
تحريرها كلها ليس ممكنًا.. بل هو حقيقة ووعد إلهي!
يكتب الشاعر الفلسطيني الكبير تميم البرغوثي طيلة هذه الحرب الطويلة على غزة تحت عنوان (تحريرها كلها ممكن)، وذلك لما رآه من بأس المقاومة وصبرها وطول نفسها في المعركة، وضعف العدو الذي ظهر بوضوح في المواجهات المباشرة مع المقاومين في ساحات القتال.
العدو الصهيوني ضعيف جدًا فيما يتعلق بالجندي فيه، من حيث القوة الفردية والشجاعة والعقيدة القتالية، أما فيما يتعلق بالآلة المقاتلة فهو قوي جدًا، وخصوصًا إذا ما وضعنا في اعتبارنا أمريكا التي تمده بأحدث الأسلحة التي لا يوجد لها مثيل في الأرض.
إسرائيل هي الولاية الواحدة والخمسون بالنسبة لأمريكا، بل في الحقيقة هي الولاية الأمريكية الأولى، وتأتي الولايات الأخرى كلها من بعدها، بل في الحقيقة الأحق هي عاصمة أمريكا، التي تديرها بالصهاينة الذين تغلغلوا في كل مفاصل الإدارة الأمريكية، وأصبحوا يديرون أمريكا لمصلحة إسرائيل أولًا، وحتى قبل مصلحة أمريكا نفسها.
الأستاذ تميم البرغوثي رأى أن تحريرها ممكن، ونحن نرى غير ما يرى، نرى أن تحريرها ليس ممكنًا فقط، بل هو حقيقة ووعد إلهي قاطع. وهو يتحدث بلغة العقل والواقع، ومن المؤكد أنه لا تغيب عنه هذه الحقيقة الإلهية القاطعة، فإن كانت تغيب عنه، فنحن هنا نذكّر بها.
من وجهة نظر الأستاذ تميم، فإن تحريرها كلها ممكن حقًا، لما رأيناه ونراه، من ضعف الجندي اليهودي إلى درجة تبعث على التهكم والسخرية، وكذلك لما رأيناه ونراه من ضعف تماسك المجتمع الإسرائيلي، بين العلمانيين والمتدينين، وبين الاتجاهات السياسية المختلفة.
الذي رأيناه ونراه من خلال هذه النظرة العقلانية الواقعية، أن تفكك المجتمع الإسرائيلي سيكون له دور كبير في تفكك الكيان، وربما تكون الحرب الأهلية هي المنتظرة بالنسبة لهم.
لكن ذلك التفكك الاجتماعي والسياسي لا يظهر ويزيد إلا تحت الضغط الجهادي المقاوم مع طول النفس في حرب الاستنزاف.
الحرب القائمة اليوم إن طالت ستكون فيها نهاية إسرائيل بلا جدال وبلا شك، غير أننا لا نحب لها أن تطول أكثر من ذلك، لأن الثمن المدفوع من أرواح الناس ودمائهم ثمن باهظ إلى حدٍّ لا يُحتمل. وإن كنا حريصين على زوال هذا الكيان الصهيوني اللقيط، فحرصنا على وقف هذه المجزرة البشرية التي أذهبت عقولنا يجب أن يكون أشد وآكد.
نظرة الأستاذ تميم البرغوثي في إمكانية تحرير فلسطين كلها نظرة عقلانية واقعية لها أسبابها ومعطياتها، ونحن نراها معه، غير أننا نذكره بنظرة أخرى عقائدية نقلية، تؤكد أن هذا التحرير قادم لا محالة، وأن زوال إسرائيل لا شك فيه.
ربنا في سورة الإسراء أخبر أن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض مرتين، وأنهم سيعلون علوا كبيرًا، ثم سيبعث الله عليهم عبادًا له في كل مرة، يسومونهم سوء العذاب، ويتبرون ما علوا تتبيرًا. ولما أن علم الله أن الاختلاف سيحدث في تحديد المرتين تحديدًا تاريخيًا، حسم الأمر بوعد تاريخي قاطع ودائم، قال: (وإن عدتم عدنا) . وذلك يعني كما قال الطبري في تفسيره: "إن عدتم يا بني إسرائيل لمعصيتي ومخالفة أمري، عدنا عليكم بالقتل والسباء، وإحلال الذل والصغار بكم".
إذن، هو الوعد الإلهي الدائم على بني إسرائيل، كلما سيعودون إلى الطغيان في الأرض، سيعود الله عليهم بمن يهزمهم ويسومهم سوء العذاب.
كلما عاد اليهود إلى الطغيان في الأرض، عاد الله عليهم بمن يهزمهم ويسومهم سوء العذابوهناك وعد إلهي آخر، جاء في آية أخرى، يقول ربنا سبحانه وتعالى فيها: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) . وهذا وعد صريح قاطع لا غبش ولا ريب فيه، وهو أن الله كتب عليهم أن يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة. فالأصل في قدرهم المحتوم عليهم، أن يُسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب، وعلوهم واستكبارهم في الأرض هو الاستثناء الذي يحدث في فترات وجيزة، ثم يعودون سريعًا لقدرهم المحتوم هذا. وإذا قامت لهم دولة، وبلغت الثمانين أو المائة عام، فهو وقت وجيز جدًا، إذا ما قيس بمئات السنين التي قبعوا فيها تحت وطأة الذلة والهوان من قبل، والتي سيقبعون في مثلها كذلك من بعد. وهناك وعد إلهي ثالث، جاء في آية أخرى، يقول فيها ربنا سبحانه وتعالى: (وضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس) . فقد كتب الله عليهم الذلة أينما كانوا، إلا بحبل من الله وحبل من الناس، أي بذمة من الله وأمان من الناس. والآية تؤكد على أن المكتوب عليهم هو الذلة أينما كانوا ومتى كانوا، وأن غير ذلك لا يكون إلا استثناء في تاريخهم. وعد إلهي قاطع في كتاب الله، بإزالة دولة بني إسرائيل، وعودتهم للذلة والصغار بعد العلو والاستكبار. ووعد إلهي قاطع في حديث النبي ﷺ، وهو وحي إلهي كالقرآن، غير أنه وحي بالمعنى، في حين أن القرآن وحي بالمعنى واللفظ. جاء في أحاديث النبي ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، فيختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" (رواه مسلم). وجاء: "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك". قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: "ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس" (رواه أحمد والطبراني).
النظر النقلي لا يلغي النظر العقلي… والأخذ بالأسباب واجب حتى يتحقق الوعدإذن، تحريرها كلها ممكن بالنظرة العقلية، وحقيقة قادمة لا شك فيها بالنظرة النقلية. والمهم أن لا يجعلنا النظر النقلي متواكلين على الوعد الإلهي، ثم نقعد عن النظر العقلي، الذي يجعلنا نحسب الحسابات، ونأخذ بالأسباب، ونقدم ونحجم، ونكرّ ونفرّ، ونرضى بالتفاوض والهدنة أحيانًا، حماية لأرواح الناس ودمائهم، حتى يشاء الله بالمعركة الخاتمة، التي يتحقق فيها الوعد، وما هي ببعيد، ولو طالت المعركة القائمة اليوم، لربما تكون هي، والله تعالى أعلم وأحكم.
الوسوم:
تاريخ النشر: ١٠ أغسطس ٢٠٢٥ في ٠٢:٤٦ م
آخر تحديث: ١٠ أغسطس ٢٠٢٥ في ٠٢:٤٧ م



