الشورى في العمل الإسلامي: لماذا المنهج أهم من القرار؟
بصائر الفكر
منذ 12 يومًا
٩٨ مشاهدة
16 دقيقة قراءة

الشورى في العمل الإسلامي: لماذا المنهج أهم من القرار؟

ليست الشورى في التصور الإسلامي إجراءً إداريًا عابرًا، ولا آلية تنظيمية تُستدعى عند الحاجة ثم تُترك عند ضيق الوقت أو ضغط الأحداث؛ بل هي أصل من أصول بناء الجماعة، ومنهج في ترشيد القرار، وتربية للنفوس على المشاركة وتحمل المسؤولية، وحماية للمؤسسات من الارتهان لرأي فرد، مهما بلغ علمه وخبرته وإخلاصه.

ومن هنا، فإن السؤال: أيهما أفضل، الاستبداد الصائب أم المشاورة الخاطئة؟ لا ينبغي أن يُجاب عنه من زاوية النتيجة المباشرة وحدها؛ لأن الشأن الدعوي والحركي والتربوي لا يُقاس فقط بما انتهى إليه قرار واحد، بل يُقاس كذلك بالمنهج الذي صُنع به القرار، وبالأثر الذي تركه في عقل المؤسسة، وثقة الصف، ونضج القيادات، وقدرة الجماعة على التعلم والمراجعة.

قد يصيب الفرد في قرار اتخذه وحده، كما قد تخطئ الجماعة بعد مشاورة واسعة، لكن الصواب الفردي إذا تأسس على الانفراد قد يربي في النفوس التعلق بالشخص، ويضعف ثقافة المشاركة، ويجعل المؤسسة رهينة لمزاج القائد أو تقديره. أما الشورى، حتى إذا أفضت إلى قرار لم تكن نتائجه كما أُريد لها، فإنها تبني عقلًا جماعيًا، وتراكم خبرة مشتركة، وتعلّم الصف كيف يفكر، وكيف يختلف، وكيف يتحمل نتيجة اختياره.

وهذا المعنى لا ينتقص من مقام القيادة، ولا يلغي حاجتها إلى الحسم، بل يضع الحسم في موضعه الصحيح: بعد النظر، وبعد المشاورة، وبعد استفراغ الوسع، وبعد سماع أهل الرأي والخبرة. فالقيادة الراشدة ليست قيادة تتردد أمام الآراء، ولا قيادة تستبد بها، بل قيادة تحسن الاستماع، ثم تحسن الترجيح، ثم تمضي بعد ذلك بعزم وتوكل.

قد يصيب الفرد في قرار اتخذه وحده، كما قد تخطئ الجماعة بعد مشاورة واسعة، لكن الصواب الفردي إذا تأسس على الانفراد قد يربي في النفوس التعلق بالشخص، ويضعف ثقافة المشاركة، ويجعل المؤسسة رهينة لمزاج القائد أو تقديره

الشورى بعد أُحد: دلالة قرآنية عميقة

ومن أعظم ما يؤصل لمكانة الشورى في الإسلام أن الأمر بها جاء في سياق غزوة أُحد، وهو سياق بالغ الدلالة. فقد وقعت المشاورة قبل الخروج إلى أُحد، وكان رأي طائفة من الصحابة الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يميل إلى البقاء فيها. ثم جاءت أحداث أُحد بما فيها من ابتلاء وجراح واستشهاد، وبما ظهر فيها من أثر مخالفة بعض الرماة للأمر النبوي.

ومع ذلك، لم ينزل القرآن بعد أُحد ليقلل من شأن الشورى، ولم يجعل ما وقع سببًا لإلغائها أو تضييقها أو تحويلها إلى صورة شكلية. بل جاء الأمر الإلهي مؤكدًا لها في واحد من أعمق نصوص القيادة في القرآن الكريم، فقال تعالى:

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].

إن موضع الآية بعد أُحد يكشف أن الشورى ليست مرتبطة فقط براحة النتائج، ولا تُقاس بمجرد سلامة المخرجات الظاهرة في كل مرة، بل هي منهج تربية وبناء واحتواء. فلو كانت الشورى تُترك بسبب نتيجة مؤلمة أو تقدير لم يصب كمال الصواب، لكان سياق أُحد أولى المواضع بإلغائها. لكن الوحي جاء بعكس ذلك تمامًا: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159].

وهذا من أعمق الدروس للقيادات: أن الخطأ المحتمل في بعض نتائج الشورى لا يبرر إسقاط أصلها، كما أن صواب الفرد في بعض المواقف لا يبرر تحويل الانفراد إلى منهج دائم. فالمقصد ليس فقط الوصول إلى قرار، بل بناء جماعة قادرة على الفهم، والمشاركة، والمراجعة، والتعلم، وتحمل المسؤولية.

إن موضع الآية بعد أُحد يكشف أن الشورى ليست مرتبطة فقط براحة النتائج، ولا تُقاس بمجرد سلامة المخرجات الظاهرة في كل مرة، بل هي منهج تربية وبناء واحتواء. فلو كانت الشورى تُترك بسبب نتيجة مؤلمة أو تقدير لم يصب كمال الصواب، لكان سياق أُحد أولى المواضع بإلغائه

القيادة بين اللين والعزم

تجمع الآية بين معانٍ دقيقة في بناء القيادة الراشدة. فهي تبدأ بالرحمة واللين: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]، وتقرر أن القسوة والغلظة تؤديان إلى انفضاض الناس: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]. ثم تأتي معاني العفو والاستغفار، قبل الأمر بالشورى، ثم يأتي العزم والتوكل.

وهذا الترتيب بحد ذاته منهج متكامل: قيادة رحيمة، وصف متماسك، ومراجعة لا تقطع روابط الأخوة، وشورى حقيقية، ثم قرار حاسم بعد استكمال النظر. فالشورى ليست نقيض العزم، بل طريقه الناضج. وليست إضعافًا للقيادة، بل تهذيبًا للقوة، وضبطًا للسلطة، وحماية للقرار من ضيق الزاوية الواحدة.

القائد الذي يشاور لا يتنازل عن مسؤوليته، بل يمارسها على وجه أكمل؛ لأنه لا يكتفي بما يراه، بل يضم إلى رؤيته رؤى الآخرين، وإلى خبرته خبرات متعددة، وإلى تقديره الفردي تقديرات جماعية. ثم إذا تبين له وجه المصلحة، مضى بعزم، لا بتردد، وبثقة، لا بانفعال، وبتوكل، لا بادعاء العصمة.

بين الشورى الحقيقية والشورى الشكلية

وليست الشورى المقصودة هي تلك التي تأتي بعد أن يكون القرار قد اتُّخذ، أو التي تتحول إلى مجرد مباركة لما يريده القائد، أو التي يُختار لها من يُعرف مسبقًا أنهم سيوافقون. هذه ليست شورى بالمعنى العميق، وإن أخذت صورتها الظاهرة.

الشورى الحقيقية هي التي تسمح بظهور الرأي المخالف في بيئة آمنة، وتُعطي أهل الخبرة حقهم في البيان، وتستمع إلى الاعتراض الجاد بوصفه جزءًا من صناعة القرار، لا بوصفه تهديدًا للقيادة أو خروجًا على الجماعة. وهي الشورى التي يخرج فيها القائد من دائرة راحته، فيسمع ما لا يحب، ويتأمل ما لا يوافق هواه الأول، ويتيح للرأي الآخر أن يعرض حجته كاملة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تُفهم الشورى على أنها فتح لباب الجدل غير المنضبط، أو النقد لأجل النقد، أو الاعتراض لمجرد المخالفة، أو تحويل المؤسسات إلى ساحات استنزاف. فكما أن الاستبداد يضر بالمؤسسة، فإن التشويش الدائم يضعفها كذلك. الفرق واضح بين رأي مخالف صادر عن حرص وفهم وتجرد، وبين اعتراض غايته التعطيل أو تصفية الحساب أو إثبات الذات.

الشورى الحقيقية تحتاج إلى قائد واسع الصدر، كما تحتاج إلى أصحاب رأي يتحلون بالمسؤولية. تحتاج إلى من يستمع، وتحتاج كذلك إلى من ينصح بأدب، ويخالف بعلم، ويعترض بإنصاف، ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبار الشخصي.

الشورى الحقيقية تحتاج إلى قائد واسع الصدر، كما تحتاج إلى أصحاب رأي يتحلون بالمسؤولية. تحتاج إلى من يستمع، وتحتاج كذلك إلى من ينصح بأدب، ويخالف بعلم، ويعترض بإنصاف، ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبار الشخصي

صناعة القرار ليست امتحانًا للولاء

من المهم في المؤسسات الدعوية والحركية ألا يتحول الاختلاف في الرأي إلى امتحان للولاء، وألا يُقرأ كل اعتراض باعتباره خصومة، ولا كل سؤال باعتباره تشكيكًا، ولا كل مراجعة باعتبارها خروجًا عن الصف. فالقضايا الاجتهادية بطبيعتها تحتمل النظر، والواقع المعاصر بتعقيداته يحتاج إلى تعدد زوايا الرؤية، ولا يليق بالعقل المؤسسي أن يضيق بالاختلاف المنضبط.

إن من علامات النضج أن نفرق بين وحدة الصف ووحدة الرأي. وحدة الصف مطلوبة، أما وحدة الرأي في كل مسألة فليست ممكنة ولا مطلوبة. وقد يختلف العاملون في تقدير الوسائل، أو ترتيب الأولويات، أو قراءة المآلات، مع بقاء قصدهم واحدًا: خدمة الدعوة، وحفظ الجماعة، وتحقيق المصلحة العامة.

ومن هنا، فإن القيادة الراشدة لا تبحث عن صف يكرر رأيها، بل عن صف يعينها على رؤية ما قد يغيب عنها. ولا تأنس بمن يوافقها دائمًا أكثر من أنسها بمن ينصحها بصدق. فالرأي المخالف، إذا صدر عن علم وتجرد، ليس عبئًا على القيادة، بل نعمة تحفظها من الانغلاق، وتمنع القرار من أن يولد في دائرة ضيقة.

الشورى وبناء المؤسسة لا صناعة القرار فقط

إن القيمة الكبرى للشورى لا تظهر فقط في القرار الواحد، بل في الأثر التراكمي الذي تتركه داخل المؤسسة. فهي تربي القيادات الجديدة، وتوسع دائرة الفهم، وتحفظ الذاكرة الجماعية، وتمنع احتكار الخبرة، وتُشعر العاملين أنهم شركاء في المسؤولية لا مجرد منفذين.

أما الإنجاز الفردي، مهما بدا كبيرًا، فإنه يبقى مرتبطًا بصاحبه؛ يأتي معه ويذهب معه. فإذا غاب الفرد غابت معه طريقته، وربما غاب معه كثير من الإنجاز. أما الثقافة الشورية المؤسسية فإنها تبقى بعد الأشخاص، وتنقل الخبرة من جيل إلى جيل، وتجعل المؤسسة أقرب إلى النضج والاستمرار.

ولهذا، فإن الشورى داخل الحركات والمؤسسات ليست أقل أهمية من الإنجاز، بل قد تكون في بعض السياقات أهم منه؛ لأن الإنجاز يعالج حاجة حاضرة، أما الشورى فتبني القدرة على معالجة الحاجات المتجددة. الإنجاز ثمرة، أما الشورى فهي مناخ إنتاج الثمار. والقيادة التي تبني هذا المناخ لا تصنع قرارًا فحسب، بل تصنع مؤسسة.

مقتضيات عملية للقيادات

إن ترسيخ الشورى في العمل الإسلامي يحتاج إلى انتقالها من القيمة المعلنة إلى الممارسة اليومية. وهذا يقتضي أن تكون مجالس الشورى مجالس نظر حقيقي، لا مجالس إقرار صوري. ويقتضي أن تُحترم التخصصات، وأن يُستمع لأهل الخبرة في كل مجال، وأن تُعرض الخيارات بوضوح، وأن تُناقش المخاطر والمآلات، وأن تُوثق أسباب القرار، حتى تتعلم المؤسسة من تجربتها.

كما يقتضي أن تُحمى مساحة الرأي الناصح، وأن يكون في بيئة العمل قدر من الأمان الأخلاقي والتنظيمي يسمح للناس بأن يقولوا ما يرونه صوابًا دون خوف من التصنيف أو الإقصاء. فحين يخاف الناس من الكلام، لا يختفي الخلاف، بل ينتقل من دائرة الشورى إلى دائرة الهمس، ومن النصيحة المباشرة إلى الكلام الجانبي، ومن البناء إلى التآكل الداخلي.

والشورى لا تعني أن يرضى الجميع عن القرار، ولا أن يُؤخذ بكل رأي، ولكنها تعني أن يشعر أهل الرأي أن كلامهم سُمع، وأن حجتهم أُخذت بجدية، وأن القرار صدر بعد نظر لا بعد انغلاق. وهذا وحده كفيل برفع مستوى الثقة، حتى عند من لم يُؤخذ برأيه.

الشورى لا تعني أن يرضى الجميع عن القرار، ولا أن يُؤخذ بكل رأي، ولكنها تعني أن يشعر أهل الرأي أن كلامهم سُمع، وأن حجتهم أُخذت بجدية، وأن القرار صدر بعد نظر لا بعد انغلاق. وهذا وحده كفيل برفع مستوى الثقة، حتى عند من لم يُؤخذ برأيه

ختاما.. إن الشورى في الإسلام ليست ضعفًا في القيادة، ولا ترددًا في القرار، ولا مجاملة للصف، بل هي عبادة ومنهج وبناء. وهي من أعظم ما تحتاجه الحركات الإسلامية اليوم، وهي تواجه تحديات كبرى وحروبًا مركبة على الوعي والهوية والقيم والمقدسات.

وقد علّمنا القرآن من خلال سياق أُحد أن الشورى لا تُلغى بسبب ألم التجربة، ولا تُختزل في حساب النتيجة القريبة، بل تُحفظ لأنها تبني الإنسان والجماعة والمؤسسة. فالقرار الصائب مهم، لكن المنهج الذي يصنع القرار أهم وأبقى. وصواب الفرد قد ينقذ موقفًا، أما الشورى الراشدة فتبني أمة قادرة على النهوض والمراجعة والاستمرار.

ولهذا، فإن القيادات التي تريد أن تحفظ دعوتها ومؤسساتها لا يكفي أن تبحث عن القرار الصحيح في لحظة معينة، بل عليها أن تبني البيئة التي تُنتج القرار الراشد باستمرار: بيئة رحمة، ولين، وعفو، واستغفار، ومشاورة، وعزم، وتوكل. ذلك هو الترتيب القرآني العميق: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159].

تاريخ النشر: منذ 12 يومًا

آخر تحديث: منذ ساعتين