
لطمية سنية
بداية، يعلم الله أنني لم أقصد أبداً شرعنة ما نهانا الشرع عنه، ولا الرضا ببدعة، ولا التسويغ لها من قريب ولا من بعيد، فأنا أضعف من ذلك، ولا أقوى على أن ألقى الله تعالى وفي رقبتي شيء من هذا القبيل، إنما أردت بمقالتي هذه أن ننأى بأنفسنا عن سفاسف الأمور، وألا ننشغل بالمظهر عن الجوهر، وألا يكون وطيس الحرب حامياً ونحن نفتعل معارك جانبية نتراشق فيها ونتنابز، وننشغل عن لب المعركة والقضية!!
أولاً: نشأة شعر الرثاء
إن شعر الرثاء معروف في معظم الآداب العالمية، ومنها الأدب العربي، ويرجع تاريخه إلى ما قبل الإسلام، فمنذ عصور ما قبل الإسلام حتى العصور المتأخرة، عُرف شعر الرثاء كأحد أكثر وأهم فروع الأدب العربي.
ثانياً: أشهر من نظم قصائد الرثاء العربي
لقد شرع كثيرون من فطاحل اللغة العربية في نظم قصائد الرثاء، بيد أن أشهر من نظم الرثاء العربي هي تُماضِر بنت عمرو بن الحارث، المعروفة بلقب الخنساء.
لقد برعت الخنساء في نظم الشعر للحد الذي جعل بشار بن برد يقول عنها: «غلبت الرجال بشعرها»، وجعل النابغة يقول: «الخنساء أشعر الجن والإنس»، وقدمها جرير على نفسه.
والخنساء هي التي قالت في رثاء أخيها صخر:
يذكرني طلوع الشمس صخراً *** وأذكره لكل غروب شمسِ
ولولا كثرة الباكين حولي *** على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي!!!! ولكن *** أعزي النفس عنه بالتأسي
فلا والله، لا أنساك حتى *** أفارق مهجتي ويبلى رمسي!
فيا لهفي عليه، ولهف نفسي *** أيصبح في الضريح وفيه يمسي؟!
جاء في كتاب «شهيرات النساء في العالم الإسلامي» للكاتبة قدرية حسين، كريمة السلطان حسين كامل بن الخديوي إسماعيل بن إبراهيم باشا والي مصر، أنه عندما أسلمت الخنساء رآها سيدنا عمر بن الخطاب ذات يوم أثناء طوافها بالكعبة، وهي تلبس ثوبًا خلقًا من الخيش الأسود، وتندب أخويها على عادة العرب في جاهليتها. فتقدم إليها الفاروق ونصحها كثيرًا، وقال لها: إن ما هي عليه من الحداد من بدع الجاهلية التي حرَّمها الإسلام، فامتثلت لأمره، إلا أنها لم تكف عن البكاء، ولم يفارق الحزن قلبها.
وفي أيام خلافة سيدنا عمر جاء إليه نفر من أصحابها، وشكوا إليه حالها، وطلبوا منه إحضارها وبذل النصيحة لها عسى أن ترجع عن حزنها، فلما مثلت الخنساء بين يدي الفاروق عمر رضي الله عنه وجد عينيها غائرتين من كثرة البكاء، فواساها ووعظها، وبذل لها النصيحة، إلا أن حالها لم يتبدل، فتأثر سيدنا عمر لحزنها، وعزم على أن يتركها لحالها، ثم التفت إلى أصحابه وقال لهم: «دعوها بعد اليوم في شأنها، فإن للمرء أن يبكي ما شاء لمصيبته ونكبته». اهـ.
ثالثاً: ما اللطميات؟
تعرف اللطميات بـ«القصائد العزائية» أو «الأدب العزائي»، ويعتبر المحققون أن اللطميات من مراسم المذهب الشيعي الإثني عشري، يقيمها الشيعة في بعض دول العالم في أماكن تجمعهم، كلٌّ بلغته الخاصة، في أيام وليالي مناسبات مقتل أئمتهم؛ حيث يجتمع الناس ويضمهم موكب واحد، مع وجود منشد «رادود» يردد عليهم قصيدة رثاء حزينة، يُذْكر فيها المصائب التي جرت وحلَّت بعد موت أئمتهم، وهي من البدع المُستحدثة التي لا يقرها الإسلام.
ومنذ استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب وأصحابه في كربلاء عام 61هـ، ذاع صيت كثير من الشعراء بمراثيهم للإمام الحسين.
ويجمع المحققون على أن أول من نظم قصيدة مقاربة للطريقة الحديثة في القراءة والتجمهر في موكب لرثاء الحسين بن علي هو الفقيه الشاعر الشريف الرضي، مؤلف كتاب «نهج البلاغة».
وفي نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين الميلاديين، بدأ هذا الفن تكتمل فيه عناصره وملامحه لكي يُعد فناً مستقلاً بذاته. وأشهر شعراء المراثي الشيعية في العصر الحديث هو الشاعر عطية الجمري، الذي تميز عن غيره بأنه نظم معظم قصائده باللهجة العامية، ليُعد أشهر شاعر في القرن العشرين رثى آل البيت باللهجة الدارجة.
رابعاً: الشاعر عبد الله الشريف و«اللطمية السنية»
في يوم الخميس الموافق 30 إبريل 2016م، خرج علينا الشاعر واليوتيوبر عبد الله الشريف بواحدة من أقوى الحلقات في تاريخه، أسماها: «لطمية سُنِّية».
ورد في صدر هذه الحلقة أنشودة حماسية رائعة في مبناها ومعناها، دفاعًا عن واحدة من أمهات المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، ولعن الله من آذاها، حيث تطاول عليها واحد لا يوصف إلا أنه «نصف جيفة»، كما أسمته الأنشودة، وهو الرادود «المغني» خضر عباس.
ما إن ظهرت الأنشودة إلا وخرجت علينا فئة من المتشدقين المتفيهقين ينتقدون العنوان، قائلين: «ليس في الإسلام لطم! فكيف يُسمي الأنشودة لطمية سُنية؟»، وغير ذلك من الأقاويل التي فضحت عور وعوار أحلامهم، وسطحية وضآلة أفهامهم.
أسئلة مشروعة
ألا يعلم هؤلاء الغلمان أن هذا العنوان قد جاء من باب المشاكلة والمقابلة بالجنس فقط، وهذا باب مُعتبر من أبواب اللغة العربية، ولا يقصد بالعنوان اللطم في معناه الحسي الحقيقي؟
ألا يعلم هؤلاء أن الفاروق عمر رضي الله عنه قد قال: «رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب»، قاصدًا بأرطبون العرب سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه؟
وكلمة «أرطبون» في أصلها كلمة أعجمية لا أصل لها في اللغة العربية، إنما كان الروم يطلقونها على الشخص شديد الدهاء والمكر والخداع!!
هل وصل إلى هؤلاء أن سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه أو أحدًا من الصحابة قد اعترض على هذه التسمية الأعجمية التي لم ترد في مفردات اللغة العربية؟
ألم يقرأ هؤلاء قول الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]؟
وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 50]؟
لو سلّمنا بصحة ما يقوله هؤلاء الغلمان، أليست هناك قاعدة عقدية وردت في كتب التراث مثل «البداية والنهاية» تقول بأن: «ناقل الكفر، لغرض شرعي، ليس بكافر»؟
هل يحق لنا أن نكفر هؤلاء الغلمان لمجرد أنهم يحذرون المسلمين فينقلون سب الشيعة للصحابة ولأمهات المؤمنين؟ بالطبع لا.
إنني لا يسعني في هذا المقام إلا أن أقول لكل واحد من هؤلاء: لا تهرف بما لا تعرف يا «نص جيفة».
أخيراً أقول:
إن ما فعله ويفعله عبد الله الشريف هو أنه يلقي حجارة في المياه الراكدة حتى لا تتعفن، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
إنه يمنح الأمة قبلة الحياة لتنهض وتبين للعالم أنها قد تمرض، ولكنها بوعد من الله لا تموت.
إنه يجعل من كل من ينال من الأمة عبرة وعظة لغيره.
إنه يرهب كل من تسول له نفسه أن ينال من جسد الأمة ليفكر ألف مرة قبل أن تسول له نفسه الخبيثة ذلك.
إنه ينصر الدين في زمن الغربة الذي قل فيه الناصر والمعين.
إنه يثبت أن كلمة «رجل بأمة» لم يولِّ زمانها، وأن أمة محمد يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد شبابها.
إنه يذكرنا بصنيع حمزة رضي الله عنه، الذي شج رأس أبي جهل، وقال له: «أتسب محمداً وأنا على دينه؟».
ويذكرنا بصنيع أبي بكر حين قال في حرب الردة: «أينقص الدين وأنا حي؟».
إنني في مقام عبد الله الشريف هذا كأني أسمع النبي ﷺ يقول: «ارمِ عبد الله وروح القدس ترعاك»!
إن كل ما أقوله ليس تحيزًا أعمى، ولا مبالغة جوفاء ليست في محلها، ولا إطراءً لمن لا يستحق، ولكنه إحقاقًا للحق، ولا أزكي على الله أحداً.
فيا من تغضون الطرف عن جراح الأمة وعن من ينكلون بها، لا تكونوا حربة في قلب ولا في ظهر من يدافعون عن حياض الإسلام وحماه، ولا من يقومون بفرض الكفاية عنكم.
ويا من تغضون الطرف عن جراح الأمة وعن من ينكلون بها، شدوا من أزر أخيكم، ولا تكونوا عونًا للأعداء عليه؛ لأنكم بصنيعكم هذا تحدثون تصدعاً من الصعب رأبه، وتحدثون ثلمة من الصعب ترميمها.
ويا من تغضون الطرف عن جراح الأمة وعن من ينكلون بها، هذا صنيع عبد الله الشريف، فأين صنيعكم؟
وأقول:
رحم الله الإمام البنا حين رتب أركان البيعة العشرة، فجعل في مقدمتها «ركن الفهم»، وقدمه على «الإخلاص والعمل والجهاد... إلخ».
تاريخ النشر: ١٠ مايو ٢٠٢٦ في ٠٦:٠١ م
آخر تحديث: منذ ساعة
مختارات من بصائر من واقعنا
عن الكاتب
محمد عبدالرحمن صادق
<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>
عرض الملف الشخصي ←

