الثبات على المبدأ، كيف يحقق الإنسان معنى حياته؟
بصائر الفكر
٧ مايو ٢٠٢٦
٢٤٦ مشاهدة
9 دقيقة قراءة

الثبات على المبدأ، كيف يحقق الإنسان معنى حياته؟

حين نتحدث عن الثبات على المبدأ فنحن نقر بما أثبته التاريخ من حقائق، أهمها أن التغيير الكبير في تاريخ الشعوب، والتحولات العظمى في الحضارات ما هي إلا نتاج ثبات على مبدأ غذاه الإصرار والصمود والصبر والإرادة، وأداره - باحتراف - التكيّفُ المقبول والمرهون بعدم التنازل حين فعل آخرون ما تمليه عليهم المصلحة، والتلون غير الواعي.

وهذا لا يعني أن التكيف مرفوض بأكمله، ولا يعني أيضًا أن التمسك بالمبدأ في كل حالاته يستحق المديح، فثمة تكيف مذموم جدًا، وثمة ثبات على المبادئ وُصف في القرآن الكريم بالعناد الذي يرادف الكفر (فواردٌ جدًا أن يكون المبدأ فاسدًا!) سيأتي لاحقًا في هذا المقال تفصيل الفرق الجوهري بين المصطلحات السابقة.

التغيير الكبير في تاريخ الشعوب، والتحولات العظمى في الحضارات، ما هي إلا نتاج ثبات على مبدأ غذّاه الإصرار والصمود والصبر والإرادة

ماذا يعني الثبات على المبدأ؟

يعني معرفة اتجاه البوصلة السليمة وتمييزها عن البوصلة المُغرِضة والالتزام بمبدأ يؤمن بعدالته، ويؤكد الثبات تحديد الوجهة بدقة ، والتمسك - بما يكفي - بقيمة صحيحة وقوية مهما تغيرت الظروف، أو تتالت العقبات، أو هلّت المغريات وتقاذفت المصالح جميع من حوله.

وهذا ربما يكون الأمر الأقوى المشترك بين شخصية الإنسان "الرساليّ" وشخصية الإنسان "المبدئي" وهو تبني القيمة بعمق وعدم الانصياع إلى المزاج العام، أو الظروف المتغيرة والضغوط والعقبات... إلخ. إلى جانب رفض التلوّن والانتهازية على إطلاقهما! (وسأُفرِد لاحقًا مقالًا كاملًا عن تكامل هاتين الشخصيتين والفروق بينهما)

في المجمل.. ليس هنالك ما هو أهم من اكتشاف معنى حياتك، وتغذيته كما يجب؛ على الأقل كي لا يشعر الواحد منا أن عمره يضيع هباءً، اكتشاف معنى الحياة يعني النظر برضى وامتنان عند الوصول إلى نقطة الوصول إلى قمة طموح، أو تحقيق إنجاز ما ولو لم يكن ضمن خُطتك سابقًا.

الأمر مرهون في كل مراحل حياتك بأحد أمرين:

أولهما/ هو الثبات على المبدأ

وثانيهما/ هو التكيف المقبول

وكلا الأمرين راجع إلى قناعاتك، والتي تغذيها بإمكاناتك وقدراتك وتدعمها بأفكارك المستنيرة، ثقافتك المتجددة، وهمتك المتوقدة.

الثبات على المبدأ قد يكلف صاحبه الصدام طوال الوقت، بل ربما طوال عمره

الثبات على المبدأ: ماذا يكلف وماذا يثمر؟

لطالما تناول المفكرون بالدراسة والبحث المفاهيم متناقضة في هذا السياق مثل: العناد (و) الثبات على المبدأ، التكيف المقبول (و) التكيف المذموم...

لأن التمويه الفكري وتمييع المفاهيم والتباس المصطلحات على كثير من المثقفين والمتطفلين على الثقافة أخذ الناس إلى عدم التفريق بين ما هو مقبول وما هو ممجوج، أو - على مستوى أهم - تضييع البوصلة والحقيقة في التفريق بين الحق والباطل.

ربما لأن هذا هو هدف التمييع والتمويه، وإن رفض كثيرون الاستسلام لمبدأ المؤامرة إلا أننا نعايش واقعًا يموهه هو الآخر.

والعنادُ – على سبيل المثال – هو امتداد للأنا وتحقيق للهوى الذي تذمه الشرائع والفلسفات والمأثورات والمواقف المختلفة في أكثر من موضع؛ لأن العناد تحقيق للذات والهوى لا للحق والصواب.

