
هل تؤدى العباداتُ ولو بدون رغبة؟
يشيع في الأذهان تصوّرٌ عن معنى الطواعية في الامتثال لأمر الله تعالى، خلاصته أن طاعة المؤمن لا تصحّ إلا إذا صدرت عن المحبة والرغبة والشوق، وأن غياب هذا الدافع الوجداني يُسقِط معنى الامتثال أو يُفرغه من قيمته. وهذا التصوّر ـ وإن لم يكن باطلًا في أصله ـ إلا أنه منقوص؛ إذ يختزل حقيقة العبودية في بُعد واحد، ويغفل عن جناح عظيم من أجنحة الإرادة التي بها يستقيم الإيمان ويحيا القلب.
فالحق أن طواعية الامتثال لله تعالى لا تنبع من الرغبة وحدها، بل تقوم على جناحين متكاملين: الرغبة والرهبة. وقد جمع الله تعالى بينهما في وصف عباده الصالحين، فقال: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16]، وقال سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: 57].
هذا التصوّر ـ وإن لم يكن باطلًا في أصله ـ إلا أنه منقوص؛ إذ يختزل حقيقة العبودية في بُعد واحد
والأصل الموازنة بين الرغبة والرهبة، لكن يغلب أحيانًا أحدهما على الآخر بحسب تقلبات حال المؤمن. وكلاهما يعينانه على الاستقامة، وإن من زوايا مختلفة:
1- إرادة الرهبة إرادةٌ مانعة، تكفّ صاحبها عن التقصير والمعصية، وتبعث في القلب معاني الخشية والتعظيم والإجلال والتوقير والخضوع. وهي التي تحجز النفس عن اتباع الهوى، وتذكّرها بالوقوف بين يدي الله تعالى، وبالحساب والعقاب.
2- أما إرادة الرغبة، فهي إرادة دافعة، تحمل المؤمن على الإقدام والطاعة والبذل، بما تثيره في وجدانه من المحبة والشوق والرجاء والامتنان، طمعًا في فضل الله ورحمته وجنته.
وفهم هذين المستويين وتفعيلهما ليس أمرًا كماليًّا، بل هو ضرورة مصيرية لحفظ إيمان المؤمن واستقامة دين المسلم. إذ تمرّ بالعبد أوقات فتور، وتعتريه أحيانًا حالة ضعف وخفوت في وازع التقوى، فيغريه ذلك بالتقصير في حق الله، وربما ترك بعض الفرائض، محتجًّا بأنه لا يجد في نفسه رغبة أو حضور قلب، فلا معنى ـ في ظنه ـ لإتيان العبادة على كُره!
وهذا فهم خاطئ؛ لأن امتثال أمر الله تعالى حق لازم لا يتعلّق بمزاج العبد ولا بموافقة هواه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. فالتكليف قائم على العبودية، لا على اللذة الشعورية وحدها. فإذا غابت الرغبة، قام مقامها دافع الرهبة: خشية عقاب الله، وخوف الحساب والمساءلة، والاستحياء من التفريط في جنب الله، والخوف من الموت على تضييع الفرائض أو انتهاك المحارم.
إذا غابت الرغبة، قام مقامها دافع الرهبة
وهذه الرهبة لا تعني المرارة أو السخط على الطاعة، بل تعني وعيًا صادقًا بحقيقة العبودية، واستحضارًا لعظمة الآمر وجلاله. بل لعلها ـ في بدايات التزكية والتهذيب ـ تكون الجناح الغالب الذي يحمل العبد على الاستقامة حتى يشتد عود الإيمان، وتشرق في قلبه لذّة الطاعة وحلاوتها.
ولهذا كان منهج الدعوة الإلهية قائمًا على الجمع بين الإنذار والبشارة، كلٌّ في موضعه. وتأمّل في بدء الجهر بالدعوة، حين صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، فقال: "يا صباحاه!"
ثم قال: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» [البخاري].
فبدأ صلى الله عليه وسلم بالإنذار؛ لأنه أبلغ في تنبيه القلوب التي لم تخالطها بشاشة الإيمان، ولم تتهيأ بعد لتلقّي البشائر. ومن هنا جاء أمر الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214].
وفي القرآن الكريم يُلاحظ غالبًا تقديم البشارة على النذارة في خطاب المؤمنين، وتقديم النذارة في خطاب المشركين والغافلين؛ لأن الخوف من المحذور يدفع صاحبه إلى البحث عن النجاة، فإذا أقبل على الحق وطابت نفسه بالإيمان، صار يطلب معاليه طمعًا في رضوان الله. وكذلك المؤمن إذا استولت عليه الغفلة زمنًا، قد لا تحرّكه البشائر وحدها؛ لكونها غيبية مؤجّلة، في مقابل شهوات حاضرة، فتكون رهبة الإنذار أنسب له في البداية لإعادته إلى جادّة الاستقامة.
العبادة الحقّة لا تقوم على الرغبة وحدها، وإنما تكتمل بجمع الخوف والرجاء والمحبة
ومن لطف الله بعباده أن يسوقهم إليه تارة بالترغيب، وتارة بالتخويف، قال تعالى: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: 19]، وقال: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: 43]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
وقال الطبري في تفسيرها: "لعلهم يعتبرون أو يذكَّرون أو يرجعون".
ونقل القرطبي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "الآيات هي تقلّب الأحوال من صِغر إلى شباب، ثم إلى تكهّل، ثم إلى مشيب، لتعتبر بتقلّب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك".
وخلاصة الأمر أن العبادة الحقّة لا تقوم على الرغبة وحدها، ولا تستقيم بالرهبة المجرّدة، وإنما تكتمل بجمعهما معًا؛ خوف يزجر، ورجاء يحرّك، ومحبة تنضج مع الزمن. وبقدر ما يوفَّق المؤمن في تحقيق هذا التوازن، يكون ثباته على الطاعة، وسلامة سيره إلى الله، حتى يلقاه وهو عنه راضٍ.
الوسوم:
تاريخ النشر: منذ أسبوعين
آخر تحديث: منذ 3 ساعات
مختارات من خواطر تربوية
عن الكاتب
هدى عبد الرحمن النمر
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.
عرض الملف الشخصي ←


