
الهدف الذي لا نصل إليه أبدًا!
ثمة مفارقة عجيبة في التجربة الإنسانية، وهي أن يبلغ المرء ما كان يصبو إليه، حتى إذا جاءه لا يلبث أن يجد التصور الذي هيأته له نفسه من رخاء وهدوء عند تحقيقه سرابًا، ويجد مكانه فراغًا غامضًا يتسلل إلى روحه. هذه الحالة التي يعيشها كثيرون ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج امتزاج دقيق بين ظاهرتين نفسيتين عميقتين: الركود والتعود المتلاشي.
أولًا: الركود: حين تتجمد الحياة في مكانها
الركود هو حالة من السكون المخادع، إذ إن وصفه بالانحدار ليس من الدقة بمكان، لكن الركون إليه انحطاط عن الهمة العلية. إنه منطقة رمادية يتسمّر فيها الإنسان، والعالم يتحرك من حوله. تمر الأيام والليالي دون تقدم ملحوظ في دين أو دنيا. في هذه الحالة، يستيقظ المرء كل صباح ليعيش نسخة مكررة من اليوم السابق، أو ما اصطلح الغربيون على تسميته بـ"Déjà-vu"، فلا جديد يُذكر، بل مجرد قديم يُعاد. فالإنسان يعيش، لكنه لا يحيا بالمعنى الحقيقي للكلمة.
ثانيًا: التعوّد المتلاشي: حين تفقد النعم بريقها
أما التعوّد المتلاشي، أو ما يُعرف في علم النفس بـ"Hedonic Adaptation"، فهو ميل الإنسان الطبيعي للعودة إلى مستوى ثابت نسبيًا من السعادة أو التعاسة، بصرف النظر عن التغيرات الإيجابية أو السلبية التي تطرأ على حياته. فعندما يحصل الإنسان على ترقية طال انتظارها، أو يشتري سيارة أحلامه، أو ينتقل إلى منزل أوسع، تغمره موجة من الفرح والرضا. لكن هذه المشاعر لا تدوم طويلًا. فبعد أسابيع أو أشهر قليلة، يصبح الأمر عاديًا، ويبدأ البحث عن مصدر جديد للإثارة والرضا. فما كان استثنائيًا يتحول إلى جزء من الخلفية الطبيعية للحياة. والأمر نفسه يحدث مع المحن والابتلاءات. فالإنسان يتأقلم حتى مع الظروف الصعبة، وما كان يبدو كارثة في بدايته يصبح واقعًا يمكن التعايش معه. هذه القدرة على التكيف نعمة تحمي النفس من الانهيار، لكنها أيضًا تحمل في طياتها لعنة خفية، وهي أن تفقد الأشياء قدرتها على إسعادنا أو إحزاننا بالشدة نفسها مع مرور الوقت.
لقاء السحاب
العلاقة بين هذين المفهومين وثيقة ومعقدة. فالتعوّد المتلاشي يفسر لنا السبب وراء اختفاء مشاعر الرضا والإثارة، بينما يمثل الركود النتيجة الطبيعية لعدم مقاومة هذا التعوّد. عندما يتعود الإنسان على نعمه وإنجازاته، تفقد هذه الأشياء قدرتها على منحه الحافز والطاقة. وإذا لم يسعَ إلى تجديد تجاربه، أو خلق تحديات جديدة، أو استكشاف آفاق مختلفة، فإنه ينزلق تدريجيًا نحو الركود. ويصبح محاصرًا في دائرة مفرغة: التعوّد يقتل الحماس، وغياب الحماس يمنع الحركة، وانعدام الحركة يعمّق الشعور بالجمود. وهكذا يجد الإنسان نفسه بين شقي الرحى؛ فحياته مستقرة، وظروفه ليست سيئة، بل ربما يملك أكثر مما كان يحلم به في الماضي، وبالتأكيد يملك أكثر مما يحلم به كثيرون. لكنه مع ذلك يشعر بفراغ داخلي يعتصر وجدانه، فهو لا يملك عذرًا للشكوى، وما ينبغي أن تقر به عينه قد اعتادته بالفعل نفسه.
فهل لها من كاشفة؟
إن الوعي بهذين المفهومين هو الخطوة الأولى نحو التحرر من قبضتهما. فعندما ندرك أن التعوّد ظاهرة طبيعية، نفهم أن إحساسنا بالامتنان لما حبانا الله عز وجل وأغدق علينا من فضل كرمه، هو إحساس ينبغي اجتثاثه من وسط أكوام النعم، لا أن نفهم أننا بحاجة إلى تجديد مستمر في حياتنا، وأن الحل هو هدف جديد نرومه، أو سلعة جديدة نقتنيها. إذ قوام الحضارة الرأسمالية هو تغذية هذه الفجوة الشعورية التي يجدها الإنسان في نفسه بين الفينة والأخرى، وسدها بالأحدث والألذ والأطيب. والإنسان أقرب إلى السراب منه إلى إشباع شهواته في ظل حضارة شيدت معابدها على أعمدة الاستهلاك، وعبدت بشهوات النفوس. وليحذر الإنسان الملل؛ فهو كما وصفه سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه: "من سيئ الأخلاق". إذ هو جحود ونكران لنعمة المنعم، نعوذ بالله من الخذلان. فالسعادة الحقيقية إذن ليست في امتلاك المزيد، بل في القدرة على رؤية ما نملكه بعيون جديدة ممتنة لما رزقها به مليكها.
وأختم بنصيحة الشيخ محمد سالم بحيري: "لا يكون الإنسان في حال إلا وهناك حال دونه، فليحمد الله على ما هو فيه، وليعلم أن هذا الذي يَعُدُّه قليلًا غيره يستكثره ويتمناه، ومن رُزِق القناعة والرضا فقد سَعِد".
تاريخ النشر: منذ 9 أيام
آخر تحديث: منذ ساعتين
مختارات من خواطر تربوية
عن الكاتب
تسنيم عبد الرحمن النمر
كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي
عرض الملف الشخصي ←