فالعنيد شخص يرى في الإصرار على الخطأ تمسكًا بالمبدأ حسب مفهومه القاصر عن هذا المصطلح الغنيّ، ويتكبّر على العلم، ويغمط الآخر حقه، ويجانب الصواب والإنصاف والبصيرة... ظنًا أن انتصاره المؤقت الآيل للزوال فصلًا – هو انتصار حقيقي فيظل متحيزًا لرأيه الشخصي المبني على الهوى وحسب!

وإذا اتفقنا على الإقرار بأن مرجعية الثبات على المبدأ هي الحق والقيمة، بينما العناد مرجعيته الأنا والهوى، سنجد أن الثبات على المبدأ قد يكلف صاحبه الصدام طوال الوقت قبل أن يثبت نظريته، وبعد، وخلال ذلك، بل ربما طوال عمره! فيدفع الكثير ثمنًا لهذا الثبات وأمثلة هذا الكثير:

خسارة الفرص بدون مبرّر – العيش تحت وطأة ابتلاء واختبار مستمر باستمرار الثبات والمحاولة – تأخر الربح بشكل غير منطقي – العزلة المفروضة – تشويه صورته ونواياه – الضغوط من كل الاتجاهات في العمل والأسرة والمحيط والمجتمع - الاتهامات بالتشدد والتزّمُّت أو المثالية أحيانًا – الصراعات الداخلية (فكرية كانت أو نفسية) والتي ربما تكون أخطر التكاليف!

الثبات على المبدأ ليس مرحلة عابرة، بل حياة كاملة من الاختبارات والمواجهة دون مساومة على الحق والقيمة

ولأن الثابت على المبدأ والراسي رسوَّ الحق، يهتم بالنتائج أكثر من تعنّيِهِ لها خلال الرحلة، فإن أهم ما سيقطفه هو عمق أثر وتأثير كل ما سيحصل عليه؛ لأنه سيكسب نفسه قبل كل شيء وقبل أي شيء، ولكن ما الذي يمكن أن يحصل عليه إذا رفض التلوّن والتكيف وثبت على مبدئه؟

سيحصل على:

شعوره بالكرامة – احترام الذات - وَسْمِه بالوضوح والأمانة والمصداقية - وبأنه أهل للثقة – زيادة وعيه الذاتي وقيمته الفكرية والقيمية والأخلاقية - كذلك راحة الضمير والسلام النفسي – ربطه بالعالم الخارجي من الزاوية المناسبة وقبلها الاتساق مع ذاته – تحقيق أقصى وزن وقيمة لوجوده – وصول هدفه وإثبات سلامة بوصلته الداخلية والخارجية، وكذلك إيجاد معنى حياته وهذا هو الأهم على الإطلاق!

ويمكنني الآن أن أؤكد – بكل ثقة - على أن ما يكلفنا إياه الثبات على المشقة من مدفوعات نفسية وجسدية، هو أقل بكثير من القيمة الدائمة التي تصبح سمة ملازمة للثابت على مبدئه وإن تأخر حصوله عليها.

وهذا سيجعلنا نتفق تلقائيًا على أن التكيف المحمودَ مبني على الحكمة والتدبر في التكيّف، أما نقيضه المذموم فهو مبني على المصلحة العابرة والظرف الطارئ! لأنه وباختصار، هنالك فرق كبير بين التكيف المقبول الذي يحمي المبدأ والقيمة اللذان نعيش لأجلهما، وبين التكيف غير المقبول الذي يأخذنا إلى حيث تجري الرياح.

أخيرًا،

ليس التمسك بمبدأ، رأي عابر، القدرة على تحقيق انتصار سريع، تجاوز العقبات والصعوبات والمحن... إلخ. هو ما يجعلك تُوسم بالثبات على المبدأ!

الأمر أعمق من ذلك بكثير، فهو يتعدى وصف مرحلة واحدة من حياتك إلى كونه حياتك بأكملها؛ ففيه اختبارات وابتلاءت مستمرة، صراعات مختلفة قاهرة، وامتحانات للضمير، للوعي، للإرادة، للتمسك بالقيم، للصدق، للقدرة على الثبات، للمواجهة... بدون أدنى انحراف أو مساومة على الحق والقيمة.

تاريخ النشر: ٧ مايو ٢٠٢٦ في ١٠:٢١ ص

آخر تحديث: منذ ساعتين

مختارات من بصائر الفكر

عن الكاتب

سماح ضيف الله المزين

سماح ضيف الله المزين

كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة