا للأجر فحسب، بل هو منهج حياة، ونور يُبصر به القلب قبل العين

ولنقرِّب المعنى بمثال:

حين يسير الإنسان في الشارع مع عالم جيولوجيا أو عالم نباتات، يستطيع ذلك العالم أن يشرح نوع الشجرة، وعمرها، والبيئة الأنسب لنموها. هذه معرفة علمية دقيقة، لكنها معرفة تخصصية. أما الإنسان العادي، الذي لا يملك هذا العلم، فقد يمر بالشجرة مرورًا عابرًا. غير أنه حين ينظر إليها بعين التدبر، تتحول الشجرة إلى آية؛ يرى فيها كيف يحيي الله الموتى، وكيف تنبثق الحياة من بذرة جامدة، فيتذكر مصيره إلى التراب يومًا ما، ويستحضر قدرة الله على الإحياء بعد الموت.

وكذلك السماء؛ قد ينظر إليها عالم الفلك فيتحدث عن مجرات ومسافات وسرعات، وكل ذلك علم عظيم. لكن حين يرفع المتدبر بصره إليها، يستشعر قلبه التواضع والخضوع لعظمة الخالق، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: 3].

وهنا يظهر الفرق الواضح: يمكن للإنسان أن ينظر إلى العالم من منظور علمي، أو من منظور متشكك، أو أن يمر بالأشياء مرور الغافلين. لكن حين ينظر إلى الكون بقلب حاضر، يرى ما لا يراه غيره. فالقرآن يعلِّم أن كل ما في الكون قابل لأن يكون آية إذا وُجد القلب الحي:

﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 20-21].

القرآن يعلِّم أن كل ما في الكون قابل لأن يكون آية إذا وُجد القلب الحي

واستحضار القرآن لا يحتاج إلى عزلة أو أجواء خاصة، بل يمكن أن يتحقق في زحمة الطريق، وفي أدق تفاصيل الحياة اليومية. فقد كان أحدهم على الطريق السريع، راكبًا مع مجموعة من الشباب متجهين إلى ندوة. كانوا يقودون بسرعة كبيرة، وقبل أن يطلب منهم التمهل، تذكَّر مباشرة قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾.

فصار الموقف، في لحظة، تذكيرًا قرآنيًا بطبيعة الإنسان، وكأن الآية تصف هذا المشهد بعينه. والله سبحانه هو القائل: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

ثم نظر من نافذة السيارة، فرأى بقرة ترعى على جانب الطريق، والسيارات تمر بجانبها بسرعة وضجيج. فمع أن كثيرًا من الحيوانات الأخرى قد تفر أو تفزع أو تجفل، فإن البقرة بقيت في مكانها، تواصل الرعي بلا اكتراث، غافلة عما يدور حولها.

في تلك اللحظة تذكَّر قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]

في كل شيء آية، وفي كل موقف رسالة، لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد

فتأمل معنى التشبيه؛ لقد شبَّه الله الغافلين بالأنعام تحديدًا، لا بسائر الحيوانات؛ لأن الأنعام مثال للغفلة وغياب رد الفعل، ثم زاد الأمر بيانًا بقوله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. فالإنسان حين يعطل قلبه وعقله عن التدبر، ينحدر إلى مرتبة أدنى من الحيوان.

ثم لاحظ لوحة إعلانية كبيرة تروِّج لبيع منزل، تتصدرها صورة الأسرة المثالية والحياة الرغيدة، فخطر بباله فورًا قول الله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: 26].

وهكذا، في مشهد واحد، وعلى طريق عادي، تحولت السرعة، والبقرة، ولوحة الإعلانات، إلى آيات قرآنية حاضرة، تُذكِّر وتوقظ وتربط الدنيا بالآخرة.

إن استحضار القرآن في الحياة اليومية لا يحتاج إلا إلى قلب حي، وعين متأملة، ووعي حاضر. ففي كل شيء آية، وفي كل موقف رسالة، لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.

تاريخ النشر: منذ 4 أيام

آخر تحديث: منذ ساعتين

مختارات من خواطر تربوية

عن الكاتب

هدى عبد الرحمن النمر

هدى عبد الرحمن النمر

كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة