حين نشتاق لما نفتقد، فننسى ما نملك
خواطر تربوية
٢٧ أبريل ٢٠٢٦
١٩٤ مشاهدة
6 دقيقة قراءة

حين نشتاق لما نفتقد، فننسى ما نملك

نادراً ما تسأل اليوم أحداً: «كيف حالك؟» فيجيبك ببساطة: «الحمد لله»، دون أن يُتبعها بإيماءة أو ابتسامة أو نظرة تحمل في طياتها عكس الحمد؛ كأن يقولها بلسانه، بينما قلبه معلق بحال أفضل، أو متضجر من واقعة، أو متحسر على ماضٍ مضى، أو متطلع لمستقبل يتمنى لو جاء أسرع.

هذه المشاعر المتناقضة يجمعها خيط واحد: الحنين لما فُقد حتى يُجحد ما هو موجود. هذه النفسية تُرهق صاحبها؛ فلا يستمتع بماضٍ، ولا يرضى بحاضر، ولا يطمئن لمستقبل. كل ما يملكه يبدو في عينه باهتاً، معتاداً، «مسلَّماً به»، بينما كل ما لا يملكه يلمع في خياله كحلم أخاذ وأمنية كبيرة. والمفارقة أن كل أمنية تتحقق، ما تلبث أن تتحول إلى أمر عادي، ويبدأ الحنين من جديد لما بعدها، في دائرة لا تنتهي من التطلع والجشع العاطفي.

المشكلة هنا ليست في الطموح أو الأمل، فهما من دوافع الحياة، بل في تحويل الأماني إلى معبود خفي: تصبح الحياة بلا معنى إن لم تتحقق، ويُقاس الرضا والإيمان بمدى سرعة الاستجابة لها؛ وهنا يبدأ الخلل العميق.

المسلم –من حيث المبدأ– يعرف أن معنى الحياة أوسع من أمنية، وأبقى من ظرف؛ لأنه مرتبط بالله الحي القيوم الذي لا يتغير. ومع ذلك، نجد من يربط طمأنينته، بل إيمانه أحياناً، بتحقق ما يريد، في الوقت الذي يريد. فإن تأخر ما يرجوه، بدأ التذمر، ثم الاعتراض، ثم التساؤل: لماذا أنا؟ ولماذا غيري؟ وقد يصل الأمر –والعياذ بالله– إلى الشك في عدل الله أو جدوى الإيمان نفسه.

مع أن الحقيقة واضحة: لا قيام للحياة بلا الله، ولا سند حقيقي سواه. فمن فقد إحساسه بمعية الله، لن تُغنيه وفرة المال ولا كثرة الأسباب؛ لأن الله هو الذي يضعك في ظروفك، ويهيئك لها، ويقدر لك ما يناسبك فيها. وفي ميزان الله، لا شيء يتأخر ولا يتقدم عن وقته الحقيقي، وإن بدا لنا غير ذلك. كما أن العطاء والمنع ليسا علامة تفضيل أو خذلان بحد ذاتهما، بل كلاهما امتحان: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35].

ومن الغرائب التي يختبر بها الله الإنسان: أن تحصيل النعمة نفسها قد يتحول إلى ابتلاء. فقد يظن المرء أن الوصول إلى ما يتمناه هو فرحة خالصة، لكنه يجد نفسه مشغولاً بها عما هو أولى وأهم، أو حتى عن الطاعة والعبادة. من ذلك ما رُوي في بعض المراجع –على ضعف في إسنادها– أن أحد الصحابة جاء النبي ﷺ شاكياً الفقر، وطلب منه أن يدعو له بالغنى، فاتخذ غنماً فنمت وتكاثرت تكاثراً مهولاً، فبدأت حياته تتغير تدريجياً: أول الأمر كان يصلي مع النبي ﷺ الصلوات المفروضة كاملة، ثم مع كثرة غنمه أصبح يقضي الظهر والعصر مع النبي ﷺ، بينما بقي باقي الصلوات مع غنمه، ومع ازدياد الغنم أكثر فأكثر، اقتصر على حضور الجمعة فقط، ثم انتهى به الحال بعد تراكم المال إلى عدم حضور أي صلاة جماعة أو الجمعة.

فالفرق الحقيقي ليس فيما نُعطي أو نُمنع، بل في كيف نتعامل مع ما بين أيدينا: هل نشكر ونحفظ؟ أم نغفل ونسخط؟ هل نصبر ونحمد؟ أم نعترض ونتذمر؟ لذلك بغض النظر عن تبدل الأحوال، ستظل المشكلة قائمة إن بقيت النفس أسيرة المقارنات والحنين والجحود، تُكدر عليه دنياه وآخرته معاً. وقد حذرنا النبي ﷺ من هذه النفسية التي لا تشبع أبداً، فقال: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».

فالإنسان بطبعه ميال إلى نسيان النعمة، سريع التذمر مما لم يُعطَ، كما قال تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6]. ولو توقفنا قليلاً عند نعم نظنها بسيطة، لاكتشفنا عظمتها؛ فهل فكرت –مثلاً– في نعمة النوم؟ النوم ليس فقداناً للطاقة، بل هو طاقة بحد ذاته، ولا يعرف قيمته حقاً إلا من حُرم منه بسبب ألم أو مرض. مجرد أن تضع رأسك على الوسادة، وتتنفس بعمق، وتنام بسلام… هذه نعمة هائلة.

أو هل تأملت نعمة القدرة على الاعتناء بنفسك؟ أن تمشي، أن تتحرك، أن تقضي حاجتك دون مساعدة، دون حرج أو انكشاف. نعم نعيشها يومياً، لكنها عظيمة لمن فقدها، أو لمن تدبرها. إن التفكر في هذه النعم «العادية»، وتعداد ما بين أيدينا قبل التطلع لما في أيدي غيرنا، يربي القلب على الحمد، ويحرر النفس من عبودية التذمر، ويعيد التوازن بين الطموح والرضا. فالسكينة لا تأتي من كثرة ما نملك، بل من وعينا بما نملك، وحُسن صلتنا بمن أنعم به علينا.

 

تاريخ النشر: ٢٧ أبريل ٢٠٢٦ في ٠٤:٢٧ م

آخر تحديث: منذ 3 ساعات

مختارات من خواطر تربوية

عن الكاتب

هدى عبد الرحمن النمر

هدى عبد الرحمن النمر

كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة