الحج وبوصلة الأمة: من وحدة الشعيرة إلى وحدة الموقف
بصائر الفكر
٢٠ مايو ٢٠٢٦
٢٢٧ مشاهدة
14 دقيقة قراءة

الحج وبوصلة الأمة: من وحدة الشعيرة إلى وحدة الموقف

في موسم الحج تتجلى واحدة من أعظم صور الإسلام الجامعة؛ ملايين المسلمين يقفون في صعيد واحد، بلباس واحد، ونداء واحد:" لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". في هذا المشهد العظيم تتراجع الفوارق المصطنعة، وتذوب اعتبارات المال والجاه واللون والجنسية والقبيلة والحزب، فلا يبقى إلا الإنسان العابد، والأمة الواحدة، والنداء الواحد، والقبلة الواحدة.

الحج ليس مجرد عبادة موسمية، ولا رحلة إيمانية فردية، بل هو إعلان سنوي عن فلسفة الإسلام في بناء الأمة. إنه يقول للمسلمين في كل عام: إن دينكم قام على التوحيد، وإن التوحيد لا ينسجم مع التمزق، وإن الأمة التي يجمعها رب واحد، وكتاب واحد، ونبي واحد، وقبلة واحدة، لا يجوز أن تظل أسيرة خلافات صغيرة، أو اصطفافات ضيقة، أو حسابات حزبية وقطرية ومصلحية تبتلع قضاياها الكبرى.

لكن السؤال المؤلم اليوم: ما الذي بقي للأمة من معاني الوحدة خارج موسم الحج؟ وأين ذهبت تلك الرسالة العميقة التي جعلت من التشريع الإسلامي بناءً جماعيًا لا فرديًا فقط؟ نصوم في شهر واحد، ونفطر في يوم واحد، ونحج في أيام واحدة، ونجتمع في الجمعة والجماعة، ونحيي العشر الأواخر، ونكثر من الطاعات في أيام ذي الحجة، ونصلي على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، ونقرأ الكهف، ونجتمع في التراويح والاعتكاف وصلاة العيد. هذه الشعائر ليست مجرد أعمال متفرقة، بل هي صناعة مستمرة لمعنى الأمة، وتربية عملية على أن المسلم لا يعيش وحده، ولا يفكر وحده، ولا ينجو وحده.

قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». هذه النصوص ليست شعارات للمنابر، بل قواعد في الوعي، ومحددات في السياسة الشرعية، وأصول في بناء الخطاب الدعوي والتربوي والحركي.

لقد باتت الأمة اليوم تعاني خللًا عميقًا في بوصلتها. لم يعد الخلاف فقط حول الوسائل، بل امتد إلى تعريف الأولويات، وتحديد العدو، وتقدير طبيعة الصراع، وفهم معنى النصرة، بل وصل أحيانًا إلى تمييع قضايا كبرى كانت عبر التاريخ من ثوابت الوعي الإسلامي. ومن أخطر مظاهر هذا الخلل أن بعض الخطاب صار يتحدث عن التعايش مع الاحتلال كأن الدماء التي سالت في فلسطين وغزة لم تكن شاهدة على عقود من القتل والتهجير والحصار والإذلال ومصادرة الحقوق. إن المشكلة ليست في الدعوة إلى العدل أو التعايش الإنساني بمعناه الأخلاقي العام، بل في استخدام هذه العناوين لتغطية الظلم، أو تبرير الاحتلال، أو مساواة الجلاد بالضحية، أو مطالبة المظلوم بالتنازل عن حقه بينما لا يُطلب من المعتدي أن يتوقف عن عدوانه.

وغزة اليوم ليست مجرد قضية جغرافية، بل اختبار أخلاقي وحضاري وإيماني. إنها تكشف موقف الأمة من دمها وكرامتها ومقدساتها. وما يجري في غزة من قتل وتجويع وحصار لا يجوز أن يتحول إلى خبر يومي بارد، ولا إلى مادة للاستهلاك العاطفي، ولا إلى مناسبة للخطابات المؤقتة. إنه سؤال كبير موجه إلى قيادات الأمة وحركاتها ودعاتها ومؤسساتها: أين موقع فلسطين في أجندتنا العملية؟ أين موقع المسجد الأقصى في وعينا التربوي؟ أين موقع أهل غزة في برامجنا وخططنا ومشاريعنا؟ وهل بقيت فلسطين قضية مركزية، أم تحولت إلى شعار نستدعيه عند الحاجة، ثم نتركه عند أول حساب سياسي أو مصلحي؟

غزة اليوم ليست مجرد قضية جغرافية، بل اختبار أخلاقي وحضاري وإيماني. إنها تكشف موقف الأمة من دمها وكرامتها ومقدساتها. وما يجري في غزة من قتل وتجويع وحصار لا يجوز أن يتحول إلى خبر يومي بارد، ولا إلى مادة للاستهلاك العاطفي، ولا إلى مناسبة للخطابات المؤقتة.

وليست غزة وحدها جرح الأمة، وإن كانت اليوم عنوانًا نازفًا لمعاناتها. فدماء المسلمين في لبنان واليمن وسائر بقاع العالم الإسلامي تكشف أن الخلل أوسع من حادثة أو معركة أو ساحة واحدة. المسلم الذي يُقتل في أي مكان لا يجوز أن يُنظر إلى دمه من خلال موقعه السياسي أو الطائفي أو الجغرافي، ولا يجوز أن يصبح الألم انتقائيًا، ولا أن تتحول دماء الناس إلى مادة في صراع المحاور. إن حفظ الدماء، ورفض الظلم، ونصرة المظلوم، والدفاع عن الكرامة، قيم إسلامية ثابتة لا تتبدل بتبدل الاصطفافات.

ومن هنا نحتاج إلى خطاب لا يضع المسلم في صف على حساب صف آخر لمجرد الانتماء أو الانفعال أو ضغط اللحظة، خصوصًا في ظل الصراعات الإقليمية والدولية، ومنها الحرب الإيرانية الأمريكية الأخيرة وما رافقها من اصطفافات حادة. إن الخطاب الإسلامي الراشد لا ينبغي أن يكون تابعًا لمحور سياسي، ولا أسيرًا لدعاية إعلامية، ولا منقادًا لعاطفة عمياء. نحن بحاجة إلى موقف يوازن بين رفض الظلم ورفض الاعتداء والخنوع، بين نصرة المظلوم وعدم تبرير استبداد آخر أو الاعتداء على الآخرين، بين إدراك تعقيدات الواقع وعدم التفريط في المبادئ. لا يجوز أن تجعلنا كراهية طرف نغض الطرف عن ظلم طرف آخر، ولا أن يدفعنا الانحياز لمظلومية حقيقية إلى تزكية مشاريع سياسية لا تنسجم مع قيم العدل والحرية والكرامة.

إن من أخطر ما أصاب خطابنا المعاصر أنه أصبح في أحيان كثيرة خطابًا انفعاليًا؛ سريع الاشتعال، سريع الانطفاء، يبالغ في توصيف اللحظة، ثم يعجز عن تحويلها إلى مشروع. العاطفة مطلوبة، بل لا حياة لأمة فقدت قدرتها على الغضب للحق، والحزن على الدماء، والتألم لجراح المستضعفين. لكن العاطفة وحدها لا تصنع وعيًا، ولا تبني مشروعًا، ولا تحرر أرضًا، ولا تحفظ مجتمعًا. لذلك نحن بحاجة إلى إعادة نظر عميقة في طبيعة خطابنا: خطاب لا يستند إلى العاطفة فقط، ولا يختبئ خلف الواقعية الباردة، بل يوازن بين حرارة الإيمان ومنطق الواقع، بين صدق الشعور وحكمة التقدير، بين وضوح البوصلة وحسن قراءة موازين القوى.

إن من أخطر ما أصاب خطابنا المعاصر أنه أصبح في أحيان كثيرة خطابًا انفعاليًا؛ سريع الاشتعال، سريع الانطفاء، يبالغ في توصيف اللحظة، ثم يعجز عن تحويلها إلى مشروع. العاطفة مطلوبة، بل لا حياة لأمة فقدت قدرتها على الغضب للحق، والحزن على الدماء، والتألم لجراح المستضعفين. لكن العاطفة وحدها لا تصنع وعيًا، ولا تبني مشروعًا، ولا تحرر أرضًا، ولا تحفظ مجتمعًا

إن الخطاب الذي نحتاجه اليوم هو خطاب يوقظ ولا يهيّج، يبني ولا يبعثر، يوجه ولا يستنزف، يجمع ولا يمزق. خطاب يقول الحق دون تهور، ويرفض الظلم دون انتقائية، وينصر قضايا الأمة دون أن يحولها إلى أدوات في صراعات ضيقة. خطاب يعرف أن الأمة لا تنهض بالشعارات وحدها، كما لا تنهض بالحسابات الباردة وحدها؛ وإنما تنهض حين يجتمع الإيمان العميق، والفهم الصحيح، والتخطيط الواعي، والعمل المتراكم، وترتيب الأولويات.

وهنا تقع المسؤولية الكبرى على قيادات الحركات الإسلامية، والدعاة، والمربين، وأصحاب التأثير. فليس المطلوب اليوم مزيدًا من الخطب التي تكرر المعلوم، ولا بيانات تنتهي بانتهاء موجة الغضب، ولا سجالات داخلية تستهلك العاملين للإسلام. المطلوب مراجعة جادة: ماذا نريد؟ ما قضايانا المركزية؟ كيف نربي الأجيال عليها؟ كيف نحول التعاطف مع غزة وفلسطين وسائر قضايا الأمة إلى وعي دائم وسلوك عملي ومؤسسات فاعلة؟ كيف نعيد بناء الإنسان المسلم القادر على فهم دينه وعصره، لا الإنسان الذي يتحرك بردود الفعل، ثم يعود إلى الصمت؟

إن المشروع الإسلامي لا يمكن أن يختزل في الخصومة السياسية، ولا في المنافسة التنظيمية، ولا في تسجيل المواقف على الآخرين. جوهر المشروع هو إصلاح الإنسان والمجتمع، ورد الناس إلى عبودية الله، وبناء الوعي، وحماية القيم، ونصرة المظلوم، والدفاع عن المقدسات، وحفظ كرامة الأمة. فأين فكرة أسلمة المجتمع في أجندتنا؟ وأين التربية العميقة التي تبدأ من الفرد والأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام؟ وأين خطاب الإصلاح الحقيقي الذي يجمع بين الإيمان والخلق والعلم والعمل والوعي السياسي والاجتماعي؟

إن الأمة بحاجة إلى من يعيد ترتيب سلّم الأولويات. فليست كل معركة تستحق أن نخوضها، وليست كل خصومة تستحق أن نهدر فيها طاقتنا، وليست كل قضية فرعية يجوز أن تحتل مكان القضايا الكبرى. تحرير فلسطين، والدفاع عن المسجد الأقصى، ونصرة أهل غزة، وحماية دماء المسلمين في كل مكان، وإصلاح المجتمعات، وبناء الإنسان، ومواجهة التغريب والفساد والاستبداد والاحتلال، هذه قضايا لا يجوز أن تغيب عن مركز الخطاب الإسلامي.

كما أن الأمة بحاجة إلى خطاب توحيدي يتجاوز الخلافات دون أن يذيب الحقائق، ويجمع الصف دون أن يساوي بين الحق والباطل، ويدعو إلى الحكمة دون أن يبرر الجبن، وإلى الواقعية دون أن يسقط في التنازل، وإلى العدل دون أن ينسى أن هناك ظالمًا ومظلومًا، ومعتديًا ومعتدى عليه. فالإنصاف لا يعني الحياد أمام الجريمة، والحكمة لا تعني السكوت عن العدوان، والوحدة لا تعني إلغاء الفوارق بين من يقاوم الظلم ومن يصنعه.

الأمة بحاجة إلى خطاب توحيدي يتجاوز الخلافات دون أن يذيب الحقائق، ويجمع الصف دون أن يساوي بين الحق والباطل، ويدعو إلى الحكمة دون أن يبرر الجبن، وإلى الواقعية دون أن يسقط في التنازل، وإلى العدل دون أن ينسى أن هناك ظالمًا ومظلومًا، ومعتديًا ومعتدى عليه

إن موسم الحج يذكرنا بأن الأمة ما زالت تملك عناصر وحدتها، وأن ما يجمعها أعظم بكثير مما يفرقها. لكن هذه الوحدة تحتاج إلى من يحولها من مشهد تعبدي إلى مشروع وعي، ومن عاطفة موسمية إلى برنامج عمل، ومن شعار عام إلى ثقافة يومية. فالأمة التي تجتمع على التلبية تستطيع أن تجتمع على نصرة المظلوم، والتي تقف في عرفات صفًا واحدًا تستطيع أن تعيد ترتيب صفوفها أمام قضاياها الكبرى، إذا امتلكت قيادة رشيدة، وخطابًا واضحًا، وبوصلة لا تنحرف.

فلنجعل من الحج مناسبة لمراجعة الخطاب، لا للاكتفاء بالوعظ. مناسبة نسأل فيها أنفسنا: هل خطابنا يجمع الأمة أم يزيدها تفرقًا؟ هل يرفع وعي الناس أم يستثير انفعالاتهم فقط؟ هل يقودهم إلى عمل منظم أم يتركهم في دائرة الغضب المؤقت؟ هل يوازن بين العاطفة والواقع، أم يهرب إلى أحدهما على حساب الآخر؟ وهل ما زالت بوصلتنا تشير إلى قضايا الأمة الكبرى، أم حرفتنا عنها المعارك الصغيرة والاصطفافات العمياء؟

إن الأمة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من التفتيت، بل إلى من يجمعها حول ثوابتها. لا تحتاج إلى خطاب يستنزفها في الهامش، بل إلى خطاب يعيدها إلى المركز: توحيد الله، وحدة الأمة، نصرة المظلوم، رفض العدوان، تحرير الأرض و المقدسات، إصلاح المجتمع، وبناء الإنسان. تلك هي البوصلة التي لا يجوز أن تضيع، وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تحملها قيادات الحركات الإسلامية في هذا الزمن الصعب؛ رسالة وعي وعدل ووحدة، لا رسالة انفعال عابر أو اصطفاف ضيق أو صمت مريب أمام جراح الأمة.

 

 

تاريخ النشر: ٢٠ مايو ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٤ م

آخر تحديث: منذ 19 دقيقة