لله دَرُّك يا "قسَّام".. من أي طين الأرض خُلِقتَ يا رجل؟! (2-2)
بصائر من واقعنا
منذ 5 أيام
٧٩ مشاهدة
16 دقيقة قراءة

لله دَرُّك يا "قسَّام".. من أي طين الأرض خُلِقتَ يا رجل؟! (2-2)

قلائل هم الذين فرضوا على التاريخ أن يُخلِّد أسماءهم ويذكر مشوار حياتهم بأسطر من نور، ومن بين هؤلاء القلائل الذين عزَّ الزمان أن يجود بمثلهم "الشهيد عز الدين القسَّام"، الذي عندما تقرأ عن سيرته ومشوار حياته فكأنك تقرأ عن رجل من جيل الصحابة أو من جيل التابعين!

تحدثنا بفضل الله تعالى في #الجزء_الأول من هذا الموضوع عن عدة نقاط يمكن الرجوع إليها، وفي هذا الجزء سنتحدث -بمشيئة الله تعالى - عن:

سابعاً: القسام وتكوين التنظيم المسلح

استطاع القسام أن ينخرط بين عموم طبقات الشعب، خاصة الطلاب والعمال، ويهيئهم للجهاد حتى أصبحوا يتناقلون كلماته الجهادية فيما بينهم، وكان شعاره وشعار تلاميذه ومحبيه: (هذا جهاد.. نصر أو استشهاد).

• عندما تم دمج الأفراد في مجموعات، وكثر الأتباع، وحميت الاستعدادات للجهاد، جعل القسام شرط الانضمام للمجموعات الجهادية هو أن يشتري الفرد سلاحه الأول من ماله الخاص؛ لأن بذل المال إنما هو تدريب على بذل الروح، ومن بخل بالمال فهو بالنفس أبخل.

• كانت أول خطوات الاستعداد للجهاد هي تكليف المجموعات بمهام مثل: (مجموعة شراء السلاح، مجموعة الاتصالات السياسية، مجموعة الاستخبارات والتجسس، مجموعة التدريب العسكري، مجموعة التمويل ورعاية أسر المعتقلين والشهداء)، وتم إسناد قيادة كل مجموعة لعضو منها، كما تم تكليف كل عضو قسَّامي بدفع عُشر دخله شهرياً لدعم وتوفير المتطلبات الأساسية، وكذلك قام بندب الميسورين للتبرع.

• قام القسام بإخضاع المجموعات لتدريبات شاقة، استطاع القسَّام من خلالها أن يربي رجالاً كوَّنوا جيلاً فريداً مستعداً للجهاد والتضحية من أجل تحرير الوطن من قوات الاحتلال البريطاني.

• وقبل الإعلان عن الجهاد العلني، قام تنظيم القسام بعدد من العمليات الفدائية بين صفوف العدو؛ لتكون هذه العمليات تدريباً عملياً لما هو قادم، ولكسر حاجز الخوف لدى الأعضاء، وليعلم العدو أن الشعب الفلسطيني بمقدوره تحرير بلاده من كل محتل غاصب.

قلائل هم الذين فرضوا على التاريخ أن يُخلِّد أسماءهم ويذكر مشوار حياتهم بأسطر من نور، ومن بين هؤلاء القلائل الذين عزَّ الزمان أن يجود بمثلهم الشهيد عز الدين القسَّام

ثامناً: قيام القسام وأتباعه بعمليات فدائية ضد الاحتلال البريطاني

في عام 1930م حصل الشيخ القسام على فتوى شرعية من شيخ دمشق "بدر الدين الحسني"، لإعلان الجهاد مع النفير العام في فلسطين.

• كانت أولى العمليات الفدائية هي الهجوم على "مغتصبة الياجور" قرب "حيفا" ليلة الرابع من إبريل عام 1931م، حيث قام الفدائيون بقتل ثلاثة يهود، وعادوا سالمين، ثم توالت العمليات الفدائية الدقيقة والناجحة على مجموعة من المغتصبات التي يحتلها العدو.

• استمرت العمليات في فترات متعاقبة، وتمثلت في (قنص ضباط الإنجليز، وتخريب السكك الحديدية الخاصة بالإنجليز، والهجوم على معسكراتهم... إلخ)، مما أصاب القوات البريطانية بالرعب والفزع.

• وعندما زادت العمليات الفدائية ضد الإنجليز، حاولوا تجنيد الجواسيس للتعرف على هوية القائمين بتلك العمليات، ولكن دون جدوى. كما قاموا بالتحقيق مع الشيخ القسام، فلم يجدوا أدلة كافية ضده لاتهامه بالتخطيط لهذه العمليات، مما جعلهم يطلقون سراحه.

تاسعاً: القسام يعلن الجهاد ضد الاحتلال

بعد اجتماع طويل مع قادة التنظيم في 11 نوفمبر 1935م، اضطر القسام لإعلان الجهاد قبل اكتمال الاستعدادات التي خطط لها، وذلك لعدة أسباب:

1- شعر القسام أن العدو يضيِّق الخناق عليه وعلى أتباعه، فأراد أن يقوم بعملية استباقية قبل اكتشاف أمرهم والقضاء على مخططهم.

2- البدء في تنفيذ (وعد بلفور)، وزيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، حيث دخل فلسطين في ذلك العام 62000 يهودي.

3- اكتشاف عملية تهريب ضخمة للأسلحة الحديثة مرسلة لليهود من بلجيكا.

• نتيجة لهذه الأسباب الجوهرية، قرر القسام إعلان الجهاد قائلاً: "إن لم نهاجم اليهود فإنهم سوف يهاجموننا".

• خطب الشيخ آخر خطبة له وقال فيها: "أيها الناس، لقد علَّمتكم أمور دينكم حتى صار كل واحد منكم عالماً بها، وعلَّمتكم أمور وطنكم حتى وجب عليكم الجهاد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فإلى الجهاد أيها المسلمون.. إلى الجهاد أيها المسلمون". وودَّع الحضور، ثم انطلق ليصدر الأمر القيادي الأول الذي جاء فيه: (ليتوجه كلٌّ إلى أهله، يستودعهم الله، ويعاهدهم على اللقاء في الجنة)!

• عندما علمت السلطات البريطانية بما حدث من القسام، أخذت تفتش عنه، لكنه كان قد حمل بندقيته وودَّع أهله، وخرج ومن معه إلى الجبال.

عندما رأت قوات الاحتلال كل هذه الحشود الثائرة، وأن ردود الأفعال ليست في فلسطين فحسب، بل في كل الدول العربية، أيقنت أن القسام قد فتح باباً لا يمكن إغلاقه من بعده.. وهو باب الجهاد

عاشراً: القسام وأتباعه في جبال وأدغال "جنين"

اتجه القسام ومن معه نحو منطقة "جنين" لطبيعتها الجغرافية، ولوجود غابات كثيفة بها، كما أن كثيراً من أصحابه كانوا من أهل جنين.

• عندما فشلت قوات الاحتلال في الإمساك بالقسام ورفاقه، نشرت الصحف خبراً تقول فيه: (إن شيخاً يُقال له القسام -يلبس الكوفية والعِقال والبنطال الكاكي- يتدرب في غابات "يعبد" ويستعد للجهاد)!

• لم تكتفِ قوات الاحتلال بما نشرته في الصحف، بل أعلنت عن جائزة لمن يُدلي بمعلومات عمن أسمتهم اللصوص الذين يعيشون في جبال جنين. كما بدأت القوات تتعقب مجموعة القسام عن طريق العملاء والجواسيس، وعن طريق السذج الذين صدَّقوا مزاعم الاحتلال بأن المجاهدين عبارة عن مجموعة من اللصوص، مما جعل القسام يقوم بتقسيم الأفراد إلى مجموعات، وأمرهم بالانتقال إلى جبل آخر.

• استخدم العدو طائرة استطلاع استطاعت أن تحدد مكان القسام ورفاقه، وفي صبيحة يوم 20 نوفمبر 1935م أغارت قوات الأعداء على المكان بقوة بلغ عددها 200 فرد، معظمهم قناصة، بينما كان المجاهدون الذين مع القسام عبارة عن ثمانية أفراد، هو تاسعهم.

• كانت قوات العدو لا تعرف عدد المجاهدين في المجموعة، مما جعلهم يظنون أنهم يحاربون جيشاً كبيراً لما لاقوه من مقاومة شرسة نتج عنها مقتل 15 بريطانياً. واستمرت المعركة لساعات طويلة، وظنت قوات العدو أن جنود القسام سيستسلمون، إلا أن الشيخ القسام صاح قائلاً: (لن نستسلم، هذا جهاد في سبيل الله). ثم قال لرفاقه: (موتوا شهداء خير من الاستسلام للكفرة).

حادي عشر: استشهاد الشيخ القسام وردود الأفعال

أخذ الشيخ القسام يواجه العدو بشراسة حتى استشهد، وتم أسر ثلاثة من رفاقه، وحُكم عليهم بالسجن 14 سنة.

• عندما وصل خبر استشهاد القسام وبعض رفاقه إلى الناس، أصابهم الحزن، وخرجوا في جنازة كاسحة هزت فلسطين، وأضربت "حيفا" إضراباً كاملاً.

• كان لخبر استشهاد الشيخ القسام أثر بالغ في مصر وكل بلاد الشام، وتوافد المشيعون من أنحاء فلسطين، فتحول موكب الجنازة إلى مظاهرة حاشدة تطالب بالانتقام لمقتل الشيخ القسام.

• ولقد كانت مبادئ الشيخ القسام وشعبيته عابرة للحدود، حيث أُقيمت صلاة الغائب عليه في كل الدول العربية، وبكاه ورثاه المجاهدون والعلماء والشعراء والأدباء والسياسيون من مختلف الدول والتوجهات الفكرية.

• عندما رأت قوات الاحتلال كل هذه الحشود الثائرة، وأن ردود الأفعال ليست في فلسطين فحسب، بل في كل الدول العربية، أيقنت أن القسام قد فتح باباً لا يمكن إغلاقه من بعده.. وهو باب الجهاد.

• كما أيقن أدعياء الوطنية الذين ينتهجون نهج الحلول السلمية عن طريق المفاوضات أنهم قد اختاروا لأنفسهم طريق الوطنية الحنجورية الباردة التي لا تحل قضية ولا تدفع عدواً، وأنهم مهما فعلوا لن يقدموا للقضية الفلسطينية معشار ما قدمه الشيخ القسام، وهذا ما جعلهم يرفضون حضور جنازته!

• أما أتباع الشيخ القسام، فقد انطلقوا إلى الجبال لمواصلة مسيرة شيخهم وقائدهم بعد أن انضم إليهم شباب جدد ألهب استشهاده حماسهم.

• إن وفاة الشيخ القسام جعلت روح الجهاد تسري في أوصال الشعب الفلسطيني كعود الثقاب الذي اشتعل في الهشيم في يوم صائف.

قبر الشهيد عز الدين القسام
قبر الشهيد عز الدين القسام

ثاني عشر: مواصلة الجهاد بعد وفاة القسام

كان الشيخ القسام ورفاقه قد وضعوا خطة يسيرون عليها في حال استشهاده، فلم تمر ستة أشهر إلا وأشعلوا الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936م بقيادة (فرحان السعدي)، تلميذ الشيخ القسام، الذي ما لبث أن تم إعدامه.

• تسلم الراية المجاهد (عبد القادر الحسيني)، فقاد الجهاد حتى استشهد عام 1948م، وظلت روح الجهاد سارية، وجذوته مستعرة، ورايته خفاقة جيلاً بعد جيل، إلى أن استلم القيادة الشيخ المجاهد (أحمد ياسين)، الذي أسس "حركة حماس" في 15 ديسمبر 1987م، حيث استأنفت طريق الجهاد بقيادة أبطال كانوا يوم مقتل القسام ما زالوا نطفاً في أصلاب آبائهم وأجدادهم.

• اختارت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اسم "الشيخ عز الدين القسام" ليكون اسماً لجناحها العسكري، وأعلنت "كتائب القسام" أن هدفها العام هو "تحرير كل فلسطين من الاحتلال الصهيوني الذي يغتصبها عنوة منذ عام 1948م، ونيل حقوق الشعب الفلسطيني التي سلبها الاحتلال".

• جاء في المادة 13 من ميثاق "حماس": (لا يوجد حل للقضية الفلسطينية إلا من خلال الجهاد، والمبادرات والمقترحات والمؤتمرات الدولية كلها مضيعة للوقت ومساعٍ عبثية).

• إن ما يميز (حركة حماس) أنها تحمل مشروع تحرر وطني، وتعمل بكل طاقتها وإمكانياتها من أجل تعبئة وقيادة الشعب الفلسطيني وحشد موارده وقواه وإمكانياته، كما تعمل على تحريض وحشد واستنهاض الأمتين العربية والإسلامية في مسيرة الجهاد في سبيل الله لتحرير فلسطين.

سلام عليك يا ثقاباً أشعل الأمل في قلب مخلصي الأمة! ويا شهيداً أحيا الله بموته موات القلوب! ويا برقاً بدد الغيوم وأرشد الحيارى! ورعداً أصم آذان المحتلين! سلام عليك في الخالدين إلى يوم الدين

ثالث عشر: قالوا عن القسام

1- بعد استشهاد القسام بأيام، كتب المناضل (أكرم زعيتر) في بعض الصحف: "ليس من سبيل إلى الخلاص إلا الجهاد الدامي، وقد فتح لنا فقيدنا الباب فلنلجه، وإنا لفاعلون. إنها دعوة جديدة أخذت تظهر على ألسنة الناس لم نكن نعرفها، نفخت في الأمة روحاً لم تكن تفطن لها. لقد سمعتك من قبل خطيباً، لكنك اليوم أخطب منك حياً".

2- وقال السياسي والمناضل الفلسطيني (جمال الحسيني): "ثورة القسام كانت ثورة علينا جميعاً، إذ يقول كل واحد منا: في قلبي إيمان وإخلاص، ولكني مُثقل، وورائي عائلة أخاف عليهم، لكن القسام وأصحابه خرجوا عن أعشاش فيها قطع لحم كأفراخ العصافير، ينتظر كل منها مُعيله ليضع في منقاره ما يسد به جوعه، خرجوا لإحقاق الحق".

3- كما قال أيضاً: "القسام.. القسام.. اسم سوف يبقى في فلسطين، يتردد في أجوائها، فيوقع الرعب في قلوب الذين يسيطرون عليها بحرابهم، ويُتلى في صفحات تاريخها الخالدة فيملأ نفس القارئ إكباراً وإعجاباً".

4- وقال السياسي الفلسطيني موسى جرادات: "في الوقت الذي كانت فيه كل الأنظار تتجه نحو عاصمة الإمبراطورية الاستعمارية، لندن، كان الشهيد عز الدين القسام يقف على الضفة المقابلة، يصنع قبلة أخرى غيرها".

5- وتناولت بعض الصحف الغربية حدث استشهاد القسام ورفاقه، حيث كتبت (صحيفة الأوبزرفر اللندنية): "جهاد العرب الحقيقي في سبيل التحرر بدأ بقيام حركة القسام".

6- وجاء في كتاب "الوعي والثورة" لمؤلفه (سميح حمودة): "القسام ذهب في خوابي الماء، امتزج بكل طمى فلسطين، فأنّى لنا أن نلملمه؟".

أخيراً أقول

إن كل ما سبق ما هو إلا شذرات وقطرات من حياة القسام، التي يصعب على مثلي أن يسبر أغوارها أو أن يدرك قاعها، وكل ما يمكن أن يفعله كل ضعيف مثلي هو أن يقف مشدوهاً على شاطئ حياة القسام الهادر، فاغراً فاه لهول ما يرى...

• ولِمَ لا، والقسام قد واجه أعتى قوات الاحتلال في زمانه (الفرنسية والإيطالية والبريطانية)، بجانب مواجهته الشرسة لقوات المحتل الصهيوني، وهذا ما جعل مجرد اسمه يرعب الأعداء إلى يومنا هذا.

سلام عليك يا ثقاباً أشعل الأمل في قلب مخلصي الأمة! ويا شهيداً أحيا الله بموته موات القلوب! ويا برقاً بدد الغيوم وأرشد الحيارى! ورعداً أصم آذان المحتلين! سلام عليك في الخالدين إلى يوم الدين.

تاريخ النشر: منذ 5 أيام

آخر تحديث: منذ ساعتين

مختارات من بصائر من واقعنا

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة